| النـص :
ليس في نيويورك، ولا في لندن، ولا حتى في جنيف، بل في إحدى المزارع والمخابئ التي أخذت تخرج منها الأموال كما يخرج النفط من الآبار العراقية.سنوات طويلة كان العراقيون يتساءلون: أين ذهبت مليارات الدولة؟ وكيف لبلد يطفو على بحر من النفط أن يغرق في أزمات الخدمات والبنى التحتية؟ ويبدو أن الإجابة كانت مختبئة في أماكن لم تخطر على بال أحد، حتى بدأت الأخبار تتحدث عن العثور على أموال وممتلكات ومخابئ جديدة بين فترة وأخرى.المفارقة أن المواطن العراقي حين يدخر بضعة ملايين دينار يضعها في مصرف ويخشى عليها من التضخم، بينما تكشف بعض قضايا الفساد عن قدرات استثنائية في إدارة الثروات؛ أموال مدفونة هنا، وأخرى مخبأة هناك، وكأننا أمام مشروع مصرفي متكامل يعمل خارج النظام المصرفي الرسمي.كلما اعتقد العراقيون أن آخر مفاجآت الأموال المخفية قد كُشفت، يظهر ما يجعلهم يعتقدون أن وزارة الثقافة مطالبة بإشراك هيئة الآثار في لجان التحقيق. فالقضية لم تعد مالية فقط، بل يبدو أننا أمام اكتشافات أثرية متلاحقة.ومن حق المواطن أن يتساءل: هل يراد لأصحاب هذه الملفات أن يخلدهم التاريخ في صفحات الإنجاز، أم في مزبلة التاريخ؟ وهل سنحتاج مستقبلاً إلى استقدام خبراء تنقيب من مصر أيضاً، لا للبحث عن تماثيل الفراعنة، بل للبحث عن الطبقات المتعاقبة من الأموال المدفونة والمخفية؟ فالمصريون يفتخرون كل يوم باكتشاف مقبرة جديدة أو تمثال جديد يعود إلى آلاف السنين، أما نحن فقد نستيقظ يوماً على خبر اكتشاف مخبأ جديد للعملات والأرصدة والثروات، حتى يظن أحفادنا بعد مئة عام أن العراق لم يكن مهد الحضارات، بل مهد “حضارة الخزائن السرية”.وقد يأتي يوم يختلف فيه المؤرخون: هل كانت هذه الأموال جزءاً من التراث الوطني؟ أم أنها تنتمي إلى حضارات مالية غامضة تعاقبت على أرض الرافدين؟ وهل كانت الدولارات المكتشفة جزءاً من الآثار العراقية أم أنها لقىً أجنبية تحتاج إلى بعثات دولية لتحديد منشئها الأصلي ويصبح بعد ذلك صراع على الأراضي التي لقيت بها هذه الدولارات بحجة اتفاقية سابقة وهذه الأرضي تصبح ليس ملكنا ؟المفارقة أن كثيرين يستحضرون قصة بابلو إسكوبار عندما كان يُروى أنه أحرق كميات من الأموال للحفاظ على دفء عائلته أثناء الاختباء. سواء اتفق الناس أو اختلفوا حول تفاصيل تلك الرواية، فإنها بقيت مرتبطة بظروف استثنائية وقصة هروب ومطاردة. أما في بلداننا، فإن السخرية الشعبية تذهب أبعد من ذلك، إذ مجرد يتم حرقها عبثا بمنطلق المثل الشعبي القاسي: “لو ألعب لو أخرب الملعب”بينما الحقيقة أن الملعب ليس ملكاً لأحد، بل هو ملك لأجيال كاملة تدفع اليوم ثمن أخطاء الأمس وستدفع غداً ثمن ما يُرتكب اليوم. وهي عقلية لا تكتفي بخسارة الفرصة، بل تحاول أن تحرم الآخرين منها أيضاً. المشكلة ليست في شخص أو قضية بعينها، بل في منظومة سمحت بأن يتحول المنصب العام من مسؤولية لخدمة الناس إلى فرصة لتكديس الثروات. وعندما يصبح الخبر عن العثور على مليارات جديدة أمراً اعتيادياً، فإن السؤال الأخطر ليس كم عُثر عليه، بل كم بقي مجهولاً لم يُعثر عليه بعد. والنتيجة أن الخاسر الحقيقي ليس خصماً سياسياً ولا مسؤولاً منافساً، بل وطن كامل يجد نفسه بعد سنوات يدفع فاتورة قرارات قصيرة النظر، بينما تبقى الأجيال اللاحقة منشغلة بالبحث عما ضاع بدلاً من بناء ما هو قادم.العراق لا يحتاج إلى افتتاح فروع جديدة لـ”بنوك الظل”، ولا يحتاج إلى مزيد من الأساطير حول الأموال المفقودة والمكتشفة، ولا إلى قصص تُروى للأجيال القادمة عن كنوز كانت تختبئ أكثر مما كانت تعمل في خدمة الناس. ما يحتاجه العراق هو أن تتحول الثروة إلى مشاريع ومدارس ومستشفيات وفرص عمل، لا إلى حكايات يرويها الناس بدهشة وسخرية وغضب في آن واحد.فالتاريخ في النهاية لا يحفظ حجم الثروة التي جُمعت، بل يحفظ كيف جرى استخدامها. وبين أن يخلد الإنسان في ذاكرة شعبه كصاحب إنجاز، أو أن يصبح مثالاً يُستشهد به عند الحديث عن ضياع الفرص، مسافة لا تقاس بالأموال، بل بالأثر الذي يبقى بعد زوال المناصب والأسماء.أما المواطن، فما زال ينتظر افتتاح الفرع الوحيد الذي يهمه فعلاً: فرع العدالة.
|