الأربعاء 2026/7/15 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 44.5 مئويـة
نيوز بار
الفيصلية - جمهورية الفسيفساء الجميلة- في ذاكرة الحياة
الفيصلية - جمهورية الفسيفساء الجميلة- في ذاكرة الحياة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

عبد الزهرة الديراوي

    كتاب (الفيصلية في ذاكرة الحياة ) للأديب صادق العلي  . يعد وثيقة مدونة

ذات طابع وصفي  لسيرة  " ناس ومدينة "، والهدف الرئيسي منها فهم أو تحديد الخصائص الفريدة  أو المائزة  لمنطقة  معينة   تتكون  من عناصر  طبيعية وبشرية  .                                                                            فهو لا ينظر للمكان  موقعا  صامتا  بل كعالم  متحركٍ  تجيش  فيه المشاعر الإنسانية لتعكس صورة جليّةً  تربط الحاضر الحي  بالماضي النابض ، ومثل هذه الكتابات  يمكن وصف جنسها الادبي بأدب ( سيرة المدن ) تستقرئ  بها  الذكريات والاماكن التي  يحدد فيها موقعها الجغرافي  ، واثره  في الوجدان  الانساني  ،  فأهمية المكان تكمن في انه وعاء الزمان وانعكاساته على  سير الحياة ،  وما تشهده من تغيرات واحداث  تلقي ظلالها على جوانب  الحياة  الانسانية  التي  تربط الانسان بجذوره ، ومحطات حياته الاولى .                                                            ولكوني سكنت ذات المحلّة  ، ومن واكب  الكاتب  الصديق (صادق العلي) وجدتني استرجع حنينًا  مرابع  طفولتنا ، والشوق للمنزل الأول  كما يقول الشاعر العباسي الكبير ابو تمام :

نقلْ فؤادَكَ حيثُ شئْتَ مِن الهَوى    ما الحُبُّ الا  للحَبيبِ الأوَّلِ

كمْ منْزلٍ في الأرْضِ يألفهُ الفتى     وحنيْنُهُ  أبَدًا  لأوّلِ  منْزلِ

والمَشَاهدُ  تترى  كأنها شريط سينمائي ،وهو وصف مجازي  (اذا جاز التعبير ) يعرض سلسلة  الذكريات ، والاحداث المتتالية  في مجريات  الحياة اليومية لتلك العقود الزمنية  إذ حاول الكاتب منحها مبعثًا  روحيًا   في تحدٍّ  للزمن  الذي  طالما يجعل الاماكن في طياته أثرًا منسيًّا .

      غير اني  وجدت الكاتب  يمعن في دراسة الموقع الجغرافي  وتفاصيله  من حيث التوزيع السكاني والتوسع الحضري وحياة الأنسان ونشاطاته  وكيفية تفاعله وتأثيره في البيئة المحيطة به من خلال توصيف دقيق لملامح هذه المحلة وسكنة شوارعها ، وفروعها ( اللواين )  مأخوذة عن اللغة  الانكليزية لاين  اي خط أو سطر - كما يحلو لنا نحن أهل الجمهورية  تسميتها  -  ويصف بحميمية  باذخة الطبائع الانسانية والتصاقها بالمكان  لتترسخ الصورة الخلاقة  في الذهن بشكل مثالي متجاوزا  التغيرات التي  تطرأ على الواقع  الجغرافي  للمحلة  كون ارتباطها بالجوهر لا بالشكل .

         وما زال سكانها  يحتفظون  بذاكرة  وتاريخ  جميل  كون  أهلها  كانوا يعيشون كعائلة واحدة  تترابط بينهم المشاعر  . و أسم  حي  (الجمهورية)  الحالي هو امتداد  لمحلة  كانت هي احد أعرق مناطق وسط البصرة  فضلا عما  يحيطها ويحددها من مدن ترتبط  بها من خلال طرق مواصلات  كالعشار، والبصرة القديمة ، وخمسة ميل..

          اسست  في العهد الملكي  أوائل القرن العشرين  ، وعرفت حينها  " بالفيصلية"  نسبة الى  الملك فيصل الاول ، وسمّيت " بالجمهورية " بعد قيام الجمهورية العراقية  ،  وتعد أُنموذَجا  مصغرًا  للتعايش السلمي  الذي  يجمع أطياف المجتمع  البصري من مسلمين ،وصابئة ، ومسيحيين ، وهنود، وبلوش ، وافغان ، وكان لأصحاب البشرة السمراء جلسات وطقوس خاصة يحيونها  في الاتراح والافراح ،  واستطاع الكاتب بلغة سردية مباشرة تدوين شهادات  بعض قاطني محلة الجمهورية  واظهار معالمها القديمة مزدانة  بكساء، والوان جديدة معاصرة  تواكب مراحل  تطور المجتمعات العصرية  .   تمخض عنها ظهور حركات واحزاب  ثورية  ناضلت طيلة عقود  لتحرير الشعب  من واقعه المر .

         حقّا هذه المحلة  بناها ساكنوها  فكانت  حاضرًا  لماضيهم  ،  ويعرف أهل  محلة الجمهورية   "  بالبصاروة  "  لما يتصفون  به من شخصية  تتسم بالكرم ، والثقافة ،  والمودة  ، وحسن الضيافة  ، والتآلف الاجتماعي  بعيدا عن العنصرية القبلية  كونهم  يمثلون  لوحة  فسيفسائية  جميلة  يتجاور فيها الجميع بمختلف الاديان والمذاهب بمحبة واخاء متمسكين  بقيم وعادات ريفية  جنوبية  أصيلة مبعثها الارض الطيبة والبيئة ، ولهذا اطلق عليها (جمهورية أفلاطون ) .

             أما أبرز معالم  شوارعها " شارع المكتبات " و  "شارع  التانكي " أمّا دلالات عنوانات  بيوتاتها  كان يعرف وفق ترقيم  (لايناتها)  التي اكتسبت اسماءها عن أقرب  نقاط  دالة  لها  من الجوامع  ،  والحسينيات ،  والكنائس  ، و مكينة الثلج  ، ومكتبة السيد الحكيم  ، والبريد  ،  والمكتبات  ،  والسوق  ، والمقاهي بمسمياتها  ، والدكاكين  ...وغيرها  من الاماكن التي اوردها  الكاتب .

وقد عرج الكاتب  - صادق العلي - على المشهد الثقافي والمجتمعي  لمئات من المبدعين  من كتاب ، وادباء ، وفنانين  ، وسياسيين،  واكاديميين عاشوا وانتموا  لهذه المحلة  في فترات عاصرها  الكاتب  ، وقدمها وفق  رؤية عيانية خالصة  ، وقد شكلت الجغرافيا  الوصفية  جزءًا  أساسيا من  بنيتها في دراسة الانسان ونشاطاته  ، وكيفية تفاعله  وتأثيره في البيئة المحيطة  ، وتحليل البيانات المكانية  واحداثيات  حدودها  بدءًا  من أطراف  هذه  المحلة  حيث  أقيمت المدارس آنذاك  أبرزها  " مدرسة الصباح الابتدائية "   تأسست عام  1959  مديرها الاستاذ طعمة كديمي الطعمة  ، و " الانتفاضة"  ، و " الفتوة"  تأسست عام 1957   ، و " اعدادية 17 آذار" و " ثانوية الجمهورية  للبنين " و"اعدادية الجمهورية للبنات   و " متوسطة النعمان"  و  " مدرسة الفراهيدي "  واتسع عدد المدارس  مع النمو السكاني.

          اغلب  محددات محيط  محلة  الجمهورية  كانت  مساحات  ترابية  تمت تسويتها لتصبح  ملاعب بسيطة لممارسة كرة القدم حتى انشاء  ملعب الجمهورية  أو ملعب الادارة المحلية ( 1962 – 1964) الذي يسع 5000 متفرج  ، حيث  شهد  انطلاق  العديد من نجوم الكرة البصرية امثال صبيح عبد علي  وجاسب  شند وحمزة عباس  وجبار حسن و لفتة حسين  و رحيم كريم  وعلي عبدالزهرة   كذلك اللاعبان عبدالرزاق احمد وهادي احمد  اذ كانا من سكنة محلة الجمهورية قبل انتقالهما الى منطقة الاصمعي ،  ولشخصية اللاعب مسافر شنان  دور رائد في رعاية المواهب الكروية  .

كما برزت شخصيات أكاديمية وادبية وفنية امثال الفنان سلمان الشهد وصلاح جياد وفيصل لعيبي وعبدالحسن فيصل العيداني وعبدالستار البصري وجاسم الفضل  وعفاف لعيبي  و محسن عبدالزهرة  و عبد طالب البطاط  و عجيل مزهر وعبدالملك التميمي  .  والعديد من الشعراء والادباء  منهم  الشاعر كاظم الحجاج  والدكتور مديح صدام السويعدي  والدكتور عبدالواحد المنصوري  والشاعر عبدالزهرة الديراوي  والاستاذ  فوزي خلف  والدكتور سعد صلال   و سعيد عبدالباقي وحاتم العقيلي  وعبدالحسن الشذر  وصباح شرهان  والقاص عبدالجليل المياح  والناقد جاسم العايف  والقاص قصي الخفاجي .                   وأصبحت المقاهي منتديات لملتقى المثقفين والادباء والفنانين والشعراء الشعبيين  أمثال :  ذياب كزار ( ابو سرحان)  وعبدالهادي الشاوي  وفوزي السعد  وناصر الثعالبي وعطا عودة الشهد وجميل التميمي  وفالح الطائي و محمد جعفر  ومهدي عبود السوداني  و عبدالامير الديراوي وشاكر الخباز  .                                                                                                                                                      كما يستشهد الكاتب بسيرة شخصيات نقابية ومهنية وعسكرية وسياسية  بارزة  أفرزتها هذه المحلة  امثال  :  الشهيد هندال جادر، وابراهيم منصور وجنجون حسين  وعائلة السيد حاتم الجوزي  والعقيد كاظم جبارة  السوداني والدكتور عبدالكريم جبار العبادي  وبعض الباعة الجوالين  والقائمة تطول ، وينوه الكاتب  انّه لم  يوفق  بمدونته ازاء  ذكر العديد من  شخصياتها  بسبب الكم الهائل من الاسماء التي تألقت  بعلومها ، وفنونها  ، والمرور بعجالة على مسح  بعضها   اذ  لا يمكن الاحاطة  بها في سطور قليلة من هذا الكتاب لتنوع اتجاهاتها في ميادين الحياة المختلفة .

        ويمكن وصف اهمية هذا الكتاب بأنه مدونة  جغرافية  لِسِيَرِ طبقات اجتماعية واقتصادية وثقافية انعكست بصور التحولات الايديولوجية والتغيرات للواقع البيئي الذي تعيشه  . الأمر الذي يمكن اعتماده  مرجعا للبحث ودراسة  الموروث الشعبي والفلكلوري والثقافي والسيكولوجي المستنبط  من  تقاليد ، وطقوس مجتمع متنوع  في  مدينة اكتسبت أرثا تاريخيا  لتطابق  ما اوردته  في  شهادات مدونيها  ، وتوثيق  تاريخ المدن  وأخص الفيصلية  ( الجمهورية) .

       ابارك للكاتب هذ الجهد الاستدلالي متمنيا له كل التوفيق والنجاح .

المشـاهدات 37   تاريخ الإضافـة 15/07/2026   رقم المحتوى 72230
أضف تقييـم