| النـص : يُعد التحقيق القضائي من أهم مراحل الدعوى الجزائية في القانون العراقي، إذ يهدف إلى كشف الحقيقة وجمع الأدلة المتعلقة بالجريمة وتحديد المسؤولية الجنائية تمهيداً لإحالة المتهم إلى المحاكمة أو الإفراج عنه عند عدم كفاية الأدلة. وقد نظم المشرع العراقي أحكام التحقيق بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل، مستنداً إلى المبادئ الدستورية التي كفلت حماية الحقوق والحريات العامة.ويستند التحقيق القضائي إلى عدد من المبادئ الدستورية الواردة في دستور جمهورية العراق لسنة 2005، من أبرزها مبدأ سيادة القانون، وقرينة البراءة المنصوص عليها في المادة (19/خامساً) التي تقضي بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، فضلاً عن ضمان حق الدفاع وحق التقاضي.وتتمثل أنواع التحقيق الجزائي في العراق بالتحقيق الابتدائي الذي يجريه قاضي التحقيق أو المحقق تحت إشرافه بعد وقوع الجريمة أو الإخبار عنها، والتحقيق التكميلي الذي قد تجريه المحكمة أثناء نظر الدعوى إذا وجدت أن الأدلة تحتاج إلى استكمال أو تدقيق.أما إجراءات التحقيق فتبدأ بتلقي الشكوى أو الإخبار عن الجريمة، ثم تدوين أقوال المشتكي والمجني عليه والشهود وفق الأصول القانونية. وبعد ذلك يتم استجواب المتهم ومواجهته بالأدلة المتوافرة بحقه مع تمكينه من ممارسة حقه في الدفاع.كما يملك قاضي التحقيق صلاحية إصدار أوامر القبض والتوقيف عند توافر الأسباب القانونية المبررة لذلك، فضلاً عن صلاحية إجراء التفتيش وضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة وفق الضوابط التي رسمها القانون. ويجوز له كذلك الانتقال إلى محل الحادث لإجراء الكشف وجمع الأدلة المادية والاستعانة بالخبراء المختصين في المسائل الفنية كالطب العدلي وفحص المستندات والبصمات.وقد أكدت محكمة التمييز الاتحادية في العديد من قراراتها على ضرورة التزام جهات التحقيق بالإجراءات القانونية الصحيحة، لأن أي مخالفة جوهرية قد تؤدي إلى بطلان الإجراء أو إضعاف القيمة القانونية للدليل المستحصل منه.وفي الختام، يمثل التحقيق القضائي الركيزة الأساسية لتحقيق العدالة الجنائية، إذ يسهم في حماية المجتمع من الجريمة من جهة، وصيانة حقوق الأفراد وحرياتهم من جهة أخرى، مما يجسد مبدأ التوازن بين حق الدولة في العقاب وحق المواطن في ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون.
|