| النـص :
في كل مرة يمر فيها العراق بأزمة سياسية أو اقتصادية أو خدمية، يعود إلى الواجهة صوت الشارع الغاضب المطالب بإجراء تغييرات جذرية في بنية النظام السياسي، ومع تفشي الفساد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات، بدأت أصوات كثيرة تتساءل: هل ما زال البرلمان ومجالس المحافظات يؤديان الدور الذي أنشئت من أجله هذه المؤسسات؟ أم أنهما تحولا إلى عبء ثقيل على الدولة والمواطن؟ هناك من يرى أن البرلمان ومجالس المحافظات أصبحتا، في كثير من الأحيان، ساحة للصراعات السياسية وتقاسم النفوذ والمصالح الحزبية، بدلاً من أن تكونا ؟مؤسستين للتشريع والرقابة وخدمة المواطنين، فبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، لا تزال ملفات الفساد الكبرى معلقة، والبنى التحتية متدهورة، والخدمات الأساسية تعاني من أزمات مزمنة، ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى المطالبة بإجراء إصلاحات جذرية، تصل إلى حد إعادة النظر بشكل النظام السياسي برمته، والبحث في إمكانية الانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي يحقق الاستقرار ويمنع حالة الانسداد السياسي التي تتكرر بعد كل انتخابات،كما يدعو البعض إلى تشكيل حكومة انتقالية استثنائية برئاسة علي الزيدي تتولى محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وإجراء إصلاحات دستورية وقانونية عميقة، على أن تكون هذه الخطوات ضمن الأطر الدستورية والقانونية وبما يحفظ سيادة العراق واستقلال قراره الوطني،أما فيما يتعلق بالأموال العراقية المنهوبة، فإن استردادها يمثل مطلباً شعبياً ووطنياً مشروعاً، لأن تلك الأموال هي ملك للشعب العراقي، وقد كان من الأولى أن تُصرف على بناء المدارس والمستشفيات وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات، كما أن محاربة الفساد وملاحقة المتورطين واسترداد الأموال تتطلب تعاوناً قضائياً ودولياً وفق القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصل، وفي ظل ارتفاع نسب الفقر وتردي الأوضاع المعيشية، يشعر كثير من العراقيين بأنهم لم يجنوا ثمار الثروة النفطية الهائلة التي يمتلكها بلدهم، وهو ما يغذي حالة السخط الشعبي ويزيد من المطالبات بإصلاحات عميقة وحقيقية، إن العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما الاستمرار في النهج الذي أنتج الأزمات المتراكمة، وإما الشروع في إصلاحات جادة تعيد ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمال العام مصاناً، والسلطة أداة لخدمة الشعب لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية والحزبية، إن الشعوب لا تثور على الأوطان، بل تثور على الفساد والفشل والوعود المؤجلة، والعراقيون لا يريدون المستحيل، بل يريدون دولة عادلة، ومؤسسات نزيهة، وقيادة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، إن ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال العراقية المنهوبة لم تعد مطلباً سياسياً فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية لإنقاذ ملايين الفقراء والمحرومين، فهذه الأموال هي ملك للشعب، وإذا ما أُعيدت إلى خزينة الدولة وصُرفت بشفافية على المواطنين ومشاريع التنمية، فإنها ستعيد الأمل لشعب أنهكته الأزمات والحرمان لعقود طويلة، فالإصلاح الحقيقي يبدأ بمحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة وبناء دولة المواطنة والقانون، لأن العراق أكبر من الأحزاب، وأغلى من المناصب، وأبقى من كل الصراعات السياسية.
|