الأحد 2026/7/12 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 31.72 مئويـة
نيوز بار
نافذة سامي دياب
نافذة سامي دياب
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

ناصر أبوعون

لقد كنتُ شاهد عَيَان على البدايات الإبداعيّة للشاعر المصريّ سامي دياب كيلاني، والتي تتأرجّح في حركة منتظمة مثل بندول الشاعة الحائطيّة ما بين قطبين: (الشعر والنقد)؛ وأزعم أنّه كان يعرف ماذا يُريد، ولكنّ عقبة كؤودً كانت تقف حجرَ عثرةٍ في طريقه؛ تحول بين شعراء الأقاليم واعتراف سدنة المشهد الثقافيّ ورضا حرّاس بوابّة الإبداع في الصفحات الثقافية المُصادرة، ومُعدّي برامج الفضائيات المؤدلجة، ولكنّه على أيّة حال نجا من محنة الإقصاء وغرّد بعيدًا وحيدًا.

في هذا النصّ المعنون بـ(لو تبقين النافذة)، تتبدّى لنا الوحدة العضوية، التي نشأت من تفاعل (المفارقات)، وتتابع (التوترات)، وتولّدت داخل بِنيته شبكة واسعة من الدلالات، ارتكزت على مجموعة من  (التكرارات)، و(الرموز)، و(الاستعارات) جعلت من (النافذة) رمزًا جامعًا بدأ بـ(وعد العبور)، وانتهى بـ(الإحكام المغلق).

أولا - قصيدة (لو تبقين النافذة):

[في مرات كثيرة؛ أفكر بجديّة.. في القفز من نافذة القصيدة/ كعصفورٍ في قفزته الأولى من العش/ وهو لايدري.. ماذا ينتظره هناك/ على مدارج عينيكِ القاتلة، أو أعنٍّف لغة القصيدة/ كتلميذٍ غبي...  لايتسع خياله لاصطياد تلك الحمامات الشاردة.. / من برج روحكِ/ ولأنه يفشل دائما/ في البقاء هناك؛ / لحظة ملامسة أقلام (الروج)/ لشفتيكِ اليابسة؛ / ليخبرني عن متعة ذلك المسكين / فوق حد المقصلة./ كان عليه أن يمنحني / كل هذه التفاصيل / لأدرب قصائدي لاحقًا../ على كيفية السير حافية القدمين/ في حقول ألغامكِ/ وأن أكرّر فعلة «فان جوخ» بارتياح/ وأن أربت على وجع القصيدة/ وهي تغلق في وجهي النافذة!! ]

ثانيًا- تحليل القصيدة:   

إن تصوّرنا عن الشعر يرتكز في أكثره على جُنْحين؛ أمَّا الجُنْح الأول فيرى في (المفارقة) جوهر اللغة الشعرية، وأمَّا الجُنْح الآخر فيرى تحققَ الوحدة العضوية والموضوعية مرهونٌ بتفاعل (الأضداد)؛ وهذه القصيدة ما هي إلا أنموذج تطبيقيّ لهذه الرؤية.

فإذا ما أمعنا النظر في مفتتح القصيدة وجدنا الفعل المضارع "أفكر بجديِّة... في القفز من نافذة القصيدة" قد أسهم في صُنع مفارقة حيويّة ومتجدّدة الحدوث، بل غدت هي البِنية المركزيّة، التي أسهمت في إنتاج المعنى المركّب، وصارت القصيدة (بيت الشاعر) المؤطّر بالجدران الصمّاء، وما (النافذة) إلا صراط يفصل بين عالمين: عالم التجربة الشعورية والحياتية، وعالم اللغة الشعرية المجازيّة. وإنّ محاولة الشاعر القفز من النافذة ما هي إلا محاولة الخوض في تجربة جديدة، ولكنها تجربة ستكون شديدة الخطورة – إنْ فعل-، ومعها تحوّل النصّ إلى فضاء مادي يمكن القفز منه. ثم تتوالى المفارقات: (العصفور=الحرية)؛ ولكنه يقفز إلى المجهول، و(العينان=الجمال)؛ لكنهما قاتلتان، و(أقلام الرُّوج= الزِّينة)؛ لكنها ستأخذ الشاعر إلى المقصلة، و(القصيدة= الخلاص)؛ لكنها ستغلق النافذة.

وعلى منحًى آخر تتشكّل الوحدة العضويّة والموضوعيّة داخل قصيدة (لو تبقين النافذة) من سلسلة متوالية من الصور الشعريّة (النافذة، والعصفور، والحمامات، والبرج، والمقصلة، والألغام، وفان جوخ، والنافذة الأخيرة)، وكلها صور شعرية تدور في فلك واحد هو محاولة الشاعر عبور المسافة نحو الآخر من خلال القصيدة، وهي صور في مجملها تؤدي وظيفة واحدة، هي تجسيد صعوبة الوصول.

ومن زاوية أخرى يصطدم القاريء داخل القصيدة بشبكة كثيفة من التوترات المتقابلة على قطبين متنافرين: (البقاءXالقفز)، و(الموتXالحب)، و(الألم Xالجمال)، و(العنفX اللغة)، (الإغلاقX القصيدة)، ومن ثَمَّ تتحوّل القصيدة إلى ميدان يعجّ بالحركة والكرّ والفرّ بين الرغبة والانكسار، بل الشاعر نفسه يهوى الاقتراب من المحبوبة؛ لكن هذا الاقتراب يقوده إلى حتفه راضيًا لامُجبرًا، إلى أن نصل إلى ذروة التوتر في قول الشاعر:(لحظة ملامسة أقلام الروج لشفتيك اليابسة)؛ فإن كانت تلك اللحظة توحي بالإغراء والأنوثة المتفجّرة الغاوية والحياة، إلا أنّ عين الشاعر تقع على الشفتين يابستين، فتنسف هذا الإيحاء، وتتولّد منه صورة شعرية جديدة تجمع بين الإغراء والجفاف في إهاب واحد.

وفي الأخير: يمكننا القول: إنّ معنى قصيدة (لو تبقين النافذة) تَولّد من نسيجها الداخليّ، وإنّها بِنية لُغويّة مكتفية بذاتها، دونما الالتفات إلى سيرة الشاعر أو مقاصده أو أثر النصّ في المتلقي، وإنّ مركز الاهتمام مُنصبٌّ على العلاقات الداخلية بين عناصرها: (الصورة، والمفارقة، والرمز، والتوتر، والإيقاع، والوحدة العضوية).

المشـاهدات 15   تاريخ الإضافـة 12/07/2026   رقم المحتوى 72142
أضف تقييـم