الإثنين 2026/7/20 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 42.07 مئويـة
نيوز بار
دمية الشاعر تأملات في نص "الولد الخشبي بينوكيو" للشاعر طه الزرباطي
دمية الشاعر تأملات في نص "الولد الخشبي بينوكيو" للشاعر طه الزرباطي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

ناظم ناصر القريشي

 

غالباً ما أسأل نفسي عند قراءة نصوص التناص: أين ينتهي أثر الحكاية القديمة ليبدأ صوت الشاعر؟ في قصيدة "الولد الخشبي بينوكيو" لطه الزرباطي، لا تبدو قيمة النص كامنة في استعارة الشخصية الأدبية الشهيرة، بل –وهذا ما أثار انتباهي– في قدرة الشاعر على تحريرها من إرثها الثقيل. فهو لا يستدعي بطل الرواية الذي نعرفه، بل يعيد خلقه، أو هكذا خُيّل إليّ، كائناً إنسانياً مثقلاً بأسئلة الإنسان المعاصر وانكساراته.

جسدٌ من البقايا

منذ السطر الأول، يضعنا النص أمام مفارقة جارحة:

"في طريقي إليكَ؛ تعثرْتُ بِبَقاياي"

أجد نفسي أتوقف طويلاً أمام هذا الاستهلال. العثرة هنا لم تأتِ من حجر ملقى في الطريق، بل من داخل الذات نفسها. كأن الفراغ هو الذي يُعثِر. فهو يتعثّر بغياب الأمنيات لا بحضورها، وكأنَّ الفراغَ نفسَه يُعثِرُه.

لا يعود الخشب مادة للتشكيل، بل يتحول إلى سجلّ للزمن؛ فكل أثر فيه شاهد على تجربة، لا على صناعة. جسد أشبه بمخطوطة كُتبت عليها آثار الاحتراق والانتظار. كل شق فيه ربما يروي حكاية، وكل أثر نار هو زمن مضى ولم يغادر.

ورغم هذه الهشاشة المفرطة، يبرز فعل المقاومة، ولو بحدّه الأدنى:

"لَصَقتُ أجزائي بِحرصي على البقاء، ولو خشبيَّاً تئنُّ مفاصلي"

المفاصل التي تئن لا تخبرنا فقط عن عطل ميكانيكي، بل تُطلق صوتَ كائنٍ يعرف أنه ليس حقيقياً، ومع ذلك يؤلمه الوجود.

مساميرُ العمرِ وساعاتُ النُّدوبِ

ثمَّ تأتي الاستعارةُ الأقسى:

"كُلُّ مساميرِ الدنيا تمضي في جسدي، ولا تجمعُ أجزاءَ الرجُلِ الخشبي"

المساميرُ هي أدواتُ التثبيتِ في الأصل، لكنّها هنا تتحوّلُ إلى ساعاتِ العمرِ المغروسةِ في الجسدِ. كلُّ مسمارٍ تجربةٌ قاسيةٌ أو خيبةٌ استقرّتْ في الذاكرةِ. يتحوّلُ الجسدُ إلى ساعةٍ تقيسُ العمرَ بعددِ النُّدوبِ لا بعددِ السنواتِ.

النارُ واللغةُ والأنينُ

"التي شَبِعَتْ من خشبي، من أغصانِ انتظاري"

إسنادُ الشِّبَعِ إلى النارِ فعلٌ شعريٌّ مُدهشٌ. النارُ بطبيعتها لا تجوع لكي تشبع، لكن انتظار الشاعر الطويل صار وقوداً فاق قدرتها على الالتهام. "أغصانِ انتظاري" تحفةٌ بلاغيةٌ: الأغصانُ جزءُ الشجرةِ التي تُقطَعُ، والانتظارُ جزءُ الروحِ الذي يُستنزَفُ. هو شريكٌ في احتراقِه.

ثم تأتي الاستعادة الذكية للحكاية:

"مع أنفي التي تتمددُ كُلما كذبت"

أكاد أزعم أن الشاعر قلب دلالة الأنف المتمدد تماماً. هو هنا ليس علامة على الكذب الأخلاقي المعهود، بقدر ما هو اعتراف ضمني بعجز اللغة عن احتواء الألم. كلما حاول التعبير بالكلام، بدا الأمر كذباً، فامتد أنفه. أنين مفاصله كان تعبيره الوحيد الصادق.

وما يلفت النظر حقاً هو التناقض بين موضوع النص (الخشب الجامد) ولغته المتحركة بعنف: "تعثرتُ، لَصَقتُ، تمضي، شبعت، تتمدد، أشتعل". هناك إيقاع داخلي مكتوم، وكأن النص يئن مع الرجل الخشبي. وحين يصل إلى ذروته:

"سأُغني وأنا أشتِعلُ"

ندرك أنه غناء صامت، نوتة موسيقية كُتبت على جسد يحترق.

إعادة كتابة الحكاية

"أشكرُ الأشجارَ التي منحتني جسداً مؤقتاً"

يستوقفني وعيه المبكر بجذوره. هو لا يشكر النجار الذي صنعه، بل الأشجار التي جاء منها. "جسداً مؤقتاً" وحدها تختزل وعياً تراجيدياً حاداً إزاء هشاشته.

وهنا تبرز الشفرة الإبداعية: الشاعر لم ينقل الحكاية، بل شفّرها من جديد. من دمية تريد بشغف أن تصير إنساناً، إلى إنسان خشبي يريد أن يعود إلى النار. ويبدو لي أن هذا التحويل يمثل أحد أهم منجزات النص، لأنه يُحدث قطيعة مع التلقّي التقليدي للحكاية.

في الحكاية الأصلية كان بينوكيو يحلم بأن يصير إنساناً، أما هنا فإن الإنسان نفسه يبدو كائناً ناقصاً. ينجز الشاعر انقلاباً عميقاً: بدلاً من رحلة الصعود نحو الإنسانية، نقرأ رحلة اكتشاف هشاشة الإنسان. بينوكيو يمتلك وعياً بزواله يفوق وعي صانعه.

وتأتي مرارة العمر كلها في جملته المدمرة:

"نفختها على أملِ أنْ نتناصَفَ... فلم نَفعلْ"

لا إدانة هنا للأب، بل نعي شفيف لفشل مشترك؛ فـ "فلم نَفعلْ" تحمل مرارة العمر كله، وهو بإقراره الضمني بـ "نحن" يُنجز نضجاً إنسانياً نادراً.

النارُ كاشفةً والغناءُ نشيداً

"النار أرحم يا أبي النجار"

لا تبدو النار هنا قوة تدمير فحسب، بل قوة كشف أيضاً. كل ما هو زائف يذوب أمامها، وكل قناع يسقط في وهجها. تصبح النار لحظة الصدق الأخيرة التي تعري جوهر الأشياء.

"سأُغني وأنا أشتِعلُ... أغني لِدِفئي المزعومِ"

يبلغ الغناء هنا درجة الموقف الإنساني الكامل. الكائن الذي فقد أجزاءه لا يختار الصراخ، بل يختار أن يحول ألمه إلى نشيد. إنها لحظة انتصار الروح على الخراب.

"دفئي المزعومِ"

كلمة ساخرة ومؤلمة: الدفء الذي ظلّ يبحث عنه طوال حياته لم يكن سوى وهمٍ راوده.

نقدُ الإنسانِ

اللافت أن الشاعر يتجاوز الخطاب الرومانسي، ليضع الإنسان الحقيقي في مواجهة الخشب. يسرد قائمة من خيانات الإنسان:

"من تابوا من محبتِهم لِيُحيوا إثمكَ، من لاذوا للجلادِ..."

يضع النص الإنسان في مواجهة ضعفه وهشاشته الجوهرية، بينما تبدو الدمية الخشبية أكثر وفاءً لجوهرها من الإنسان الذي صنعها، أو هكذا خُيّل إليّ.

الإنسانُ الخشبيُّ في داخلنا

يخيّل إليّ أن طه الزرباطي لم يكن يكتب عن بينوكيو وحده، بل كان يكتبنا نحن. الخشب هشاشتنا، والمسامير ذاكرتنا المثقلة، والنار رمز للحقيقة التي نؤجل مواجهتها. وحين يختار هذا الكائن أن يغني لـ "دِفئِه المزعوم" وهو يشتعل، فهو يترك لنا وصية جارحة: الألم الصادق أرحم من حياة زائفة.

يغادرنا بينوكيو في هذا النص، لا كدمية مكسورة من حكاية قديمة، بل كمرآة نقف أمامها؛ فلا نرى خشباً، بل نرى شيئاً من أرواحنا التي تحاول عبثاً أن تجمع بقاياها، وتمضي في طريقها رغم أنين المفاصل واحتراق الحلم.

وكأن الطريق الذي بدأ بـ "تعثرتُ ببقاياي" لا ينتهي إلا حين يكتشف القارئ أن تلك البقايا ليست بقايا بينوكيو وحده، بل بقايا الإنسان في كل زمان.

النص

الولدُ الخشبيُّ بينوكيو

في طريقي إليكَ ؛

تعثرْتُ بِبَقاياي ،

بأشلائي بما تبقى منِّي ،

بما لا أملكُ من أُمنياتٍ ،

في التقدمِ إليكَ ؛

أو الرجوعِ إلي ،

أو البقاءِ فيَّ ...

لَملمتُ ما تبقى مِنِّي ،

لَصَقتُ أجزائي بِحرصي على البقاء ،

ولو خشبيَّاً تئنُّ مفاصلي ...

كُلُّ مساميرِ الدنيا تمضي في جسدي ،

ولا تجمعُ أجزاءَ الرجُلِ الخشبي ،

بأناةٍ تمسحُ آثارَ النارِ ؛

التي شَبِعَتْ من خشبي ،

من أغصانِ انتظاري ...

كنتُ حُلُمَ رجلٍ محرومٍ ؛

يتمنى ولدا فكنتُ بينوكيو ...

في طريقي إليك تعثرتُ بي ،

بوجع القادمين عبر الوحلِ ،

بقلقِ مَنْ أضاعوهم ،

من ضحوا بأضاحي قلوبهم ،

فرموا نبضهم في الفلاةِ ،

ليستدِلوا على الدربِ ...

لو عادوا ...

وما عادوا ...

منْ تَعَروا مِنهُم لِيَتسَتروا بِكَ ،

وما فعلوا ..

من تابوا من محبتِهم لِيُحيوا إثمكَ ؛

إثمكَ المسموحَ ،

من لاذوا للجلادِ لِينقذوا جلودَهُم ؛

خوفاً من خوفهم عليكَ ،

من توكلوا عليكَ ؛

لِيتوسلوا بِكَ خلاصا ...

مع أنَّ النارَ تَلْتَهِمني ،

مع أنين مفاصلي ،

مع أنفي التي تتمددُ كُلما كذبت ،

مع آلام مفاصلي ،

و لسعاتِ المساميرِ في جسدي ،

أشكرُ الأشجارَ التي منحتني جسداً مؤقتاً ،

بعضاً من جسدِها ،

عشتُ أشجاراً ..

أشكرُ روحَك يا أبي النجارُ ،

نفختها على أملِ أنْ نتناصَفَ ...

فلم نَفعلْ ...

أنا الرجلُ بينوكيو ،

بقاياهُ من الرمادِ ،

بين الحطبِ المتروكِ للشتاءِ ؛

هربتُ من النارِ اليكم ...

النارُ أرحمُ يا أبي النجارُ ...

سأُغني وأنا أشتِعلُ ...

أغني لِدِفئي المزعومِ ...

ليديكَ وهي تحتمي،

لحلمك الصغير أيها الانسانُ...

• بينوكيو رواية إيطالية ١٨٨٣

أو ربما أو قص شعبيٌّ،

هي لمحةٌ انسانية وهذا يكفي لرجل

محرومٍ أرادَ أبنا فلم ينجح توسلُهُ

فأبدعَ من الخشبِ ابنا، ومُنح للخيال

خيالا، حتى أنَّ بينوكيو زارني اليوم

فكان هذا النصُّ...

 

المشـاهدات 470   تاريخ الإضافـة 18/07/2026   رقم المحتوى 72281
أضف تقييـم