إلى أين نحن ذاهبون؟![]() |
| إلى أين نحن ذاهبون؟ |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب كتب رياض الفرطوسي |
| النـص :
الورقة التي بدأت عليها فكرة محاضرة قديمة، كانت تحمل أسئلة تبدو اليوم غريبة ومستفزة: أين نحن الآن؟ كيف وصلنا إلى هنا؟ إلى أين نذهب؟ وإلى أين يجب أن نذهب؟ الحقيقة أن الذاكرة لم تعد تسعفني لأتذكر إن كنت قد أجبت عنها وقتها إجابات حصيفة أم مغلوطة، لكن المقلق حقاً أنها ذات الأسئلة التي يطرحها الشارع العراقي اليوم، وبذات القسوة والعنف، وكأن ربع قرن من الخضات والحروب والتغيير لم يكن كافياً لإنتاج إجابة واحدة شافية.
في بلد مثل العراق، يولد السؤال كالفضيحة، ويموت بالنسيان. النسيان هنا ليس خياراً نأخذه بكامل وعينا، بل هو حيلة دفاعية نلجأ إليها هرباً من ثقل ما جرى. نحن لا ننسى لأننا نريد ذلك، بل لأننا نختار أحياناً أن نتجاهل، أن نتجاوز، أو حتى أن نحتقر تلك التفاصيل التي مزقتنا لكي نتمكن من العيش فقط. أقصى درجات هذا النسيان وأكثرها غرابة، هي أن تقف أمام نصب تذكاري، أو تمر بشارع شهد انفجاراً دموياً، أو تقابل شخصاً كان جزءاً من مأساة قديمة، فتتذكره وتعرفه تماماً، لكنك لا تشعر بأي شيء. هذا البرود المشاعري هو النسيان الحقيقي؛ إنه ليس محواً للمعلومة، بل هو تخلٍ كامل عن العاطفة التي تربطنا بها.
هذا النوع من المحو يذكرنا بما تقوله الروائية الكبيرة رضوى عاشور في ثلاثيتها الشهيرة: "الذاكرة لا تقتصر على الاحتفاظ بالماضي، بل هي التي تصنع المستقبل"، والخطورة تكمن تماماً في تدمير هذا الصنيع. عندما يُمارس المجتمع النسيان بوصفه نجاة، فإنه يبتر ذاكرة أبنائه دون أن يشعر. يصبح التاريخ لدى الأجيال الجديدة مجرد "قصص قديمة" مملة، ويفقد الحاضر سياقه، فيجد الشاب العراقي نفسه يعيش في واقع مشوه دون أن يملك الأدوات التي تفسر له كيف تشوه. إنه شبيه تماماً بـ "ذاكرة السمكة" التي جسدها غابرييل غارسيا ماركيز في رائعته (مئة عام من العزلة)، حين أصاب وباء النسيان أهل قرية "ماكوندو"، فبدأوا ينسون أسماء الأشياء ووظائفها، واضطروا لكتابة لافتات على كل شيء ليقولوا: "هذا هو البقر، ويجب حلبه كل صباح للحصول على الحليب"، تماماً كما نخشى اليوم أن نضطر لكتابة لافتات للأجيال الجديدة لنشرح لهم بديهيات مآسينا.
إذا كان أفلاطون قد بدأ كتابه عن القوانين بالسؤال عما إذا كانت التشريعات تأتي من الآلهة أم من البشر، فإن المفكر العربي ابن خلدون يعيدنا إلى الأرض ليؤكد أن حركة التاريخ ليست عبثية، بل محكومة بقوانين ووعي جماعي. وفي محيط إقليمي ملتهب، من غزة إلى الخليج والبحر الأحمر، حيث تتساقط ثمار القتل بانتظام، يسأل العراقي اليوم بمرارة في المقهى وعلى رصيف الشارع عن أصل الفوضى. يجد العراق نفسه دائماً في عين العاصفة، متأثراً ومؤثراً، لكنه يبدو كمن فقد البوصلة لأنه فقد الذاكرة.
وكما حذر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في نقده للتاريخ، فإن النسيان قد يكون ضرورياً أحياناً للجرأة على الحياة، لكنه إذا تحول إلى حالة قطيعة تامة مع الماضي، تحول الإنسان إلى كائن بلا جذور، تذروه الرياح السياسية كيفما تشاء.
الخوف الحقيقي اليوم ليس من صعوبة الإجابة عن سؤال "إلى أين نحن ذاهبون؟"، بل من أن يصحو الجيل الجديد ليجد نفسه بلا أسئلة أصلاً، مستسلماً للبلادة المشاعرية التي وصفها عالم الاجتماع الفرنسي زيجمونت باومان في أطروحته عن (الحداثة السائلة)، حيث تذوب الروابط والذاكرة وتتحول الهويات إلى أشياء مؤقتة وقابلة للاستهلاك. الصفح فعل إرادة وشجاعة لا يملكها إلا الأقوياء، أما النسيان السلبي فهو تراجع وهروب. ولكي لا نترك للأجيال القادمة ذاكرة مستعملة ومقصوصة الأطراف، علينا أن نكف عن التجاوز والإهمال. يجب أن نملك الشجاعة لنحكي القصة كاملة، ليس من أجل البكاء على ما مضى، بل لأن المجتمع الذي يقف أمام ماضيه دون أن يشعر بشيء، هو مجتمع يسهل اقتياده نحو أي مستقبل يرسمه الآخرون. |
| المشـاهدات 23 تاريخ الإضافـة 21/07/2026 رقم المحتوى 72493 |
أخبار مشـابهة![]() |
العراق أبرز مستوردي التبغ التركي مع نمو الصادرات إلى 489 مليون دولار |
![]() |
زراعة الديوانية تكشف عن ظهور انواع دخيلة على الاسماك بانهر وجداول المحافظة
من دجلة إلى الأهوار.. مرصد العراق الأخضر يحذر من توسع انتشار السلور الأفريقي في العراق
|
![]() |
نواب : ندعم اجراءات الحكومة في مكافحة الفساد وتعزيز السيادة الوطنية والانفتاح على المجتمع الدولي
الإطار التنسيقي يعرب عن دعمه لنتائج زيارة رئيس الوزراء الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية
|
![]() |
النزاهة تدعو إلى تشكيل تحالف لاسترداد الأموال وملاحقة الفاسدين |
![]() |
عمل صادر عن منشورات رامينا في لندن يحوّل مأساة القرى الكردية المدمّرة إلى خطاب مسرحي عن العدالة والذاكرة ومقاومة النسيان
تحت شجرة التين.. مسرحية جديدة لهوشنك وزيري تستنطق ذاكرة الأنفال
|
توقيـت بغداد









