حين يتحوّل الحزن إلى استعراض..ماذا يحدث لشعائر عاشوراء؟
![]() |
| حين يتحوّل الحزن إلى استعراض..ماذا يحدث لشعائر عاشوراء؟ |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب أسيل عبد الأمير |
| النـص : ينصبّ اهتمام الملايين في هذا الشهر على مراسم إحياء ذكرى استشهاد سبط نبي الأمة الإسلامية الإمام الحسين بن علي، وهي ذكرى ارتبطت في الوجدان الجمعي بالحزن والحداد واستحضار قيم التضحية والعدالة ورفض الظلم. غير أنّ ما لوحظ خلال السنوات الأخيرة يدعو إلى التوقف والتساؤل؛ إذ تسارعت التغييرات التي طرأت على بعض مظاهر هذه الشعائر، ودخلت عليها أشكال مستحدثة غيّرت من طبيعتها، حتى فقدت في بعض الأحيان عمقها التاريخي وروحها الحزينة، وتحولت إلى ما يشبه الاستعراض الصاخب المليء بالأهازيج والإيقاعات التي لا تنسجم مع قدسية المناسبة ومعناها.فبدل أن تبقى هذه الذكرى مساحة للتأمل واستذكار المظلومية الحسينية وما تحمله من دروس أخلاقية وإنسانية، باتت بعض الممارسات تميل إلى تحويلها إلى مشهد احتفالي تُسبق بالتحضير والتنظيم كما لو أنها مناسبة للفرح لا للحزن. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل من الطبيعي أن يتحول حدث تاريخي مؤلم، محفور في ذاكرة المسلمين، إلى كرنفال مبهج تُغلب فيه المظاهر على الجوهر؟ إنّ الاعتراض هنا لا يستهدف أصل الشعائر ولا حق الناس في التعبير عن حزنهم وإحيائهم لذكرى الحسين، بل يستهدف ما أُلصق بها من ممارسات دخيلة شوّهت صورتها وأفرغتها من مضمونها. فثمة فرق كبير بين إحياء الذكرى بما ينسجم مع رمزيتها الدينية والتاريخية، وبين تحويلها إلى فضاء مفتوح لكل ما هو غريب عن طبيعتها ورسالتها. ولهذا يرى كثيرون أن ما يحدث ليس تطورًا طبيعيًا في الممارسة، بل تسلل تدريجي لأفكار وأنماط جديدة وجدت بيئة قابلة لاستقبالها، حتى أصبحت مع مرور الوقت جزءًا من المشهد المألوف. ولعل أخطر ما في الأمر أن المجتمعات التي عانت طويلًا من القمع والحرمان والاضطهاد تكون أحيانًا أكثر قابلية لتبنّي الظواهر الدخيلة، ولعلّ ما يزيد خطورة هذا التحول أنّ المجتمعات التي عانت طويلًا من القمع والحرمان والاضطهاد تصبح أحيانًا أكثر قابلية لتقبّل ما يُفرض عليها أو يتسلل إليها، خاصة إذا قُدِّم لها تحت غطاء الحرية أو القداسة أو الهوية. وهنا يمكن استحضار ما تطرحه بعض القراءات السياسية عن سلوك المجتمعات المستضعفة، ومنها ما يرد في كتاب الأمير لنيكولو مكيافيلي، من أن الشعوب التي تُرهَق تحت وطأة الاستبداد قد تُبدي قابلية للتماهي مع القوة الجديدة الوافدة، لا حبًا بها بالضرورة، بل نفورًا مما سبقها، أو بحثًا عن خلاص سريع من واقعها. ومن هذا المنظور، يمكن فهم كيف تجد بعض الأفكار الدخيلة طريقها إلى المجتمع، ثم تُستقبل وتُدافع عنها بحماسة، حتى لو كانت على المدى البعيد سببًا في تشويه الوعي أو تفريغ الرموز من معناها الحقيقي.خصوصًا حين تُقدَّم لها تحت غطاء الحرية أو القداسة أو الهوية. ومع مرور الوقت، يتحول الاعتراض على هذه المظاهر إلى تهمة جاهزة: أنك ضد الشعائر، أو ضد حرية الفرد، أو أنك تمسّ المقدس. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ لأن الخلط بين قدسية المناسبة وبين حصانة الممارسات الطارئة عليها يؤدي إلى تعطيل النقد، ويفتح الباب أمام مزيد من التشويه والانفلات.إنّ الشعائر الدينية، مهما كانت مكانتها، ليست بمنأى عن الاستغلال أو التحريف أو التسييس أو التسليع الاجتماعي. بل إنّ تركها بلا مراجعة ولا وعي يجعلها عرضة للتحول من وسيلة لإحياء القيم إلى أداة لإفراغها من معناها. وما يبدو اليوم تفصيلًا صغيرًا أو مظهرًا عابرًا، قد يتحول غدًا إلى واقع راسخ يصعب تغييره، خاصة إذا حظي بقبول شعبي واسع، ودعم ضمني من جهات نافذة، وصمت رسمي يراقب المشهد من بعيد.ومن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق: أين الدولة من كل هذا؟ لماذا تقف على حافة المشهد متفرجة، رغم أن ما يجري لا يخص طائفة بعينها فقط، بل ينعكس على الذوق العام، وعلى صورة المجتمع، وعلى شكل المجال الديني في العراق كله؟ هل هو عجز عن التدخل؟ أم خوف من ردود الأفعال؟ أم أن هناك مساهمة مباشرة أو غير مباشرة في تكريس هذا الواقع عبر الصمت، أو عبر المجاملة السياسية، أو عبر غضّ الطرف عن كل ما يجري ما دام يمرّ تحت عنوان الشعائر؟إنّ حماية الشعائر لا تكون بتركها فريسة للفوضى، بل بصون معناها من الابتذال، وحماية قدسيتها من التوظيف الخاطئ، والحفاظ على رسالتها الأخلاقية من أن تذوب في الضجيج والمظاهر. فالحسين لم يكن رمزًا للفرح الاستعراضي، بل رمزًا للثبات والموقف والحق والكرامة. وكل ممارسة تُفرغ ذكراه من هذا المعنى، مهما لاقت رواجًا أو تصفيقًا، تستحق أن تُناقش وأن تُنتقد، لا أن تُمنح حصانة لمجرد أنها ترفع شعار الشعائر.وفي النهاية، لا بد من القول إنّ نقد بعض الممارسات لا يعني معاداة الشعائر، بل قد يكون دفاعًا عنها في وجه ما يُراد لها أن تصبحه. فحين يتحول الحزن إلى عرض، والذكرى إلى كرنفال، والقداسة إلى غطاء لكل دخيل، يصبح السؤال واجبًا، ويصبح الصمت نوعًا من المشاركة في تشويه المعنى الحقيقي لهذه المناسبة. |
| المشـاهدات 86 تاريخ الإضافـة 28/06/2026 رقم المحتوى 71697 |
توقيـت بغداد









