| النـص :
ينضوي تحت مصطلح الفساد جرائم وأفعال شتى منها بعضها كبير وخطير، وبعضها صغير وحقير، فيشمل مصطلح الفساد صور الفساد الإداري والمالي بكل أنواعه، فالسرقة، والاختلاس، والرشوة، والتربح من الوظيفة، واستخدام أموال الدولة من سيارات ومعدات وأجهزة للأغراض الشخصية، واستغلال النفوذ الوظيفي، والمخالفات الإدارية كلها تندرج تحت مصطلح الفساد، إلا أن أكثر صور الفساد شيوعاً وأخطرها أثرها وأعظمها ضرراً هو السرقة من المال العام أياً كانت الوسيلة والطريقة لذلك؛ لأن فيها استنزاف لموارد الدولة، والتعدي على حقوق أفراد الشعب بهذا المال، وإضعاف الثقة بالدولة ومؤسساتها، ومع هذا يستخدم لوصف سراق المال العام مصطلح الفاسدين في حين يطلق على من يستولون على المال الخاص مصطلح سراق أو لصوص. إن استخدام مصطلح الفاسدين على سراق المال العام تجميل لصورهم وتخفيف من وطأة أو وقع فعلهم وجرمهم، مع أن جريمة السارق من المال العام أعظم وأخطر من جريمة السارق من المال الخاص، فالسارق من المال الخاص قد يصحو ضميره فيعيد المال إلى صاحبه، أو قد يعفو عنه المسروق منه، لهذا يروى عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بعدما سرقت منه بعض النقود فصار الناس يدعون على من سرق هذه النقود فقال عبدالله بن مسعود: " اللهم إن كنت تعلمُ أن الذي سرق نقودي محتاجاً إليها فبارك له فيها، وإن كان غير محتاجٍ إليها فاجعله آخر ذنب يذنبه"! في حين أن السارق من المال العام قد سرق من شعب بأكمله، فسرقته قد أفقرت الفقير وزادت في تقتيره وبؤسه، سرقته أدت إلى سلب الحقوق وانعدام الخدمات، ناهيك عن استنزافها الأموال وتأخير بناء البلد وتحقيق التنمية فيه فأنى يجد من يعفو عنه ويسامحه على سرقته؟! لهذا ينبغي أن نسمي الأشياء بمسمياتها، فاللغة العربية لغة تتميز بالدقة في الوصف والتسمية فكل مصطلح أو لفظ له استخدامه ودلالته لا يعبر غيره عنها، ففي اللغة العربية السارق له معنى، والنشال له معنى، والطرار له معنى وهكذا، فالسارق هو من يأخذ المال من حرز أي شيء محصن، والطرار هو من يشق الجيوب ويسرق ما فيها من نقود أو أشياء ويهرب بشكل علني، جاء في فقه اللغة للثعالبي في تفصيل أحوال السارق وأوصافه: "إذا كان يسرق المتاع من الأحراز فهو سارق، فإذا كان يقطع على القوافل فهو لص وقُرضوب، فإذا كان يشق الجيوب وغيرها عن الدراهم والدنانير فهو طرَّار، فإذا كان من أخبث اللصوص فهو عمروط، ، فإذا كان يدل اللصوص ويندسُّ لهم (أي يكون عين لهم) فهو شقص، فإذا كان يأكل ويشرب معهم ويحفظ متاعهم ويسرق معهم فهو لغيف". لهذا فتسمية سراق المال العام بالفاسدين تجميل لهم وتقليل من وطأة ووقع فعلهم، فكيف يطلق على من يستولي على المال الخاص لفظ سارق أو لص في حين يطلق من يستولي على المال العام لفظ فاسد مع الثاني أعظم خطراً وأكثراً ضرراً، وأعظم أثراً من الأول؟! لهذا ينبغي أن نعيد النظر في التسميات وأن نسمي الأشياء بمسمياتها، فنطلق لفظ سارق على كل من يستولي على المال العام لا أن نطلق عليه لفظ فاسد؛ لأن الفساد كما ذكرنا يشمل أنواع وصور كثيرة منها إداري، ومنها مالي، والبعض من صور الفساد يعد بسيطاً كالمخالفة الإدارية ومنها ما يعد خطيراً كالسرقة من المال العام، فمصطلح سارق أكثر تعبيراً وانسجاماً مع فعل من يستولي على المال العام ويستبيحه من لفظ فاسد.
|