الأربعاء 2026/7/15 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 44.5 مئويـة
نيوز بار
سيدوري كملاذ للرحمة قراءة في قصة ( داخل حانة سيدوري ) القاص جاسم عاصي
سيدوري كملاذ للرحمة قراءة في قصة ( داخل حانة سيدوري ) القاص جاسم عاصي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

اياد خضير   

تحكي القصة ( داخل حانة سيدوري ) للقاص جاسم عاصي كتابة ملحمة جلجامش من زاوية إنسانية معاصرة. بدل السعي وراء الخلود، نجد بطلاً هارباً من "فعلته مع سيدة جلجامش" يبحث عن الأمان وسط مطاردة رجال المعبد ووحشة البراري. الحانة هنا تتحول من مكان للسكر إلى فضاء رمزي للمواجهة بين قسوة السلطة وحنان الأنثى الحاضنة، القاص لم يذكر اسم البطل الذي دخل الحانة، لكن المتلقي من خلال السرد يعرف اسمه ( جلجامش) الذي ينصدم بموت صديقه انكيدو الانسان الذي علم جلجامش الصداقة، الحب، والرحمة .. موته هو الذي كسر قلب جلجامش وجعله يجري للبحث عن عشبة الخلود، حتى دخوله حانة سيدوري التي تحاول ان تعلمه العيش من خلال التمتع البسيط بعد فقد الصداقة الاثنين ضد فكرة الخلود ..

القاص (جاسم عاصي) التفاته رائعة جعل البطل الهارب يتذكر طيش سري مع ( أم ننسون) التي كانت تعوضه عن امه وبنفس الوقت يهرب الى سيدوري، فصار 3 الام المفقودة أم ننسون، وسيدوري الملاذ وانكيدو يبقى غائب حاضر لان كل رحلة جلجامش سببها فقدان انكيدو.. اقصد ان انكيدو هو السبب الذي يوصل جلجامش الى سيدوري .. وسيدوري هي التي تحاول ان تجعل جلجامش عن طريق انكيدو..

حانة سيدوري رمز للأنوثة والرحمة التي لم "تنته جراء السنين"، مقابل ذكورية المعبد المتمثلة برجال يحللون لأنفسهم ويحرمون على الناس رغم "غسل أجسادهم وتنظيف دواخلهم". حتى شخصية أم ننسون تكشف مفارقة الحنان المشروط، اعتبرته أبنها بالتبني، ما يدفع البطل للهروب نحو سيدوري التي تعطي بلا مقابل. ولغوياً، يوازن الكاتب بين سرد مشحون "ليل البراري لا يطاق" وحوار قصير "متعب جداً"، ليؤكد أن الواقع أبسط وأقسى من خيال التائه..

( الفكرة المركزية )

البطل الهارب من "فعلته مع سيدة جلجامش" ما يبحث عن خمر، يبحث عن أمان، الحانة هنا مو مكان سكر، هي ملاذ مؤقت بوجه البراري، الخوف /  الموت/الذنب..

( وزادت من همته ورغبته في البقاء ردحا من الزمن داخله، أو بما يسمح به الزمن وطبيعة المكان الذي هو بالتاكيد يستقبل الرواد من كل الانحاء المتفرقة، البعيدة والقصية، يكون ملاذ لهم بعد رحلات طويلة) ص 68ـ 69

 سيدوري تتحول من ساقية خمر إلى "أم بديلة" تواجه قسوة رجال المعبد.

(البناء والزمن)

القصة تمشي بخطين متوازيين

-زمن خارجي: تعب الجسد، البرد، المطاردة، الانتظار الطويل

( هو الذي واجه العواصف وهياج الرمال وعصفها بذراتها الناعمة والخشنة، وهي تمس جسده كأسنان المنشار وهي تلسع بشرته، ليل البراري لا يطاق بما يخفيه من رعب وخوف وموت متربص ) ص71

- زمن داخلي: أسئلة البطل المتكررة "هل سيدوري جميلة؟ هل المكان باقي؟". التكرار هذا يخلق إيقاع قلق، كأن القارئ نفسه محبوس بالانتظار

 (حانة سيدوري): رمز الأنوثة الحاضنة مقابل ذكورية المعبد المتسلطة، هي المكان الوحيد اللي ما "انتهى جراء السنين" لأنه يمثل الرحمة اللي ما تتقادم

 (رجال المعبد): مفارقة قوية. يغتسلون أجسادهم "وينظفون دواخلهم" لكنهم هم اللي يحللون لأنفسهم ويحرمون على الناس. نقد مباشر لازدواجية السلطة الدينية.

 (الأم ننسون): تحاول تعوضه فقدان الأم، بس بطريقة "( وأشترك معها بطقس سري هيأت له كل مستلزمات اللقاء وراحت تخاطبه ببني من أجل أن ترقق قلبه على ولدها تلك الملقبة بالبقرة الوحشية، تحمل قلباً مرهفاً تلين له الجبال، ولا يخفي عنها، فقد مال قلبه اليها وهو الذي فقد أمه قبل ان يراها ويتمرغ في دفء حنانها) ص74

يعني الحنان صار مشروط بمقابل، ولهذا البطل يهرب الى سيدوري اللي تعطي بلا مقابل.

( اللغة والحوار)

السرد طويل وفيه شحن عاطفي عالي "ليل البراري لا يطاق". هذا يناسب شخصية تائه ومرهق. لكن الحوار مع سيدوري جاء قصير وبسيط "متعب جدا". القصر هنا مقصود: بعد كل الأسئلة والتخيل، اللقاء الحقي أبسط من التوقعات. وهذي لمسة واقعية ذكية من الكاتب

( سيدتي مالك تتركيني أنتظر هكذا تعتصر قلبي الظنون، وتكبلني الوساوس، فأخرجي اليً مكللة بالجمال وسطوح الحكمة، فنظرتي اليك تفوق كل التصورات فقد جئتك متعباً أبحث عن ملاذ يؤويني، ويرفع عني ثقل الازمنة الجائرة.) ص74

( النهاية المفتوحة)

أمرته "بخدمة الزبائن من رجال المعبد".

( قائلة: ــ أهلاً بضيفنا الموقر.

قال بعد ان جمع كل ما تبقى عنده من شجاعة الكلام.

ـ أهلاً بك.

ــ كيف حال سفرك الطويل؟

ـ متعب كثيراً.

ــ ستجد الراحة في الحانة، اسمح لي أن أقدم اليك ما يليق بحضورك بيننا ، وانت تعرف أني وحدي  في الحانة، أعتمد على نفسي فقط في خدمة الرواد.

ــ هذا يسرني ويسعدني.) ص77

 النهاية ما حسمت: هل البطل انتصر على خوفه وصار جزء من النظام؟ لو صار ضحية جديدة له؟ "نهاية القفلة أو نهاية القصة" = نهاية الرحلة أو بداية عبودية جديد..

جاسم عاصي يعيد كتابة أسطورة جلجامش بس يسقطها على صراع اليوم: الفرد الهارب من ذنبه وسلطة تحلل لنفسها. ( جلجامش يخجل وتضمحل شخصيته أمام سيدوري ملكة مفارق الطرق وتقاطعها، الانثى العارفة بصيرورة كل شيء في البشر العابرين، والآتين من آماد بعيدة، ما ان يدخلوا حانتها حتى يظهر عليهم الاستقرار ويتبدد تعبهم.) ص84

الخاتمة ) )

تنتهي القصة نهاية مفتوحة بأمر سيدوري للبطل "بخدمة الزبائن من رجال المعبد". هكذا يترك القاص(جاسم عاصي) القارئ أمام سؤال: هل انتصر البطل على خوفه وصار جزءاً من النظام، أم تحوّل لضحية جديدة؟ بهذا تصبح سيدوري استعارة للعراق القديم الحنون الذي يصمد بوجه العواصف، بينما يبقى الإنسان بين رحمة الأنثى وجبروت المؤسسة..

( أنهم يستحمون بمياه لا ترطب أجسادهم  فحسب، وانما تغسل ذنوبهم المكبوتة والمفموعة من لدن رجال المعبد، تنظف دواخلهم، مبعدة عنها ما علق من الشوائب التي أضفاها رجال المعبد، الذين يحللون لأنفسهم وما يرغبون، ويحرمون ما ينفع الناس.) ص85.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يذكر ان المجموعة القصصية صدرت عن دار توليب للطباعة والنشر والتوزيع بواقع 163 صفحة من الحجم المتوسط..

المشـاهدات 40   تاريخ الإضافـة 15/07/2026   رقم المحتوى 72233
أضف تقييـم