الأحد 2026/6/28 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 39.12 مئويـة
نيوز بار
غواية الصوت الدافئ وكيف تسلل البودكاست ليرمم حكايانا العربية والعراقية
غواية الصوت الدافئ وكيف تسلل البودكاست ليرمم حكايانا العربية والعراقية
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

​ ليث غالب

​من الوهلة الأولى استوقفني حوار بين شخصين على منصة يوتيوب الأول يسأل والثاني يجيب أسئلة تنساب برقة عن تجربة شخصية تلخص تفاصيل حياته العلمية والاجتماعية وفي ختام المشهد اكتشفت ما يسمى بالبودكاست فاعتبرت هذا الفن بمثابة نقلة اجتماعية جديدة تمنح الإنسان مساحة حرّة ليتحدث عن تطلعاته وإنجازاته وما يتمناه في المستقبل فما هو البودكاست حقا ومن أين أتى وكيف نجح في التسلل إلى حياتنا بهذه القوة

​هذا التساؤل ليس مجرد بحث عن تعريف تقني بل هو وقوف على عتبة التحول الثقافي الأجمل في عصرنا الحديث حيث تسلل هذا الكائن الأثيري في غفلة من ضجيج الشاشات الباردة ليمنح الإنسان المقعد الوثير ليتنفس بكلماته ويطلق أحلامه المؤجلة في فضاء الغد ففي البدء كانت الكلمة تفتش عن مستقر فولد البودكاست من زواج سحري بين ذاكرة الأجهزة المحمولة وهيبة البث الإذاعي الكلاسيكي

​وتاريخيا يعود أصل هذا الابتكار إلى مطلع الألفية الجديدة وتحديدا في عام ألفين وأربعة عندما قام المطور لانيير هينر والملحن ديف وينر بابتكار تقنية تتيح تحميل الملفات الصوتية تلقائيا عبر الإنترنت لتجد طريقها إلى مشغلات الموسيقى الرقمية ثم صاغ الصحفي البريطاني بن همرسلي مصطلح بودكاست في مقال له بجريدة الغارديان وهو نحت لغوي يجمع بين كلمة آيبود وهو مشغل الموسيقى الشهير من شركة آبل وكلمة برودكاست التي تعني البث الإذاعي وهكذا ولد المفهوم تقنيا في الغرب كأداة للمدونين الراغبين في إيصال أصواتهم خارج حدود المحطات الإذاعية الرسمية والقيود التجارية الصارمة

​بعد هذه النشأة التقنية بدأ البودكاست يزحف ببطء نحو يومياتنا ليتحول من مجرد هواية للمتخصصين إلى رفيق يومي لا غنى عنه وتسلل إلى تفاصيل حياتنا لأنه كسر قيد الوقت فلم نعد بحاجة لانتظار ساعة بعينها لكي نستمع لبرنامجنا المفضل فالصوت الآن يسير معنا يرافق خطانا في طرقات السفر الطويلة ويقصر المسافات أثناء القيادة في الازدحامات المرورية الخانقة ويشاركنا إعداد قهوة الصباح ويحول لحظات الجري وممارسة الرياضة أو حتى القيام بالاعمال المنزلية الرتيبة ولحظات الانتظار الصامتة إلى مواسم من المعرفة والدهشة لقد أدرك العالم من خلاله أن الإنسان لا يزال متعطشا للقصة المنسية وأن المحتوى الصادق والممتد يستحق عناء الإنصات لساعات وساعات

​ولم يطرق البودكاست أبوابنا في العالم العربي كغريب مستفز بل تسلل كمطر خفيف على أرض قاحلة مستغلا جفاف الإعلام التقليدي الذي أتعبته السطحية والركض خلف التريند الزائف فبدأ بمحاولات فردية دافئة لكنه سرعان ما تحول إلى مؤسسات ومنصات كبرى غيرت اللعبة تماما مثل منصة ثمانية وبودكاستها الشهير فنجان حيث تحولت الاستوديوهات إلى غرف جلوس حميمية وعندما تزاوج الصوت الرخيم مع الإضاءة الدافئة والكاميرات الاحترافية في البودكاست المرئي اهتزت ذائقة العربي والعراقي الذي يرى بأذنه ويسمع بقلبه فانجذب إلى تلك الطاولات البسيطة والميكروفونات التي تختزل العالم

​إن البودكاست نجح في بلادنا لأنه أعاد للحديث هيبته وأصبح يشبه جلسات السمر القديمة على ضفاف دجلة والفرات أو في مقاهي بغداد العتيقة حيث يملك الضيف ساعتين أو ثلاثا ليفكك روحه ليخطئ ويصيب ليتلعثم ويبتسم ويظهر كإنسان حقيقي بلا رتوش أو مساحيق تجميل والسر العميق وراء هذا الشغف يكمن في أنه أيقظ فينا غريزة تاريخية أصيلة فنحن أمة الحكاية والثقافة الشفهية ونحن أحفاد أولئك الذين تجمعوا يوما في المقاهي التراثية حول القصخون يستمعون بشغف لحكايات السير الشعبية والبودكاست اليوم ليس إلا تجليا حديثا لهذا القصخون العراقي الأصيل يعيد أنسنة الإعلام ويجعل من تجارب البشر ومشاعرهم كتابا مفتوحا ومتاحا بلمسة زر

​لقد فتح البودكاست نافذة مشرعة على الأمل فلم يعد مجرد سرد للماضي بل غدا منصة للأجيال الشابة لتصيح بأحلامها وتشارك نجاحاتها وتصهر تطلعاتها لمستقبل أفضل ومع كل ضغطة تشغيل جديدة نحن لا نستمع إلى حوار عابر بل ننصت إلى وعي مجتمعي جديد يولد على مهل وبكثير من الحب والدفء

المشـاهدات 112   تاريخ الإضافـة 28/06/2026   رقم المحتوى 71719
أضف تقييـم