الأربعاء 2026/7/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.26 مئويـة
نيوز بار
قصة قصيرة المقال الذي هز الصمت!!!
قصة قصيرة المقال الذي هز الصمت!!!
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

د. عبد الحسين علوان الدرويش

عندما كنت أعمل في التصنيع العسكري ،حيث كانت ساعات العمل مستمرة نهاري ومسائي ؛ وقد وصل عدد ساعات العمل للوجبة الواحدة إلى ثماني عشرة ساعة.

كانت خطواتهم »تسير بثقل وتضرب الأرض بوهن ؛ خطوات ناعمة لينة » وخطوات ثقيلة......لن تسمع من أحاديثهم... إلا الصمت الثقيل »كأنهم إعجاز نخل خاوية ؛ ترهقهم ذلة ؛ وتكدر ذلك الصباح الضاج بالهم والكدر والخنق البطيء » والمكرر عليهم كقطار يسير على سكته القديمة المتأكلة.

غابة من الأقدام تتراصف يومياً أمام نقطة التفتيش ، تفتيش دقيق ، ماذا تحمل.......؟ ، ماذا تأكل .....؟ ،ماذا تشرب ....؟ ، ماذا حلمت ليلة الأمس......؟ ، ما هو انحدارك الطبقي.....؟ ،

..... ماذا مخبأ في الجيوب......؟ ،     ماذا في جوفك.....؟ » ماذا في فمك ولسانك الذي استأصل منذ عام ألف وتسعمائة وثمانية وستون........؟ ،ماذا في ذاكرتك المعتقلة منذ عصر السقيفة ......؟ . » ماذا تسمع في أذنك اليسرى المبتورة....؟ » ماذا تخبئ في ضميرك العاطل .....؟ » وكيف تكتب وقلمك مكسور!! ..وقيدهم أدمى معصمك وزج بكم في غياهب نكرة سلمان...!!كل شيء ممنوع والعتب مرفوع »والغاية تبرر الوسيلة » ونفذ ولا تناقش!!! .

وقبل أن تدخل الجهاز الآلي لكشف الظنون «ومعرفة خبايا النفوس في نهاية المطاف ٠‏ يجب أن تخلع نعليك »  لأ نك في الوادي المقدس ٠‏ وعندما تخرج من الجهة الثانية عارياً كما خرجت من بطن أمك ٠‏ لن يبقى شيء تستطيع أن تخفيه عنهم ، وانت مصلوبا على سارية هذا السجن الكبير.

وقد حاولت جاهدا أن أفعل رد فعل وانتفاضة ضد قوى الشر والظلام والطغاة ، وإنا أرى واعيش وتأثرت بتلك المأساة الإنسانية ، فحاولت أن أفعل أي شيء  وحسب الحديث الشريف ومقتضاه ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطيع فبقلبه  وذلك أضعف الإيمان) .

علما كانت يداي مغلولة  ولم تحرك ساكنا ، خوفاً على مستقبل عائلتي وأهلي وكل ما يمت بصلة ونسب إلى الجد العاشر ,بعيدا عن قاعدة ولاتزر وازرة وزر أخرى ، وعليه استخدمت لساني لصولة الحق المبين  لأن الساكت عن الحق شيطان اخرس ، فكتبت كلمات كان حبرها هو دمي ،فحاولت أن أوصل رسالة ملغومة  تكاد أن تكون صرخة وسط الصمت المميت.

 

وهكذا كتبت مقالا صحفياً بعنوان ( أهمية الإدارة في المنشآت الصناعية ) ، وكان إسمي الكامل مع اللقب ،تحت عنوان المقال ،اضافة إلى الدائرة التي أعمل فيها ( منشأة بدر العامة) ،ونشر المقال في جريدة الجمهورية في بغداد ، العدد ( ٧٤٤٩)، وبتاريخ ٩/شباط/ ١٩٩٠م، وفي الصفحة الرابعة التي كان عنوانها ( آراء وأفكار) .

وقد تناول المقال على أهمية الادارة في المنشآت الصناعية ،باعتبارها عنصراً من عناصر الإنتاج.....حيث تقوم برفع مستوى إنتاجية العمل وتحقيق الأهداف المرجوة المادية والمعنوية ، ثم تحدثت طويلاً عن وظائف المنشأة الصناعية وعلاقتها بالهيكل الادري..... وهنا كانت الضربة القاضية من خلال طرح السلبيات....!!!!!! وبمعنى آخر إياك أعني واسمعي يا جارة!!!!!

هذا ما جاء قوله في نص المقال: ( تكون معاملة الأقسام الإدارية معاملة ثانوية لا تليق بالمهام الملقاة على عاتقهم والتقليل من شأنهم)..... وهنا مربط فرس السباق .....وهذا ما نصه المقال: ( نستطيع القول إن السبب وراء هذه السلبيات تقع على عاتق بعض المدراء!!!!!!!!!!! ، الذين ليس لديهم خبرة إدارية في العمل الوظيفي ، وليس لهم اختصاص علمي أكاديمي ، فيستعملون الروتين القاتل في الاداء ،وعدم توظيف القوانين والأنظمة والتعليمات كما ينبغي ، والنمطية والتعقيد في التسلسل الوظيفي....... واستغلال المنصب في المنفعة الذاتية

والمحسوبية والعلاقات ... والالتجاء دوماً إلى العقوبات حتى في توافه الأمور ... وكما تعلمون أن العقوبة ليست الرافد الوحيد في خلق المجتمع الجديد.........!!!!!!!!.).

وبعد أن قرأت ذلك المقال الآن ؛ بعد مرور حقبة من الزمن , قرابة ستة وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ......!!!!.، وانا جالسا على أريكة القرن العشرين ، واتنفس ثمن هواء الحرية الحمراء التي هي من دم النحور.....وعلى مدى العصور ، بعد ما قدمنا قرابين باهظة الثمن من دماء الشهداء الاكرم منا جميعاً.... والمفقودين والمغيبين والمسجونين و المعوقين والثكالى واليتامى والأرامل.

وتساءلت مع نفسي!!! ،كيف تجرأت وكتبت ذلك المقال ،في ذلك السجن المؤبد... والحقبة المظلمة.... أنها لعمري صولة وصرخة جاء بها الحق، وزهق الباطل ،وكان صدى صوتي مثل زئير الأسد.....الذي يكفي لقتل الفريسة الحرباء!!!!!!!!!٠

وفي ظل ذلك الزمن الغابر الملغوم بالمحذورات والممنوعات ‏ وبعد نشر المقال وكان في يوم الجمعة » أول من اتصل بنا بواسطة الهاتف الأرضي ابن عم الوالد الدرويش الأصل » وكان يتبوأ مكاناً حزبياً كبيراً في محافظة الكوت.

بدأ صوته هادراً كأنه صليه بندقية كلاشنكوف » وهو يتحدث معي بعصبية وتحذير وتهديد وهجمات متتالية ونرفزة حادة » ثم ختم حديثه المتلعثم والمرتبك......قائلاً:

من الآن فصاعداً نحن آل الدرويش قاطبة.... قد خرجت من عشيرتنا » لا نعرفك ولا نعرف أباك!!!

ثم أردف بالقول: وحتماً سيؤول أمرك إلى كارثة وهذا الشيء متوقع.... لا تتصل بنا أبداً وتتحمل نتيجة فعلتك الطائشة.، ولسانك المتبرئ منك ....!!!!!!.

وبعد ذلك أغلق سماعة الهاتف.... وبقيت أنا في حيرة شديدة وقلق مستميت ،وحسبه جيبني  ....وحسبه توديني....تيهت الدرب ياهو يدليني!!!!!!. إذا كان هذا الرد العنيف من أبن العم.....فكيف يكون رد الإخوة الأعداء!!!!!!!!!.

وبعد تلك المخابرة لم انم الليل الطويل ، متقلبا ذات اليمين.... وذات الشمال ، والجريدة التي فيها المقال مركونة بالوسيط!!!!!!!٠

وعند ذهابي صباحاً إلى منشأة بدر العامة ، وقد استبشرت خيراً لرؤيتي الغبطة والسرور والفرح الكبير على وجوه المنتسبين نساءً ورجالاً ، وهم يشيرون إلى كاتب المقال بعلامة الانتصار المرسومة بأصابع الكف الواحدة ، ويرددون أهلاً وسهلاً بنصير الإداريين......!!!!!!.

وكنت حين ذاك مثل القائد الذي عاد من ساحة المعركة... مرفوع الهامة والعزيمة ، لا يجر خلفه غبار الحرب فحسب ،بل يجر هيبة النصر والطمأنينة المرسومة على وجوه المنتسبين رجالاً ونساء ، حيث كانت المعركة معنوية ، قبل أن تكون بالسلاح الأبيض ،وكان رد الفعل هو كسب رضا المنتسبين والثأر لهم والمحافظة على كرامتهم المهدورة....ليس فقط في منشأة بدر....بل في كل  المنشآت التصنيع العسكري في العراق.

وقد قمت برفع مذكرة إلى مدير عام المنشأة موضحاً فيها نشر المقال الصحفي ؛ مؤكداً على وصول المقال بشكل رسمي إلى الجهات العليا وتم تمشية هذه المذكرة بأن تأخذ مجراها حسب التسلسل الوظيفي ،لرغبة في نفس يعقوب قضاها.

وبعد المواجهة العنيفة والحرب النفسية ، التي واجهتها في ذلك الوقت ، ضد جلاوزة النظام ،من المنتفعين والوصولين والمتملقين واراذل القوم الخاسئين.

وبعد فترة عصيبة من الانتظار والترقب ،تم استدعائي من قبل جهاز الأمن الخاص ، التابع لمكتب المدير العام ،الذي كان منصبه بمثابة وزير في الحكومة ، وكانت هناك سيارة مظللة مصفحة سوداء ، واقفة أمام المخزن الذي كنت مسؤولاً عنه ، وكنت مرتديا ملابس العمل.

وكان في استقبالي مدير الإدارة ،الذي بدوره رحب بي ترحيباً حاراً ، وكنت مستغرباً لهذا الأمر ، ومن هؤلاء القوم القساة الظالمين ، الذي كان عند رؤية وجه عابسا ، يشبه مستشفى الطوارئ الكرخ ، وعند رؤية قفاه يشبه سجن ابو غريب!!!!!!!، كيف يتحول إلى ذلك....لست ادري!!!!!!.

وبعد السلام على المدير العام..... بدأت أحدثه قائلاً : عندما استدعيت من قبل حضرتكم ، للمثول امامكم ،وانا في طريقي اليكم ،طرق سمعي لغطا من المنتسبين...... أنه سوف تصدر عقوبة صارمة بسبب المقال الذي نشرته......!!!!!!!.

 ولكنني اعترضت على قولهم هذا وقلت لهم : بالعكس هو الصحيح ، سوف يقوم السيد المدير بمنحي مكافأة مادية ومعنوية على هذا المقال  وذلك بسبب أنني منتمي إلى هذه المنشأة ،والتي كانت تحت أسمي ، وهذا يدل ،على أن كوادر المنشأة ومديرها متربصين على القمة.....حتى يقوموا بانتقادات للبقية الباقية من المنشآت.........!!!!!!!!!

وهكذا ضربت ضربتي القاضية....وكنت أتساءل مع نفسي هل اقتنع بكلامي هذا ، أو كان مجبراً على الاقتناع نظرا لهشاشة موقفه المهزوم والمهزوز!!!!!!.

ثم أردف بالقول اللين والمودة المفبركة الكاذبة:

لماذا هذه الكتابة في الصحافة..... وأنا كما تعرفني باب مكتبي مفتوحاً أمام الجميع من المنتسبين كافة وأنتم عندي متساوون كأسنان المشط ، وعندما ترى أي سلبية في المنشأة ، تدخل مباشرةً إلى مكتبي الذي يبقى مفتوحاً أمامكم دائماً.......!!!!!!

وبسبب التعب الذي بذلته في مواجهة التحديات طوال تلك الأيام الماضية ، لقد أنهكني وجعلتني يابساً مصفراً ، كأني عائدا توا من مقبرة الشهداء ،والكابوس الذي يحز أطراف قلبي النابض بدقات الاستغاثة ، والخوف من ملمات جارت بها الأيام وضعتها في طريقه الوعرة.

كيف يرتاح وهو يخشى حتى من خياله الواهن ،من الذي ينقذه من وضعه المزرى ..... يتساءل مع نفسه ، يبقى هكذا طوال حياته........!!!!!!!.

ما الذي فعله لكي يتعرض لهذا الكيد..... إنه مجرد مقال قلت فيه رأياً، الدقائق انفصلت عنه والساعات انتحرت مبكرة ،والايام تمخضت عنها رياح فاسدة تجوب ليله البارد ،والسنون رحلت مولية ظهرها ، غير مبالية بالإنجازات التي قام بها في عمره الأسطوري.

ايملك مالا أم اسهم في شركات استثمارية ، أو سندات تأمين عن أيام مقبلة!!!!!!،

أنه يقتات على فتات خبزه الأسمر المحلى بعرق السنين الغابرة السواد ، وعلى قائمة الدائنين.

ويسير على نجده الواضح مهما تكن النتائج المتوقعة ،حتى يروم وصول الشمس......،

تابعوا خطواته.... أين يذهب ، من اين يأتي ،ماذا يحلم ،ماذا يأكل أو يشرب.....تابعوه خطوة خطوة لم يعثروا على اي شيء يدينه ......!!!!!!,

ثم تجري الملاحقة بشكل آخر في الممرات الخلفية ،  ما وراء الستائر المخملية التي تحمل رائحة المكر والخديعة ،في تلك المكاتب التي لا يصلها ضوء الشمس ..... هناك

بعثروا أوراق إضبارته الخضراء.... ورقة ورقة : منذ ولادته وحتى موته المتوقع ، أكمل الخدمة العسكرية الإلزامية ، ولم يؤشر في كنيته أي هروب أو مخالفة....!!!!!، وقد حصل على أوسمة عديدة ، ودراسته الجامعية المتميزة  والمؤطرة بأنواع النشاطات الطلابية ، وحياته الوظيفية السابقة مشرفة ومعطرة بكتب الشكر والتقدير.

بعثروا كل الأوراق بجنون وهوس ، لم يجدوا غير عقوبات قطع الراتب الشهري نتيجة تكرار غيابه ، لم تنزل قدماه أي أرض رطبة ، ولم تطأ قدمه اي مركز شرطة مدع أو مدعى عليه.

كانت أمه تعلم أن ابنها البكر متعب جداً ، وفاقد شهية الزاد ، تعلم بكل الذي يعانيه دون أن يكاشفها بأي شيء، وقد رأت في المدة الأخيرة ،تقلباته في فراشه البارد ،والصوت الاجش الذي يطلقه في كابوس أحلامه مخاطباً المجهول بكلمات غير مفهومة ، تخرج من فمه المتشنج كأنها جمرات تسعر في صدره المكتوم ، كلمات مثلمة .... مبعثرة يرددها دائماً في منامه الفزع مثل. مقال .... جريدة المدير ..عقوبة نقل ونفي إلى مكان غير معلوم.....!!!!!!!.

فتقبر في قلبها المرهف حزنها العميق ، وتدعوا له ببكاء صامت : أن يذهب عنه الهم ويكفيه شر الأشرار ، وشر طوارق الليل والنهار ...وتبكي بدون دموع .

إلى أن وصلت أخيراً المذكرة مع الجريدة التي فيها المقال من المدير العام... وقد همش عليها بالقلم الأخضر قائلاً:

"أحسنتم وبارك الله فيكم لخدمة العراق العظيم".

كتبت هذه القصة بتاريخ ٣/٥ /٢٠٢٦م في تونس الخضراء

المشـاهدات 59   تاريخ الإضافـة 07/07/2026   رقم المحتوى 72044
أضف تقييـم