الثلاثاء 2026/7/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 42.68 مئويـة
نيوز بار
العشيرة بين الدور الاجتماعي والتوظيف السياسي
العشيرة بين الدور الاجتماعي والتوظيف السياسي
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب عبدالله خالد الفلاحي
النـص :

في كل مرة تهتز فيها هيبة الدولة، أو تتعثر مؤسساتها عن أداء وظيفتها، يعود اسم "العشيرة" إلى الواجهة، لا بوصفها بنية اجتماعية موروثة فحسب، بل بوصفها لاعباً يُستدعى، ويُستثمر، وأحياناً يُصنع من جديد على مقاس اللحظة السياسية. وهذا التكرار التاريخي لعلاقة العشيرة بالسلطة يطرح سؤالاً لا يزال ملحاً حتى اليوم: هل العشيرة حاضنة اجتماعية أصيلة تقدّم خدمة للمجتمع، أم أنها تحوّلت، عبر محطات متعاقبة، إلى أداة توظَّف كلما احتاجت السلطة غطاءً شعبياً لا تستطيع مؤسسات الدولة توفيره؟قبل أن تدخل العشيرة أروقة السياسة، كانت تؤدي وظيفة اجتماعية لا يُستهان بها. فالفصل العشائري كان، ولا يزال في مناطق واسعة، بديلاً عملياً عن التقاضي الرسمي في فض النزاعات، وشبكة العشيرة كانت تمثل ضمانة تكافل اجتماعي واقتصادي بين أبنائها في زمن غابت فيه شبكات الحماية الحديثة. هذه الوظيفة لم تكن، في أصلها، مشروعاً سياسياً بقدر ما كانت نظاماً اجتماعياً موازياً، نشأ لملء فراغ تركته دولة لم تكتمل بعد بنيتها المؤسسية.غير أن هذا الدور الأصيل لم يبقَ بمنأى عن أطماع السلطة. فحين احتلت القوات البريطانية العراق، أدركت الإدارة الاستعمارية أن حكم بلد بهذا التنوع الاجتماعي يستوجب حليفاً محلياً يمنحها الشرعية والاستقرار. وفي تقرير مشهور رفعته المس بيل إلى لندن عام 1923، أوصت بأن "أصلح طبقة لحكم العراق هم شيوخ العشائر"، فأُشركوا في المجالس النيابية المتعاقبة بعدد تجاوز ثلث أعضائها، ومُنحوا الأراضي والامتيازات، وتحولوا إلى طبقة من الوجاهة والنفوذ استُخدمت لضرب حركات المعارضة الناشئة في المدن. لم يكن هذا القرار وليد إعجاب بالتقاليد العشائرية، بل حساباً استعمارياً بارداً: فمن الأسهل السيطرة على مجتمع عبر شيوخه من السيطرة عليه عبر مؤسساته.هذا النمط، أي استدعاء العشيرة كلما ضعفت الدولة أو احتاجت شرعية إضافية، لم يكن حكراً على مرحلة بعينها، بل تكرر بصيغ مختلفة عبر عقود لاحقة من تاريخ العراق الحديث، إذ عادت السلطة، في أكثر من محطة، إلى الاستعانة بالبنية العشائرية كلما تعثرت أدواتها الرسمية في فرض الأمن أو تثبيت النفوذ، وهي محطات تحمل، وإن لم نفصّلها هنا، صدى واضحاً لما جرى في العشرينيات. والملاحظ أن هذا التوظيف لم يقتصر على السلطة المركزية وحدها، بل امتد، في سياقات أخرى من التاريخ العربي، ليشمل الأنظمة السياسية التي وجدت في الولاء العشائري بديلاً أكثر ثباتاً من الولاء الحزبي أو الأيديولوجي، خصوصاً في الأزمنة التي تراجعت فيها ثقة الجمهور بالمؤسسات الرسمية. فالعشيرة، بخلاف الحزب، لا تحتاج إلى برنامج سياسي يُقنع الناس، بل تكتفي بشبكة النسب والقرابة التي تضمن ولاءً شبه تلقائي.ومع ذلك، فإن قراءة هذه العلاقة التاريخية تكشف أنها لم تكن يوماً علاقة تبعية من طرف واحد. فالعشيرة، حين استُدعيت، لم تكن كياناً سلبياً يُستخدم فحسب، بل طرفاً تفاوضياً يحصل، مقابل ولائه، على مكاسب سياسية واقتصادية ووجاهة اجتماعية ما كان لها أن تتحقق في ظل دولة مؤسسية قوية. وهذا التبادل المصلحي، وإن بدا متوازناً في ظاهره، ترك أثراً أعمق في بنية المجتمع: تراجع مبدأ المواطنة المتساوية أمام القانون لصالح منطق الولاء العصبي، وتحوّل الانتماء العشائري من رابطة اجتماعية طوعية إلى ما يشبه شرطاً غير معلن للوصول إلى النفوذ والموارد.إن استحضار هذه الشواهد التاريخية لا يهدف إلى إدانة العشيرة بوصفها كياناً اجتماعياً، فهي، في جوهرها، امتداد طبيعي لحاجة الإنسان إلى الانتماء والحماية في غياب بديل مؤسسي كافٍ. لكن الخطورة تكمن حين تُختزل هذه البنية الاجتماعية العريقة في وظيفة واحدة: أن تكون أداة احتياط تلجأ إليها السلطة كلما ضاقت بها السبل، ثم تُستبعد أو تُهمَّش حين تنتفي الحاجة إليها، كما حدث أكثر من مرة عبر التاريخ العراقي الحديث.والدرس الذي تقدمه هذه المحطات المتعاقبة أن الفارق الحقيقي بين "الدور الاجتماعي" و"التوظيف السياسي" لا يكمن في وجود العشيرة من عدمه، بل في مدى قدرة الدولة على بناء مؤسسات راسخة تُغني المجتمع عن العودة إليها كل مرة تهتز فيها الشرعية أو يغيب فيها الأمن. فحين تقوى الدولة بمؤسساتها، تعود العشيرة إلى موقعها الطبيعي كحاضنة اجتماعية لا أكثر؛ وحين تضعف، تتمدد العشيرة لتملأ الفراغ الذي تركته — وهو تحدٍّ لا يزال ماثلاً أمام كثير من المجتمعات التي لم تُكمل بعد بناء دولتها الحديثة.

 

المشـاهدات 110   تاريخ الإضافـة 19/07/2026   رقم المحتوى 72417
أضف تقييـم