الأربعاء 2026/7/15 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 45.81 مئويـة
نيوز بار
قراءة استشرافية في مستقبل أقوى تحالف عسكري في العالم حلف الناتو… من تحالف الردع إلى أزمة الوظيفة: هل يقترب النظام الأطلسي من لحظة التحول؟
قراءة استشرافية في مستقبل أقوى تحالف عسكري في العالم حلف الناتو… من تحالف الردع إلى أزمة الوظيفة: هل يقترب النظام الأطلسي من لحظة التحول؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حيدر صبخي الجوراني
النـص :

منذ أن تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، شكّل أحد أهم أعمدة النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وقد بُني هذا التحالف على عقيدة عسكرية واضحة تتمثل في الردع الجماعي لمواجهة الاتحاد السوفيتي ومنظومة حلف وارسو، فكان عنوانًا للصراع بين الشرق والغرب طوال عقود الحرب الباردة.إلا أن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وتفكك حلف وارسو أثارا سؤالًا استراتيجيًا لم يفقد أهميته حتى اليوم: هل انتهت الوظيفة التي أُنشئ من أجلها حلف الناتو؟ورغم أن الحلف تمكن من إعادة إنتاج دوره عبر التوسع شرقًا والتدخل في أزمات دولية مختلفة، فإن السنوات الأخيرة كشفت عن تحديات بنيوية لم تعد تقتصر على طبيعة التهديدات الخارجية، بل امتدت إلى داخل المنظومة الأطلسية نفسها، حيث تصاعدت الخلافات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بين أعضائه.

 

أزمة الوظيفة قبل أزمة التمويل

 

تاريخيًا، تقوم الأحلاف العسكرية على وجود تهديد مشترك يوحد إرادة أعضائها. ومع زوال الاتحاد السوفيتي، فقد الناتو الخصم الذي تشكلت فلسفة وجوده على أساس مواجهته.ولتعويض هذا الفراغ، وسّع الحلف نطاق عملياته ليشمل مكافحة الإرهاب، والتدخل خارج حدوده التقليدية، والأمن السيبراني، ثم عاد لاحقًا إلى سياسة الردع في مواجهة روسيا، مع تزايد الاهتمام بالصعود الصيني.إلا أن هذا التوسع في المهام خلق أزمة هوية استراتيجية، إذ لم يعد هناك توافق كامل بين الدول الأعضاء حول طبيعة العدو الحقيقي وأولويات الأمن الجماعي.فالولايات المتحدة تنظر إلى الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الأبرز، بينما ترى دول أوروبا الشرقية أن روسيا تمثل الخطر المباشر، في حين تركز دول أوروبية أخرى على تحديات الهجرة والطاقة والأمن الاقتصادي.

 

التمويل… بداية الخلاف لا نهايته

 

اعتمد الناتو طوال عقود على التفوق المالي والعسكري الأمريكي، وكانت واشنطن تتحمل النصيب الأكبر من أعبائه.لكن مع تصاعد الدين العام الأمريكي، وعودة الرئيس دونالد ترامب إلى تبني سياسة “أمريكا أولًا”، عاد الجدل حول عدالة توزيع الأعباء داخل الحلف.فالإدارة الأمريكية باتت تنظر إلى بعض الحلفاء بوصفهم مستفيدين من المظلة الأمنية الأمريكية دون مساهمة تتناسب مع حجم تلك الحماية، بينما ترى دول أوروبية أن الأمن الأطلسي مسؤولية مشتركة لا ينبغي أن يخضع لمنطق الربح والخسارة.ومع تباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الأوروبية، أصبح رفع الإنفاق الدفاعي يمثل تحديًا سياسيًا واقتصاديًا للحكومات الأوروبية.

 

الخلافات الداخلية… تصدعات تحت السطح

 

رغم استمرار الناتو كأقوى تحالف عسكري في العالم، فإن وحدته السياسية لم تعد كما كانت.فتركيا دخلت في خلافات حادة مع عدد من الحلفاء بشأن ملفات إقليمية، كما دعت فرنسا إلى بناء استقلال استراتيجي أوروبي يقلل من الاعتماد على واشنطن.كذلك أظهرت الحرب الأخيرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تباينًا في مواقف عدد من العواصم الغربية بشأن حدود الانخراط في الخيارات العسكرية الأمريكية، وهو ما أعاد النقاش حول مدى قدرة الحلف على إنتاج موقف موحد عندما تتعارض المصالح الوطنية مع الالتزامات الجماعية.أما الاجتماعات المتكررة لقادة الحلف، ومنها مؤتمر أنقرة، فيمكن قراءتها بوصفها محاولات لإدارة الخلافات والحفاظ على التماسك الداخلي، أكثر من كونها دليلًا على انتهاء الأزمة.

 

ماذا تقول نظريات العلاقات الدولية؟

 

يرى أنصار المدرسة الواقعية أن الأحلاف العسكرية لا تعيش إلى الأبد، وإنما تستمر ما دام التهديد الذي أنشئت لمواجهته قائمًا.ومن هذا المنطلق، فإن انتهاء الحرب الباردة كان بداية أزمة بنيوية للناتو، إذ أصبح مطالبًا بالبحث عن مبررات جديدة لاستمرار وجوده.أما المدرسة الليبرالية فترى أن الحلف لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل أصبح إطارًا سياسيًا وأمنيًا يجمع الديمقراطيات الغربية، وهو ما يمنحه قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات الدولية.لكن الوقائع تشير إلى أن المصالح الوطنية للدول ما زالت تتقدم، عند الأزمات، على الالتزامات الجماعية، وهو ما يعزز جانبًا من تفسير المدرسة الواقعية.

 

دروس العراق وأفغانستان وأوكرانيا

 

كشفت حرب العراق عام 2003 أول انقسام سياسي كبير داخل الحلف.ثم جاء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021 ليؤكد أن القرار الاستراتيجي ما زال يُصنع في واشنطن أكثر مما يُصنع داخل مؤسسات الحلف.أما الحرب الروسية الأوكرانية فقد أعادت للناتو جزءًا من أهميته العسكرية، لكنها كشفت في الوقت ذاته حجم الاعتماد الأوروبي على القدرات الأمريكية في مجالات التسليح والاستخبارات والدفاع الجوي، وهو اعتماد يجعل فكرة الاستقلال الدفاعي الأوروبي أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه سياسيًا.

 

هل تستطيع أوروبا الاستقلال؟

 

برزت خلال السنوات الأخيرة دعوات أوروبية متزايدة لبناء منظومة دفاع مستقلة.إلا أن هذا المشروع يصطدم بعقبات كبيرة، تتمثل في تباين الرؤى بين الدول الأوروبية، واختلاف قدراتها العسكرية، واستمرار الحاجة إلى المظلة النووية الأمريكية.لذلك، يبدو أن أوروبا تسير نحو زيادة استقلاليتها تدريجيًا، دون أن تبلغ في المستقبل المنظور مرحلة الاستغناء الكامل عن الولايات المتحدة.

 

هل يتحول الناتو إلى تحالف اقتصادي؟

 

يطرح بعض الباحثين احتمال تحول الناتو إلى إطار اقتصادي أو تكنولوجي.غير أن هذا الاحتمال يبدو محدودًا، لأن الغرب يمتلك بالفعل مؤسسات اقتصادية متخصصة تؤدي هذه الأدوار.والأقرب إلى الواقع أن يتحول الناتو إلى تحالف أمني متعدد الوظائف، يركز على الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، وأمن الطاقة، وحماية البنى التحتية، إلى جانب دوره العسكري التقليدي.

 

السيناريوهات المستقبلية

 

أمام هذه المعطيات، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسة:الأول، استمرار الحلف مع إعادة توزيع الأعباء المالية والعسكرية بين الولايات المتحدة وأوروبا.الثاني، نشوء قطب دفاعي أوروبي أكثر استقلالًا مع بقاء الناتو إطارًا للتنسيق.الثالث، إعادة تعريف الحلف ليصبح مؤسسة أمنية شاملة تتعامل مع التحديات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.أما السيناريو الرابع، فهو التآكل البطيء؛ حيث يبقى الحلف قائمًا من الناحية الشكلية، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على اتخاذ قرار موحد بفعل تضارب المصالح الوطنية، دون أن يصل إلى مرحلة الانهيار الرسمي.

 

خاتمة

 

ليس السؤال اليوم: هل سينهار حلف الناتو غدًا؟فهذا الاحتمال لا تسنده الوقائع الحالية.لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل يستطيع الحلف الاحتفاظ بوظيفته التاريخية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، وتتصاعد فيه المصالح الوطنية على حساب الالتزامات الجماعية؟لقد أثبت التاريخ أن الأحلاف لا تسقط عادةً بقرار مفاجئ، وإنما تبدأ رحلتها نحو الأفول عندما تفقد تدريجيًا وحدة الهدف، وتتحول من تحالف يجمعه خطر مشترك إلى مؤسسة تسعى إلى إدارة خلافات أعضائها أكثر من مواجهة خصومها.وفي ضوء التحولات المتسارعة، يبدو أن الناتو يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن ينجح في إعادة تعريف ذاته بما ينسجم مع النظام الدولي الجديد، وإما أن يدخل مرحلة من التراجع البطيء، قد لا تنتهي بانهياره الرسمي، لكنها قد تنتهي بانحسار تأثيره بوصفه القوة الأطلسية التي قادت العالم الغربي طوال أكثر من سبعة عقود.

 

المشـاهدات 47   تاريخ الإضافـة 15/07/2026   رقم المحتوى 72226
أضف تقييـم