تحليل قصيدة (حتّى أدلَّ العصافيرَ إليك) وِفْقَ نظريّة التلقّي للشاعر منذر عبد الحر![]() |
| تحليل قصيدة (حتّى أدلَّ العصافيرَ إليك) وِفْقَ نظريّة التلقّي للشاعر منذر عبد الحر |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص : ناصر أبو عون أولا- قصيدة (حتّى أدلّ العصافير إليك): [كان لي.. أن أصفّ جراحي/ كلُّ جرح مدينة/ ادخليها/ و لُمِّي من القلب أغصانها/ واحرقيها / كلّ جرح غواية/ عمّديها/ وامنحي الرأس منفىً/ وليلًا/ يخبيءأنيابه **** كان لي.. أن أزيح المرايا/ أهجر الهَمّ/ ساحلًا.. ساحلًا/ أُرتّق مخاوفي/ مُصغيا/ للفواخت تحملك/ في السماء التي كبّلتني/ تمتمي برمادي/ ودعي الجمر بيننا/ نستلذّ به/ انثري العمر../ وردةً.. وردةً/ سأجرُّ خيولي/ وأغنياتي/ لصباح مسجّى على كارثة*** كان لي../ أن أُمَزِّق أمتعة الحرب/ أشعل النار في الأسماء/ أهدم شرفات الأرامل / أروّض اليتامى على القمر/ أعطي المفاتيح لمُدمني الليل/ أغسل همس العذارى / من الترقّب/ أرمم الطوابير / وهي تفتضّ الصباح/ آخذك من خصرك/ نقطّع المساءات/ ونمدّ موائد الوهم/ نجرّ المهزومين / إلى عربات / تصطاد لهفتهم / وتمنحهم لذّات من طين***كان لي../أن أطيل المسافة بين شفتيك وجنوني/ أرشّ على ندمي / مطرًا من وصايا/ أُطوّق نهديك بالآس/ أبوح لساقيك جُمّارهما/ أشعلي الشمع/ وامنحيه لليل النوافذ/ اهمسي للطيور/ اهمسي للطيور/ - التي حملت لكفيك قرابينها –/ أن تليق / بمَيْتَاتِها *** كان لي../ أن أؤجل الحقائب/ أذيب الرسائل/ أسير إليك / على جسر من الأمنيات/ أُجمّل الجدران باسمك/ أملأ الحانات موسيقاك/ أخفي جثث أحلامي/ عن مراياك / أهدهد الطفل فيك/ أَلُمُّ الشجن مع الدمع/ والضحكات/ مع الألم/ امسحي الهَمَّ عن مهدك/ واتركي الوقت / في زورقٍ ورقيٍّ/ طرّزِي الفجرَ بالأغنيات/ كوّري البحرَ بين يديك/ اجمعي قدري في الرمال/ وامنحيني شرودًا/ يشير إليك *** كان لي../ أن أردّ الطيور عن الحقل/ أدفن الأجراس/ أخفي النبع عن الذئاب/ أطفيء الفزع بالصمت/ أجري بالدموع/ خلف الأسوار/ أرجم القمر/ أملأ الأزقة أفاعي/ أصعد بالرغبة / إلى المراوح/ لأوزعها على الخرائب/ أسير لأخرس/ يدعو إلى النار/ وينزوي للفتنة*** كان لي../ أن أروّض أغصانك/ أخسر حاناتي/ وأفوز بثمالتي/ أقدّم النذور لِشِتائك/ أترك أناشيدي/ في صحراء/ تبدأ من أسوارك/ وتنتهي على صدري/ أعطي المنافي لذّاتي / أخرج للرذاذ/ الذي يرشه احتفاؤك بالحزن/ اجمعي الصباحات/ في دفتر/ وانثريها في المساءات/ حين تُضمخين عزلتك/ بالحنّاء/ وتُخلِّفين الدمى لأصابعي/ والخوف لأشرعتي/ والموت لإنصاتي*** كان لي../ أن أَرْزُمَ آلامي/ أتوضأ بالأخطاء/ لأروّض عشبك / على دمي/ أوزع الرغبات/ على الأقفال / أُذْرُ الأحلام/ في الحرائق/ واضعًا رأسي على مائدة/ تحيط بها الأسئلة/ أخفي عناقيدك/ عن رذاذ الأسى/ أبعد القُطَّاف/ عن رطبك/ أدرب جنوني على سِلالك/ آخذ من شفتيك غروبًا/ يرسم البحر/ أفضح مواقدك/ أطعم ترقبي جيوشًا / صنعتُ من هزائمها/ كُرسيّا لصمتك/ أبلل التعب بالموسيقى/ أرشدُ قطيعك/ للسماء/ أُحدّق برسائل نعاسك/ أختار حمامة/ لعبور سياجك***/ كان لي.. أن أُعِيْنَ دموعي/ على سرّها/ أُعلّق غيابي في عينيك/ أرثي الفراشات / التي انتحرت بيننا/ أسدل الستار/ على الحرث/ أملأ الحقل شوكا/ أُعوّد السواقي / على ظنوني/ أدعو العزلة لسريري/ أرمي القصائد/ على فخذيها/ أُعطيها أسراري/ فتكشف عن رمادها*** كان لي../ أن أفرح بالصيد/ أرى في المواسم / دليلًا إليك/ آخذك للمطر/ نطوي الهتاف/ نُرتِّب جُملًا/ تجعل القطط / تتدثر بغنائنا! *** كان لي.. أن أدْعَك الورد/ أرشّه / على صمتك/ وأنت / ترفعين غموضك/ إلى السماء/ وتبتسمين للسيل / الذي / يجر عينيّ المعصوبتين/ على ذَهَبك/ جهاتنا تتشابه/ ومَيْتَاتُنا تختلف/ وما زلنا.. نحصي الفضائح / ونذيب الأرقام/ ونصعد السلالم للريح/ نحتاط من الأشجار/ وهي تُشَيِّعُ ظِلالها / وتمنحنا الصور/ صعودنا منخور بالألم/ الذي يحطّ على كفّي/ وينقر وعودك/ وينام على الخوف/ وأنا../ أُرتّق الظهيرات / وأعدّ السفن/ والمناديل .. حتى أدلّ العصافير إليك] ثانيًا – التحليل وِفْقَ نظرية التلّقي إجمالًا فإنّ قصيدة (حتى أدلّ العصافير إليك) للشاعر العراقي منذر عبدالحر مشعّة بالجمال، ومتجددة، ومع معاودة قراءتها مرة بعد أخرى تتفتّح أوراقها، ويتطاير شذى عبيرها، وتأخذنا إلى آفاقٍ بعيدة؛ بل إنّها قصيدة تحريضية، تحضُّ القاريء على الانصهار فيها شعرًا وشعورًا وإنتاج معانٍ جديدة مغايرة للمعنى المنبعث من بؤرتها، ومردُّ ذلك الأمر راجعٌ لما تملكه القصيدة من تأثير يطرق أبواب التأويل بلا تردد، وينزع أختام المُسَلَّمات بلا حذر، ليكشف عن احتمالات من المعاني اللانهائية الكامنة فيها، وقد حدث هذا بالفعل عبر تأسيس علاقة تفاعلية عميقة معها، بل إنّ هذه القصيدة وِفقَ (نظرية التلقي) نجحت في خرق أفق التوقّعات لديّ كقاريء عاشق للأدب، بل قادتني إلى اكتشاف المناطق المضبَّبة عمدًا والفجوات المنصوبة بين فواصلها كفخاخ لاصطياد القُبَّرات الهائمة على وجه الشعر، والفراغات ومساحات البياض المتروكة من الشاعر قصدًا. وبناءً على ما تقدّم ذكره؛ تعال عزيزي القاريء لنسبح معًا على متن قارب النقد في بحر الشعر، لكن لنتفقْ أولًا على أنَّ المعنى في أي قصيدة لا يكون جاهزًا، بل يتمُّ توليده إذا ما تفاعل القاريء المتمرّس مع القصيدة؛ شريطة ألا يكون سلبيًّا، بل يتفاعل مع القصيدة ويشارك في إعادة إنتاج دلالاتها وتركيب صورها، واكتشاف النصوص الشعريّة التراثيّة المتخفية وراءها، وتعبئة الفراغات ومساحات البياض التي قد يتركها الشاعر عمدًا. ومن ثَمّ يمكن القيام بهذا الإجراء في نقد القصيدة على تسعة محاور نقديّة على النحو التالي: أولًا: ثُنائيّة القصيدة والقاريء: إنّ العمود الفقري لهذه القصيدة يرتكز على (الديالوج/الحوار) بين ضمير مخاطب يمثِّل المعادل الموضوعي للمعشوقة (أنتِ) من جهة، وفي قبالتها من الجهة الأخرى ذات الشاعر المتحدِّثة، حتى صارت عملية تكرار الضمير (أنتِ) لازمة إيقاعية تتنقّل عبر مقاطعها. إلا أنّ هذا الضمير لا يمكن تحديد هويته أو إسنادة إلى مرجعية واحدة، فقد تكون (أنتِ = المرأة المعشوقة)، أو(أنتِ = الوطن المتمثِّل في البصرة مسقط رأس الشاعر أو وطنه العراق)، أو (أنتِ= الحلم)، أو (الرغبة في الخلاص الروحي). إذن لا يمكن الوقوف على مدلول نهائيّ للضمير المخاطب(أنتِ)، بل يجد المتلقي المتفاعل نفسه أمام فيض واسع من الدلالات، وعليه الاشتراك في عملية بحث دائم عن هوية المخاطب (أنتِ) والدخول مع القصيدة في علاقة تفاعلية. ومن ثَمَّ فإنّ القصيدة لن تكتمل مطلقًا إلا بفعل القراءة التفاعلية ومشاركة القراء في إنتاج دلالتها المتعددة كلٌّ وفق تجربته الوجدانية وذائقته الثقافية وخبرته الحياتية؛ فالقاريء الوجدانيّ سيقرأها قصيدة عشق غزلية، بينما القاريء السياسيّ قد يؤولها رثائية في عشق الوطن السليب، وأمّا القاريء الصوفيّ سيجد فيها خطابًا للمطلق أو تطوافًا للبحث عن الحقيقة الغائبة. ثانيًا: ثُنائيّة التواصل والتأثير: لقد لاحظنا تكرار المقطع (كان لي...) المتبوع بنقاط متتالية إحدى عشرة مرة تقريبًا؛ وهذا التكرار ليس اعتباطيًّا أو بَدَهيًّا، بل هو ثيمة قَصْديّة ارتكز عليها الشاعر منذر عبد الحر، إنْ لم تكن سمة عامة في مذهبه الإبداعيّ، وسيفطن إليها من قرأ نتاجه الشعريّ، وهذه الثيمة فضلًا عن وظيفتها الإيقاعية فهي في حقيقتها استراتيجية تأثيريّة ترتكز على تنميط الإيقاع النفسي والتكرار، الذي يُولِّد في نفس القاريء شعورًا قاسيًا بتراكم الأمنيات المبتورة والاحتمالات الضائعة؛ فكل مقطع من القصيدة يبدأ بحلم لم يكتمل وأمنية لم تتحقق، وكأن الشاعر يستعرض أمام القاريء لوحة من الخيبات والأحلام المؤجلة. وعلى منحى آخر فإنّ القصيدة تُدخِل القاريء في أتون بركان من الانفعالات الثائرة، وتجعله يعيش في طقس من التوترات العالية، بتعرضه لفيض من الأفعال ذات الطاقة الحركية عالية الكثافة (أمزق، أشعل، أهدم، أروّض، أدفن، أخفي، أرشد)، ومن هذا المنطلق يتحقق التواصل الإيجابيّ بين المتلقّي والقصيدة محمولًا على لغة شعرية مشحونة وجدانيا، بديلًا من اللغة التقريرية المباشرة. ثالثًا: ثُنائيّة الفنيّ والجماليّ: إنّ أي قصيدة في أي لغة أو ثقافة لا يمكن منحها صك الشاعرية؛ إلا إذا توفّرت على شرطين اثنين لا غنى لها عنهما، بل لا يمكن الجزم باصطفافها في خانة الشعر إلا إذا كانت مرتكزة على قطبين اثنين: (فيض كثيف من الجماليات المتحققة ورُئِيَ أثرها في وعي المتلقّي)، و(اكتمال عناصر البناء الفني الإبداعيّ) التي وظّفها الشاعر في عملية إنتاج قصيدته. فإذا ما قرأنا قول منذر عبد الحر: "أرشد قطيعك للسماء"، وهي صورة لا تتحقق واقعيا، ولكنها تفتح مجالًا للتخييل والتأويل. فأمّا من حيث (الشرط الجماليّ) المتحقق في هذه القصيدة؛ فيمكن التماس أثره عند قيام العديد من القراء بإعادة بناء صورها الشعرية وفق تجربتهم الوجدانية وانطلاقا من مخزونهم الثقافي، ومن ثَمَّ لا يمكن الوقوف على معنى واحد أو ثابت لها يمكن تعميمه، وإنما يستطيع المتلقين توليد فيض لا نهائي من المعاني والأفكار الغنيّة بالدلالات. وأمّا من حيث (الشرط الفني)؛ فإنه تولّد في البنية اللغوية للقصيدة عبر (التكرار، والصور المركبة، والانزياحات اللغوية والبيانية، والحقول الدلالية المتجاورة: (الحرب، الحب، الموت، الطيور، البحر، المنافي). رابعًا: ثُنائيّة التَّحَقُّق والتأويل: من البدهيات النقديّة التي وصلت إلى درجة اليقين أنّ كل عمل إبداعيّ على اختلاف أنواعه ومن قبله النصوص المقدسّة، لا تُسْلِم للمتلقي مفاتيحها من القراءة الأولى، كون القصيدة أشبه بالمتاهة، ومع كل مقطع منها تتكشّف للعابر تدريجيًّا، أمّا بالنسبة لي فأرى القصيدة امرأة تعيش عمرا كاملا ولا يمكن للرجل الوصول كنهها أو سبر أغوارها على نحوٍ يقينيّ؛ ففي مطلع قصيدة (حتّى أدلّ العصافير إليك) تبدو الذات الشاعرة/ المُتكلِّمة عاشقًا مولّهًا حين يقول: (أطوق نهديك بالآس)، ثم ينتقل بنا تدريجيًّا إلى صورة المُقاتل الذي يحمل حقيبته فوق ظهره وبندقيته في يمينه إشارة إلى (الحرب) حين يقول: (أمزِّق أمتعة الحرب)، ثم يسحبك الشاعر إلى منعطف أكثر حِدَّة في إشارة إلى (الموت) حين يقول: (أخفي جثث أحلامي)، وخطوة ثم خطوة يرسل منذر عبد الحر إلينا كمتلقين إشارات عن الخراب الجماعي؛ حين يقول: (أهدم شرفات الأرامل).. فإذا كان المتلقي/ القاريء فهم من مطلع القصيدة ما يَسَّرَ له تأويلها بحكاية (عاشق) إلا أنه تحت ضغط (ثنائية التحقّق والتأويل) صار المتلقي مُجبرًا على مراجعة تأويله الأول. خامسًا: القاريء الافتراضيّ المثالي حقًّا إنّ قصيدة (حتّى أدلّ العصافير إليك) للشاعر منذر عبدالحر، لا تتوجّه إلى قاريء عاديّ يقنع بالقشرة الخارجية من فاكهة القصيدة، ويرضى بالمعاني المباشرة، ولايتعنّى في فهم الشعر، ولا يبذل وعيه ووجدانه ورؤاه في التأويل، ولا يشارك في إنتاج النصّ وإعادة تركيب صوره، ولا يقدح ناصية القصيدة ليولّد فيضًا من الدلالات التي لا تنتهي.. لذا نقول إنّ هذه القصيدة تبحث عن قاريء/ مُتلقٍّ (مثاليّ) مسلّح بخبرة رصينة في قراءة الشعر الحداثويّ، ولديه قدرة ومهارة تعينه على تفكيك شيفرة رموزها، ومُسلّحًا بخلفية معرفية بالتراث الشعري العربي، فضلًا عن رغبة محمومة في التأويل. فحين يقول منذر عبدالحر:(أروّض اليتامى على القمر)؛ فالقاريء المثالي سيدرك فورًا أن هذه الصورة الشعريّة تتجاوز حدود الواقع المعاش، وتقفز فوق المعنى الحرفي المباشر، وحين يقول: (أرجم القمر) سيكتشف أن الشاعر يتمرّد على الجمال المستحيل، أوالمثال النموذجي، أو الحلم المتعالي. سادسًا: نقض التوقّعات المُسبقة جميعنا بلا استثناء ندخل إلى محراب أي قصيدة مُحمّلين برزنامة من التوقّعات المُسبقة، وربّما يرجع هذا الفهم الخاطيء لوقوعنا تحت سيطرة وحش الغرور الذي يسكننا، وإيماننا المتكلّس بعبارة (لا جديد تحت الشمس)؛ فالشاعر المُتحقق، والشعر الحقيقي لا يؤكد أفق انتظار القاريء، بل يخلخله باستمرار. فعلى سبيل المثال لا الحصر إذا أمعن المتلقي/ القاريء الفكر في عنوان القصيدة(حتى أدلّ العصافير إليك) سيتوقّع من الوهلة الأولى أنّ القصيدة طقسها رومانسي، وأجواؤها هامسة ورقيقة من حيث ربطها بين (العصافير والهداية واللقاء). فإذا ما تخطى عتبة العنوان الأولى ودلف إلى مطلع القصيدة سيفاجأ بصور الحروب والمنافي والجراح، وحين يقرأ قول منذر عبدالحر (كل جرح مدينة) و(أمزق أمتعة الحرب) فيدخل في أفق الصدمة بين ما توقعه أولا في العنوان من رومانسية، وما كشف عنه الواقع النَّصيِّ. ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها أنَّ القصيدة اكتسبت طاقتها الجمالية القصوى من المسافة المتولّدة بين المتحقق والمتوقّع. سابعًا: الفراغ والبياض والنصٍّ الغائب في هذه القصيدة سيدرك القاريء/المتلقّي الواعي والتفاعليّ والقابض على ثقافة تراثية متأصلة وواعية، ولديه خبرات ومهارات فنيّة رصينة عالية ورؤى جدانيّة متجددة؛ أنّ في خلفيتها مجموعة قصائد ونصوص مختبئة خلف سطورها، ومن ثَمَّ يستطيع أن يشارك في إعادة إنتاج معانيها وإعادة تركيب صورها من جديد عبر استدعاء مجموعة من (النصوص الغائبة) وربطها بالواقع المُعاش والقصيدة في آنٍ واحد، مثل نصوص لشعراء آخرين أو للشاعر منذر عبدالحر، يكون موضوعها:"الحب، والحرب، والمنفى، والخلاص"؛ فحين يقول الشاعر:(أعطي المنافي لذّاتي)؛ فهو هنا سريعًا ما يستحضر خطابًا عربيًا حديثًا ارتبط بالاغتراب والمنفى الوجوديّ، وعلى مقلب آخر سيكتشف القاريء/المتلقي الحصيف والتفاعليّ أن قصيدة منذر تحتوي على مجموعة من الـ(فراغات)، ويتعيّن عليه ملؤها، وتتجلى هذه الفراغات في أسئلة عديدة: (من هي المخاطبة؟) هل هي: امرأة؟ أو وطن؟ أو ذاكرة؟ أو قصيدة؟ فالنصّ لا يعطي إجابة شافية. وفي خاتمة القصيدة لا يمكننا معرفة ما المقصود بالعصافير؟ فهل العصافير هي: (الأحلام، أو القصائد، أو الكلمات، أو الناس)، وتبقى النهاية مفتوحة. ثامنًا: المسافة الجمالية المسافة الجمالية في القصيدة؛ هي الفارق بين ما يتوقعه القاريء/ المتلقي التفاعليّ وما يقدمه النص. وفي هذه القصيدة تتحقق المسافة الجمالية عبر ثلاث استراتيجيات فنيّة هي: (استراتيجية المفارقة العنوان، واستراتيجية المفارقة في تركيب الصور الشعرية، واستراتيجية المفارقة في النهاية المفتوحة). (أ) استراتجية مفارقة العنوان"حتى أدل العصافير إليك" يوحي بالطمأنينة، بينما يغصّ المتن بالحروب والموت والجراح. (ب) استراتيجية مفارقة الصور مثل: "أهدم شرفات الأرامل"، و"أروّض اليتامى على القمر"، و"أرشد قطيعك للسماء"؛ وهي صور تصدم التوقع الواقعي وتدفع القاريء/ المتلقي إلى البحث عن معانٍ أخرى أعمق. (ج) استراتيجية مفارقة النهاية؛ فبعد هذا السيل من الخراب والحنين والخيبات تنتهي القصيدة بصورة بسيطة: "أعد السفن والمناديل حتى أدلّ العصافير إليك" فتتحول العصافير إلى رمز للخلاص والأمل، وكأن الرحلة الطويلة من الجراح والحروب لم تكن سوى تمهيد للوصول إلى هذه الرؤية النهائية. تاسعًا: النصَّ المفتوح تمثل قصيدة منذر عبد الحر أنموذجًا واضحًا للنصّ المفتوح؛ فلا توجد فيها: (دلالة نهائية، ولانهاية حاسمة، ولا حكاية مكتملة)؛ بل نجد شبكة من الرموز المتحركة: (الطيور، والبحر، والقمر، والمنافي، والحرب، والحقل، والمطر) كل رمز يفتح أبوابًا جديدة للتأويل. ومن ثَمَّا يمكن إنتاج قراءات متعددة لهذه القصيدة: (قراءة عاطفية، وقراءة سياسية، قراءة وجودية، قراءة صوفية، وقراءة نفسية) وجميع هذه القراءات ستجد ما يسندها داخل القصيدة. وفي الأخير يمكننا القول: لقد استطاعت هذه القصيدة المطوّلة أن تستثير ذائقتي النقدية كقاريء تفاعليّ، ومتلقٍ مشارك في إعادة إنتاج النصّ، وأفتح صندوق ذاكرتي لأطوف حول العديد من النصوص الشعرية للشاعر نفسه، وفي تراثنا العربي الحديث والمتوارية خلف سطور منذر عبدالحر، والذي اختتمها بقُفلٍ جِدُّ مثير؛ ليقودنا إلى شبكة من الدلالات التي يمكن تأويلها وفكّ شيفرتها على عِدّة معانٍ وصورٍ في أذهان (المتلقين) فكُلُّ قاريء مدعو لإنتاج معاني جديدة على مقياس تجربته الوجدانية وآفاقه الثقافية. |
| المشـاهدات 121 تاريخ الإضافـة 04/07/2026 رقم المحتوى 71900 |
أخبار مشـابهة![]() |
تطوّر القصيدة العربية وتعدد دلالاتها
صور اللبنانية.. مدينة الشعر والماء |
![]() |
الحلبوسي وقاليباف يناقشان العلاقات الثنائية والاوضاع الاقليمية والدولية
الرئيسان آميدي وبزشكيان يؤكدان ضرورة انهاء الحروب ووقف الأزمات عبر الحوار والدبلوماسية |
![]() |
البحرين تودّع الشاعر والأديب علي عبد الله خليفة
|
![]() |
رسائل اجتماعية في أراني أعصر حبرا للقاص عبد الله الميالي |
![]() |
صدور كتاب جديد للدكتور حسين عبد القادر المؤيد
|
توقيـت بغداد









