الروبوت الفاسد![]() |
| الروبوت الفاسد |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص : حين يعجز بعضنا عن إصلاح الإنسان، يقترح استبداله بآلة. هذه هي الفكرة المغرية التي تتكرر كلما اشتدت خيبة الناس من السياسة والإدارة والفساد. نطرد المسؤولين جميعاً، ونأتي بروبوت لا يعرف الطائفة، ولا العشيرة، ولا المحاصصة، ولا يمد يده إلى المال العام. تبدو الفكرة للوهلة الأولى كأنها وصفة سحرية. لكن المشكلة أن السحر لا يعيش طويلاً أمام أول سؤال منطقي: من الذي صنع الروبوت؟
الروبوت لا يولد في بستان الملائكة. لا يهبط من السماء محملاً بالنزاهة والحياد. إنه في النهاية برنامج كتبه بشر، ودربه بشر، وأعطوه البيانات والمعايير والأوامر. فإذا كان الفساد يسكن عقول بعض البشر، فمن يضمن ألا يندس في أسطر البرمجة نفسها؟
الآلة لا تسرق، صحيح. لكنها تستطيع أن تنفذ تعليمات السارق بدقة مذهلة.
ولو افترضنا أن روبوتاً جلس على كرسي الوزارة، فإنه لن يستيقظ صباحاً ليقول: "لقد اكتشفت فساد العقد الفلاني". بل سيبحث في البيانات التي سمح له مبرمجوه بالوصول إليها. وإذا كانت البيانات ناقصة أو مزورة أو منتقاة بعناية، فسيخرج الروبوت بنتائج ناقصة أو مزورة أو منتقاة بعناية أيضاً.
في العلوم الحديثة توجد قاعدة معروفة: "النفايات الداخلة تعطي نفايات خارجة". أي أن النظام الذكي مهما بلغ من التطور لا يستطيع إنتاج حقيقة من معلومات فاسدة. الذكاء الاصطناعي ليس جهازاً لكشف الضمائر، بل أداة لمعالجة ما يُعطى له.
ولهذا فإن الذين يتخيلون أن الروبوت سيقضي على الفساد يشبهون من يظن أن تغيير ميزان الحرارة سيعالج الحمى.
المشكلة ليست في الجهاز.
المشكلة في الجسد المريض.
والأغرب أن الدول التي يتغنى العالم اليوم بتقدمها التكنولوجي لم تبدأ بالروبوتات أصلاً. اليابان لم تصبح نموذجاً للنزاهة لأنها وضعت إنساناً آلياً في وزارة المالية. وألمانيا لم تبن قوتها الاقتصادية عبر خوارزمية تشرف على الوزراء. والدول الإسكندنافية لم تصل إلى مستويات الشفافية الحالية بفضل روبوتات تجلس خلف المكاتب.
كل هذه الدول سلكت طريقاً أكثر مللاً وأقل إثارة، لكنه أكثر فاعلية.
بنت قضاءً مستقلاً.
فرضت قانوناً لا يميز بين كبير وصغير.
حمت الصحافة من الترهيب.
أنشأت مؤسسات رقابة حقيقية.
ربت الأطفال على احترام المال العام.
وربطت الوظيفة العامة بالمسؤولية لا بالغنيمة.
هناك سر صغير يغيب عن كثيرين: الدول النظيفة لا تنتجها التكنولوجيا، بل تنتجها الثقافة التي تستخدم التكنولوجيا.
فالروبوت في الدولة الفاسدة قد يتحول إلى موظف فاسد بسرعة إلكترونية عالية.
أما في الدولة السليمة فإنه يصبح مجرد أداة إضافية لتحسين الأداء.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر الوقت، ويكشف التناقضات، ويتابع المعاملات، ويرصد الهدر، ويقلل الاحتكاك البشري الذي يفتح أبواب الرشوة. لكن كل ذلك يحدث داخل منظومة تحكمها العدالة. أما إذا كانت العدالة نفسها معطلة، فإن الروبوت لن يفعل أكثر من تنظيم الفوضى وإدارتها بكفاءة أعلى.
ولنتخيل المشهد العراقي على سبيل الدعابة.
يصل الروبوت إلى الوزارة مفعماً بالحماس الرقمي.
يبدأ بمراجعة الملفات.
بعد دقائق يكتشف أن بعض الأوراق مفقودة.
وبعض العقود بلا بيانات.
وبعض المشاريع موجودة على الورق فقط.
وبعض القرارات صدرت شفهياً.
فيتوقف قليلاً ثم يسأل:
أين المعلومات؟
فيجيبه الجميع بثقة وطنية عالية:
"هذه ليست معلومات... هذه تفاهمات".
عندها قد لا يحتاج الروبوت إلى شاحن كهربائي، بل إلى طبيب أعصاب.
إن الفساد ليس عطلاً تقنياً حتى نعالجه بقطعة إلكترونية أحدث. إنه أزمة أخلاقية ومؤسساتية وثقافية وسياسية. وحين تنهض العدالة ويصبح القانون محترماً، وتتحرر الرقابة من الخوف، ويصبح الإعلام شريكاً في كشف الحقيقة لا في تغطيتها، عندها لن نحتاج إلى وزير روبوت.
سيكفي أن يكون لدينا وزير إنسان.
إنسان يخاف القانون أكثر مما يخاف حزبه.
ويخاف ضميره أكثر مما يخاف منصبه.
فالمشكلة منذ البداية لم تكن في غياب الذكاء الاصطناعي.
بل في غياب الذكاء الأخلاقي. |
| المشـاهدات 49 تاريخ الإضافـة 17/06/2026 رقم المحتوى 71452 |
أخبار مشـابهة![]() |
النزاهة تدعو العشائر الأصيلة الى إغلاق أبوابها بوجه الفاسدين ونبذهم مجتمعياً
قوة أمنية من بغداد تعتقل المسؤول المالي بمصفى الشمال في بيجي |
![]() |
النزاهة: 4604 مكلفاً أفصحوا عن ذممهم المالية خلال شهر كانون الثاني
رئيس هيئة النزاهة يدعو الى جهدٍ دوليٍّ جادٍّ لمحاصرة الفاسدين وعدم توفير ملاذاتٍ آمنة لهم |
![]() |
إتلاف نحو 230 طناً من المخللات الفاسدة في بغداد
ضبط امرأة تبيع ادوية غير مرخصة في ببغداد ومصادرة كميات من الادوية المهربة في بعقوبة |
![]() |
الفاسدون يعيشون تحت مظلة الشيطان |
![]() |
إبعاد الفاسدين ضرورة أم عقاب ؟
|
توقيـت بغداد









