الإثنين 2026/7/6 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.22 مئويـة
نيوز بار
قصة قصيرة سندباد...
قصة قصيرة سندباد...
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

محمد رجب جمال الدين

 

مقهى السندباد، يزدحم بالوجوه، حركة المارة تبدو قليلة حوله، مما يتيح بعض الهدوء للجالسين بداخله، ويعطي فرصة للتأمل والمراقبة. رائحة القهوة والشاي تنبعث إلى أنفك، فهي الوحيدة القادرة على اختراق الحواجز إلى داخلك دون تردد. صوت حركة وفوران أباريق الشاي، وطقطقة صحونه، هي كذلك تنسال إلى أذنيك بشكل هادئ، وربما تداعب بعض ألحان الفلكلور الشعبي، تحمل بين طياتها ذلك المشهد المألوف الذي تشاهده وأنت تسند ظهرك إلى الأريكة الخشبية، والتي تفوح منها رائحة الماضي، حتى الشراشف تظهر بحلتها كذلك، لكن ما تلاحظه أن الأشياء كلها مختلفة حولك، حتى يراودك شعور باللامنتمي أحيانًا.

بدأ حسان يراقب الموجودين في المقهى، ورغم ما يلاحظه من اختلافات، فإن كل شخص له عالمه الخاص، أو ثرثرة بين اثنين لا تفضي إلى شيء، حوارات عقيمة تجمع الآخرين، وانتقادات لسياسات أحزاب سرعان ما تنتهي بلا شيء. كان يصغي إلى الآخرين، وكأنه لص يسرق السمع في مساء يوم مختلف. ذلك مشهد اعتاد عليه حسان بشكل يومي، وهو ينظر إلى رواد المقهى. هموم العمر والوجود، ذلك أيضًا ما يلاحظه حين يشاهد بعض المتقاعدين هناك، في دورة حياة مزدحمة ومتراكمة.

أصوات بعض المتقاعدين أكثر صراخًا.

ماذا نفعل براتب لا يكفي أسبوعًا واحدًا...!!

آخر قهقه... لا يكفي لمراجعة طبيب يومًا واحدًا..!!

زحمة المركبات التي تملأ الشارع، وهي تبعث برائحة الكاربون الممتزج بدخان السجائر، تخترق الصدور بشكل عارٍ.

الاحتباس الحراري والمناخ سوف تتم معالجته هنا...!

الدخان ربما يُراد تصديره.

لم يهتم حسان لما يجري.

ماذا يجري...؟

بغداد هي أسوأ مكان للعيش في العالم...!!!

الحرارة ترتفع، والمكان يزدحم بالحركة. يحبون الجلوس في الأماكن الضيقة، لا بدائل لأماكن أخرى، الحدائق نفسها تتنفس الدخان، ووسائل الترفيه معدومة. هناك أحاديث أخرى تدور حول الهروب من البلد... وحتى المقهى.

ذلك كان واضحًا وأنت تبحر بعيون الجالسين حولك، حتى حسان، حين تلاحظه، هو راغب بالهجرة. ربما تعرفه من وقت مضى، وأنت تلاحظ وجهه الذي ارتسمت عليه ملامح الزمن وتعابيره الداخلية، التي طرأت عليها حكاياته وقسوته، في متاهات متلاحقة من الخيبة.

تبدو البطالة هي من أخذت حيزًا كبيرًا من تفكيره، وهو يستمع بجانب أحد الشباب الذي اتكأ على سيارته الحديثة، وهو لا يعرف كيف وصل ذلك إلى هذا الثراء. شاهد ذلك وهو يستعرض بحكاياته مع شلة من أصدقائه المجتمعين حوله، بسرد من حكايات الثراء والمال.

أيقن حسان أن مصدر هذا الثراء هو السرقة... لكنها تختلف عن سرقات اللصوص الآخرين، فهي لها شرعيتها الخاصة، وحلاوتها الداكنة بلون القهوة...!!!

هي تنسال إلى جسده بدون حواجز أيضًا، كما تنسال رائحة الشاي إلى أنفه سريعًا... وبلا حساب...!!

نعم، المال السائب يعلم على السرقة في بلد البترول...!!!

حسان لا يشغل باله سوى حبيبته. ملامح عينيها تلاحقه في كل زوايا المكان، وخصلات شعرها المتدلية على كتفها، وهي تعد له من الحكايات ما مر منها. ذكرياتها تلاحقه، وهو يتلصص بعيون من حوله.

ماذا يقدم لها في هذا العالم المزدحم...!!

أسرع في ارتشاف قهوته.

يظهر، حين بدأ يهم بالخروج من المقهى، أنه لا يريد أن تتسارع الأفكار والذكريات في ذهنه، فقطع ذلك التواصل.

انطلق مسرعًا من المكان...!!!

المشـاهدات 45   تاريخ الإضافـة 05/07/2026   رقم المحتوى 71942
أضف تقييـم