حمار 7 أكتوبر..سيرة بصرية موازية للحياة تحت الحرب
![]() |
| حمار 7 أكتوبر..سيرة بصرية موازية للحياة تحت الحرب |
|
فن |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
يوسف الشايب
يقدّم فيلم "حمار 7 أكتوبر" سيناريو وإخراج الفلسطيني مصطفى النبيه، عن فكرة المنتج معتز الهباش، مقاربة سينمائية مغايرة توثق واقع المعاناة والتهجير في قطاع غزة. الفيلم يتجاوز السرد الإخباري الاستهلاكي السائد في وسائل الإعلام، لينحو في اتجاه عمق إنساني متفرد، يتخذ من كائن أبكم ركيزة أساسية لتشريح الوجع البشري وصياغة سيرة بصرية موازية للحياة تحت الحرب.لا يروي الفيلم الوثائقي حكاية تقليدية ذات حبكة درامية مبنية على تصاعد كلاسيكي، بل يقدّم سيرة بصرية للنزوح والتهجير القسري المتكرر؛ حيث يواكب حركة البشر والدواب من شمال القطاع إلى جنوبه (رفح)، ثم رحلة العودة والاضطراب نحو دير البلح.المضمون الأساسي هنا يتجاوز مجرد رصد حركة الكتلة البشرية ليركز على "رفيق الدرب"؛ هذا الحمار الذي أضحى في زمن الحرب والإبادة شريان الحياة الوحيد للعائلات في ظل انعدام الوقود ووسائل النقل الحديثة.فيما وراء الحكاية ثمّة تعرية لعمق الأزمة الإنسانية الشاملة؛ فحين يضطر الإنسان إلى مشاركة الحمار طعامه (أكل المعلبات والأعشاب) بسبب شح الشعير والعلف، ينصهر المصيران معًا، فالفيلم هنا لا يتحدث عن علاقة مالك بدابته، بل عن وحدة وجودية ومصيرية تجمع الكائن الحي ببيئته، حيث تتلاشى الفوارق أمام غريزة البقاء ومواجهة الفناء المشترك.الشخصية المحورية في الفيلم ليست الآدمي، بل هو الحمار ذاته (رفيق الحرب والصمت)، إذ ينجح الإخراج في "أنسنة الحمار"، إن جاز التعبير، من خلال شهادات أصحابه الحية؛ فهو فرد مكمّل للأسرة، وهو الذي "يحزن، ويمرض، ويموت كمدًا وجوعًا" تأثرًا بفقدان رفيقته أو بسبب سوء التغذية والقصف.وفي عمق القراءة الفلسفية، يُستخدم الحيوان هنا كأداة للتطهير النفسي والروحي، فهو الكائن الذي يمتص أحزان ومآسي البشر المحيطين به من دون أن يملك رفاهية الصراخ أو التعبير بالكلمات؛ فيصبح صمته أبلغ من كل الخطابات.وتتجلى هذه الشراكة الوجودية في مشاهد قراءة الزوجة للقرآن فوق رأس الحمار المريض ومحاولة علاجه بالمريمية والأعشاب الطبيعية، وهو طقس عائلي حميمي يُرفع فيه هذا الكائن الأبكم إلى مرتبة الطفولة والقرابة البشرية، ليتساوى مع الإنسان في الحق بالسكينة، والشفاء، والاحترام. الحمار هنا غدا مرآة عاكسة للصبر الأسطوري، والقدرة على تحمل الأثقال، والوفاء الصامت؛ وهي ذاتها صفات الوعي الجمعي للإنسان الغزي المحاصر.يكشف الفيلم سوسيولوجيًا عن كيفية تشكّل مجتمع طوارئ جديد يعود قسرًا إلى أدوات ما قبل الحداثة لمواجهة الحصار الخانق، فالعودة إلى "الحمار والعربة" لم تكن خيارًا تراثيًا، بل غدت عصب الاقتصاد البديل والآلية الوحيدة الباقية لنقل المياه، وجمع الحطب للطهي، بل وحتى نقل الشهداء والجرحى في أزقة المخيمات الضيقة والمقصوفة.الفيلم يرصد كيف يعيد هذا المجتمع صياغة علاقاته الإنسانية والحيوانية بناءً على مشتركات الوجع، فالالتفاف الشعبي العفوي حول فكرة "المهرجان" يعكس حاجة الفرد الواقع تحت الحصار الشديد إلى الفرح المصنوع أو المفارقة العبثية كآلية دفاع نفسية غريزية لمقاومة الموت عبر البهجة، والتمسك بالحياة من خلال تكريم الوفاء، حتى لو كان وفاءً آتيًا من كائن غير بشري وسط الأنقاض والخراب.اتسمت رؤية مصطفى النبيه الإخراجية بالاعتماد على أسلوب السينما الواقعية المباشرة المدمجة بلمسة سريالية صادمة، إذ إن المخرج لم يصطنع الأحداث أو يلقن الشخوص، بل ترك مساحة عفوية مطلقة للمتحدثين؛ نبرة الصوت المتهدجة، البكاء الحقيقي والحرقة الصادقة للرجل الذي فقد حماره وكأنه فقد ابنًا، والخجل الإنساني النبيل عند الحديث عن مشاعر الحمار؛ كلها عناصر تمنح الفيلم قيمة الوثيقة التاريخية الحية وتنتزعه من إطار التخييل السينمائي البارد.وتشكلت عناصر الفضاء بالكامل من الواقع الطبيعي القاسي لغزة: الركام، والخيام المهترئة الممتدة على شاطئ البحر، والأسلاك الشائكة، والقمامة، إذ نجح المخرج في تحويل هذا الفضاء إلى زنزانة مفتوحة كاشفة للبؤس.ولعبت الكاميرا دورًا حيويًا في التعبير عن الألم البصري من خلال اللقطات المنخفضة والقريبة جدًا؛ حيث تم التركيز بشكل مكثف على حوافر وأقدام الدواب وهي تجر الأثقال فوق الإسفلت الساخن أو رمال الشواطئ، ولقطات قريبة لعيون الحمار المتعبة الدامعة.هذا التشكيل وضع المتلقي في حالة اختناق ومشاركة حسية مباشرة في الألم، بالتوازي مع لقطات التتبع لمواكبة رحلة النزوح، واللقطات الجوية العامة التي تعكس اتساع الكارثة وتكدس الخيام.الصوت في الفيلم بطل درامي موازٍ؛ حيث امتدت الموسيقى الوتريّة الجنائزية الحزينة لتعميق الإحساس بالمرارة والفقد، وتداخلت بذكاء مع المؤثرات الطبيعية الشارحة (هدير البحر، ونهيق الحمير المتعب، وتكسر الحطب)، مدمجة مع صوت المذياع الذي يبث أخبار "اتفاق وقف إطلاق النار بعد 470 يومًا من الحرب"، ما وضع المشاهد في قلب التوتر الزمني والنفسي للحدث.تماهى الديكور مع "الواقعية الطبيعية" (حطام السيارات، علب الكونسروة الفارغة الملقاة على الأرض، المواقد البدائية المشتعلة بالبلاستيك)، أما الإضاءة، فقد اعتمدت كليًا على الضوء الطبيعي؛ من شمس النهار الحارقة الكاشفة لجفاف الواقع، إلى إضاءة الغروب الشاعرية على الشاطئ التي صوّرت الأجساد والدواب كظلال تتحرك في أفق لامتناهٍ، ما يمنح المشاهد إيحاءً بنهاية حقبة أو اقتراب الموت.تكمن الخصوصية الفنية والفلسفية الأبرز للفيلم في "المفارقة السريالية القائمة على واقع مرير"، والتي تجسدت في فكرة "مهرجان صديق الطريق الدولي لتكريم الحمار"، حيث تم إلباس الحمير ملابس ملونة زاهية (سراويل حمراء وصفراء) وتزيينها بالتيجان والورود والسير بها على سجاد أحمر وسط تلال الركام الرمادية، ما كان من شأنه أن يخلق صدمة بصرية حادة.هذا التباين اللوني بين زهاء المهرجان ورمادية الدمار يختصر جوهر غزة: الحياة التي تنبثق قسرًا من قلب الموت. المهرجان هنا صرخة احتجاجية وتهكمية لاذعة ضد صمت العالم وعماه الأخلاقي؛ فإذا كان هذا الحمار يستحق التكريم لوفائه وصبره، فأين هي الإنسانية والبشرية الآدمية مما يحدث من إبادة؟وتكتسب الخاتمة بعدًا تراجيديًا فائق القسوة مع التنويه المكتوب في نهاية الشريط؛ حيث يذكر المخرج أنه بعد عشرة أيام فقط من انتهاء التصوير، استشهدت الفنانة التشكيلية أمينة السالمي (فرانس) إثر قصف صاروخي على شاطئ البحر، فالفنانة التي ظهرت في الفيلم وهي ترسم لوحة الحمار الحزين الدامع وتتحدث بنبل عن الوفاء، غادرت الكادر قسرًا بفعل القذيفة.هذا التداخل المرعب والصادم بين الفن والواقع يحوّل لوحتها داخل الفيلم من مجرد عمل فني داخل كادر إلى وصية بصرية ومرثية شخصية لها.المخرج لم ينهِ فيلمه بتترات النهاية التقليدية، بل أنهاه بصفعة واقعية تثبت أن الفن في غزة ليس تخييلًا أو رفاهية، بل هو مرآة تسبق الواقع بخطوة؛ فأمينة التي رسمت دمعة الحمار بأصابعها، غدت هي ذاتها الدمعة الأقسى والأكثر مرارة في حكاية البحر، والنزوح، والخلود.فيلم "حمار 7 أكتوبر" لمصطفى النبيه وثيقة بصرية مكثفة، تمزج بين قسوة السينما التسجيلية وشاعرية الأمل والوفاء، تميز بالجرأة في اختيار الفكرة، والقدرة على استنطاق الجماد والحيوان ليروي قصة مجتمع كامل يرفض الانكسار، مُحولًا المأساة إلى فن عابر للغة والحدود. |
| المشـاهدات 268 تاريخ الإضافـة 06/07/2026 رقم المحتوى 71988 |
توقيـت بغداد









