الثلاثاء 2026/7/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 35.48 مئويـة
نيوز بار
((مصطفى جمال الدين)) شاعر وفقيه وعالم ... يعيش قصائده قبل أن يكتبها
((مصطفى جمال الدين)) شاعر وفقيه وعالم ... يعيش قصائده قبل أن يكتبها
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

د.رحيم هادي الشمخي

اكاديمي وكاتب عراقي

 

ولد الدكتور الشاعر مصطفى جمال الدين عام 1927م في قرية المؤمنين , بقضاء سوق الشيوخ في محافظة (ذي قار) بالعراق, انتقل قبل أن يبلغ العشرين من عمره إلى مدينة النجف الأشرف , ودرس فيها العلوم الدينية والتقليدية , ثم دخل كلية الفقه وتخرج منها عام 1962م بكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية , حصل على الماجستير في موضوع (الشريعة الإسلامية) ببحث (القياس حقيقته وحجيته) عام 1973م ثم الدكتوراه في اللغة العربية في موضوع (البحث النحوي عند الأصوليين) بدرجة امتياز وعمل أستاذاً في جامعة بغداد وكلية الفقه , واختير عميد للرابطة الأدبية في النجف الأشرف ورئيس تحرير لمجلة الرابطة ومجلة كلية الفقه .النجف الأشرف مركز جذب للثقافة والأدب العربي

- ترعرع شاعرنا مصطفى جمال الدين في مدينة النجف الأشرف , وكما يعلم الجميع من رواد الأدب العربي أن هذه المدينة العراقية هي الحاضنة النموذجية للتعدد والتنوع فهي مدينة وافدين أكثر من كونها مدينة مقيمين وهو ما جعلها مختبراً واسعاً لأطياف وأجناس إنسانية متنوعة مما جعلها مركزاً ثقافياً مفتوحاً على أكثر من صعيد  فقد ظلت النجف الأشرف رغم طابعها الإسلامي الديني مركز جذب مهم للثقافة العربية والإسلامية في تحولاتها المختلفة , كانت المجلات والمطبوعات المعاصرة التي تصدر في بلاد الشام ومصر تستهوي القراء من جيل الشاعر وتمثل نكهة مختلفة عن أجواء الفقه والتفسير وعلم الكلام والحديث وسائر علوم الدين واللغة , كما صدرت في النجف الأشرف صحف ومجلات ليست على الشكل المتحفظ الذي يعيشه مجتمعنا كمجلة النجف التي صدرت في العشرينات , ولهذا كان شاعرنا مصطفى جمال الدين ظاهرة عراقية عربية (نجفية) , فقد تأثر كثيراً بالشاعر (محمد سعيد الحيوبي) وإن توقف هذا الرجل الأخير فترك الشعر وأخذ الفقه بينما يجب أن يأخذ الشعر لشاعريته وكونه شاعر ينتمي إلى عصر الموشح الأندلسي وهو القائل:

جَـنَ تيهاً لا يبالين الحرس

                            كل غيداء كمشبوب القبس

قـال رائيها وقد فر الغلس

                            أعلـى الأبـرق برقُ لمعا

أم بدت سافرةً ذات الوشـاح

                            ما أماطـت عن محياً برقعا

في الدجى إلا وخيط الـصبح لاح

فا لجواهري ترك العمامة وترك الفقه , واتخذ الشعر , أما الشاعر مصطفى جمال الدين فقد جمع الاثنين , فلهذا يقول هذه صحائف شاعر يقدس الشعر ويقدس الشرع , أي أنه لا يترك الشعر ولا يترك العمامة , والواقع أنه أوجد نوع من التفاهم بين العمامة والشعر , فكانت عمامته شاعرة وبقى الرجل فقيهاً وعالماً مجدداً , ومن جميل غزله.

سـيـدتي مـاذا أرى           .  عـريش كرمٍ أم مُقـل                 .                        

ام زورقـان سـابحان        . في غـدير من عسـل            .

طـافا بنـا فصـفـق                       . الحـب وعربد الـغزل                 .                         

ام جـمرتان تسـرجان           . الليـل والـبـدر أفـل                                                 

دوره في الإصلاح والتجديد

إن شاعرنا مصطفى جمال الدين كان يمثل جيلاً مختلفاً عما عرفته الحوزة العلمية في النجف الأشرف عبر تاريخها المديد , لقد راح هذا الجيل تحت تأثير دعوات الإصلاح والتجديد التي قالها الشيخ (محمد رضا المظفر) ينادي بضرورة النظر إلى الثقافة نظرة أخرى جديدة, نظرة لا تقوم على اجترار تلك الأسس بالمناهج والتفكير المعتاد في مراحل دراسة  في الحوزة , فثقافة رجل الدين لم تكن محدودة في نطاق الفقه والتفسير وعلم الكلام والعلوم اللغوية , يقول شاعرنا مصطفى جمال الدين .

[كنت أحسن بعمق الاهتزازات التي تستنبطه مفردات الجامعة الدينية في النجف وجمودها وعدم أخذها بأسباب التطور المطلوب بما تقتضيه ظروف العصرنة الذي نعيشها] , كما تحدت المفكر حسن العلوي عن جهود السيد مصطفى جمال الدين في التجديد : [كان أحد رافعي لواء تجديد المناهج في الحوزة العلمية وطالب حتى بإدخال اللغة الانكليزية والفرنسية والإسبانية, ودراسة العلوم الطبيعية ونجح بالتظافر بين جهود الشيخ (محمد رضا المظفر) , و (محمد مهدي شمس الدين) و (محمد تقي الحكيم) بتأسيس كلية الفقه في النجف الأشرف وكلية أصول الدين في بغداد , مصطفى جمال الدين كما يقول العلوي (فقيه وأكاديمي وشاعر)].

يقول مصطفى جمال الدين [شددت أن أبقى شاعراً لا منتمياً , أقف مع الجميع وأختلف مع الجميع في حدود تسمح لي بالاحتفاظ بما يمليه علي وجداني الشعري من جهة والتزامي السياسي والفكري من جهة أخرى , نشأت شاعراً عروبياً أؤمن بها والعروبة برأي هي الأصل]   

   لا طائفية ترمي المسلمين بها                   تطاير من أظفارها الشرر

شاعر الصورة والخيال

تحدث مصطفى جمال الدين عن فقه الأديان كونه مدخل لكل فقه , وتحدث عن مطارحاته الشعرية و أخوانياته وغزلياته التي عرف بها ,وله ببعد ذلك آراءه المعلنة الخاصة في مجالات الثقافة والسياسة , لغته  المحببة لطلبته جعلته محط أنظارهم , فالدرس لديه فسحه من حرية يطل فيها ليمزج الشعر بالنكتة , بالحكاية , بالخاطرة على الحياة المتمثلة بالشواهد لإبطال ,إذ لا يخلو حديث له من ذكر لبطل شاهد بتضحيته على عصره , و لا يخلو كتاب له أو مقالة من المقارنة بين شخصيات نضالية بتضحيته من أزمنة مختلفة , وكان معجباً بالشريف الرضي , ذلك الشاعر الذي عرف العصر العباسي بكل ما فيه من تقدم وتأخر , كما يمكننا أن نقول ( جمال الدين ) شاعر من هذا الزمان ,شعره يمتلك الحداثة بالثوب القديم , فهو بالإضافة إلى قوة الديباجة والصور كان حديث معاشه ومتداوله وخاصة في قصيدته المشهورة ( بغداد ) التي ألقاها في مهرجان المربد عام 1968.

بغداد ما اشتبكت عليك الأعصرُ         .

مرت بك الدنيا وصبحك مشمسٌ         .

بغداد بالسحر المندى بالشذى الفواح      .               إلا ذوت و وريق عمرك أخضر       .

و دجت عليك , ووجه ليلك مقمرُ         .

مــن حُلل النسـائم يقطـرُ               .

أهم مؤلفاته

من مؤلفاته ( القياس حقيقته وحجيته ) وهو من المواضيع التي شغلت بال المفكرين والفلاسفة وله في كل مذهب طريقة , وقد أعتمد الفلاسفة العرب القياس بعدما نقلو محتواه من الفلسفة اليونانية ودرسوه في ضوء الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية, وله كتاب ( الانتفاع بالعين المرهونة ) , وهو بحث فقهي صدر عام 1976 وكتاب أخر ( الاستحسان حجيته ومعناه ) صدر عام 1975 وله ( البحث النحوي عند الأصوليين ), و ( في النقد الشعري ) و ( الإيقاع في الشعر العربي )  وهو كتاب يكمل وأن جاء متأخراً ما كتبته ( نازك الملائكة ) عن جذور الحداثة الشعرية العربية والكيفية التي حولت القصيدة العمودية إلى قصيدة التفعيل و صدر له كتاب ( التدوير في القصيدة المعاصرة ) و ( عيناك واللحن القديم ) وله مجموعتان شعريتان ومسرحية شعرية بعنوان ( غائم وشمخي ) أسمان شعبيان وديوان ( أوتار الحب ) يقول فيه .

عودي فقد ضيعت بعدك ذاتي

                                   ونسيت كيف أذوق طعم حياتي

وعرفت كيف ينسيه في وهج الضحى

                                    طرفٌ لفقدك زائغ النظـرات

يا وهج أشعاري وزهو خواطري

                                   وخمار أوجاعي , وبُرء شكائي

انتقل شاعرنا مصطفى جمال الدين إلى سورية عام 1984 وسكن مدينة دمشق فالتف حوله الكثير من الأدباء والشعراء في سورية , وتوفي عام 1996 ودفن في السيدة زينب ومن قصائده قصيدة يتغنى ببردى والفرات والنخل الجميل .

وتنفست رئتاي تزعمُ أنـها

                         سمعت رفيِق شذاكِ في الفسحاتِ

لا كأس تطفي جانحَي وفي فمي

                            عطش لوجهكِ لافـح الجـمرات

بردى يلقُ فأجـتويه لأنـني

                            ضيعتُ في عينـيك عذبُ فـرات

وأعافُ ظل الغوطتين لعـلني

                           أتقـيأ الهفـهاف مـن سـعـفان

المشـاهدات 22   تاريخ الإضافـة 19/07/2026   رقم المحتوى 72399
أضف تقييـم