الأربعاء 2026/7/29 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 34.31 مئويـة
نيوز بار
هندسة الوعي وصناعة القناعات ..آليات التلاعب النفسي في المجتمع المعاصر
هندسة الوعي وصناعة القناعات ..آليات التلاعب النفسي في المجتمع المعاصر
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب حسام عبد عودة المكصوصي
النـص :

باحث عراقي

 

في عالم متصل بشبكة معلوماتية هائلة لم تعد الحروب والصراعات تقتصر على القوة العسكرية أو الاقتصادية البحتة بل انتقلت إلى الساحة الأكثر تأثيراً وعمقاً العقل البشري والوجدان الجمعي أصبح التلاعب النفسي اليوم منظومة علمية ممنهجة ومؤسسية تستخدم أحدث ما توصلت إليه علوم النفس والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتوجيه سلوكيات الأفراد والجماعات دون وعي منهم..حيث لم تعد أساليب التأثير تعتمد على الإكراه المباشر بل تحولت الى التوجيه الناعم الذي يصيغ القناعات ويصنع الاتجاهات ويوجه الرأي العام نحو أهداف محددة بعناية مما يجعل فهم هذه الآليات ضرورة حتمية للوعي الفردي والمجتمعي.تعتمد منظومة التلاعب النفسي الحديثة على استغلال الثغرات المعرفية والعاطفية للدماغ البشري مدمجة مع الخوارزميات الرقمية المتقدمة عبر المحاور ومنها هندسة الانتباه واقتصاد الأزمات المعرفية حيث  تتنافس المنصات والجهات المؤثرة على أثمن وأندر مورد بشري اليوم وهو الانتباه  يتم استدراج الوعي عبر إغراق الفضاء العام بكميات هائلة من المعلومات المضللة أو المشحونة عاطفياً مما يضع العقل البشري في حالة من الإرهاق المعرفي عندما ينهك العقل  تتراجع القدرة على التفكير النقدي والتحليل المنطقي، ويلجأ الأفراد إلى الاختصارات الذهنية وقبول الرسائل الجاهزة والمبسطة دون تمحيص وكذلك التلاعب العاطفي عبر الاستقطاب الحاد فمن خلال الدراسات السلوكية أثبتت أن المشاعر السلبية مثل الخوف  والغضب  والاشمئزاز تنتشر على الإنترنت وتتفاعل معها الخوارزميات بسرعة تزيد أضعافاً مضاعفة عن المشاعر الإيجابية  تعمل الجهات المتلاعبة على صناعة  أزمات وهمية  أو تضخيم أحداث عادية لتأجيج حالة من الذعر أو السخط المستمر  هذا الاستقطاب يقسم المجتمع إلى معسكرين متضادين (نحن في مواجهة الآخر)  مما يلغي المساحة الوسطى للحوار العقلاني ويدفع الأفراد للتماهي الأعمى مع المجموعات التي ينتمون إليها بالإضافة الى التخصيص الخوارزمي واستهداف التحيزات المعرفية من خلال خوارزميات التتبع والتحليل النفسي الدقيق  لا يتم بث الرسائل المتلاعبة بشكل عشوائي بل تصمم خصيصاً لتناسب الملف النفسي لكل مستخدم. يستغل في ذلك تحيز التأكيد حيث يُحاصر الفرد بمحتوى يوافق قناعاته السابقة ويزداد ترسيخاً لها  مما يخلق فقاعات إلكترونية مغلقة تعزل الأفراد عن أي حقائق موضوعية تتعارض مع الرواية الموجهة لهم و تطبيع الأفكار عبر التكرار والتدرج تعتمد صناعة القناعات على تغيير المرفوضات المجتمعية وتحويلها تدريجياً إلى أمور مقبولة أو عادية  تبدأ العملية بطرح الأفكار الشاذة أو الخطرة في نطاق النقاش الأكاديمي أو الهامشي  ثم تكرر عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حتى تتطبيع في الوعي الجمعي  ليتحول ما كان يعتبر سابقاً خطاً أحمر إلى سلوك أو فكرة عادية اما الاثار المجتمعية للتلاعب النفسي هذه الممارسات تترك أثاراً عميقة ومدمرة على نسيج المجتمعات المعاصرة ومنها تأكل الثقة المؤسسية فمن خلال زعزعة الثقة بالمنظمات  والإعلام التقليدي  والرموز المجتمعية  مما يخلق حالة من العدمية وفقدان اليقين المرجعي  وكذلك تصدع التماسك الاجتماعي  بتحويل الخلافات في وجهات النظر إلى صراعات وجودية وكراهية متبادلة بين مكونات المجتمع الواحد بالإضافة الى توجيه السلوك الاستهلاكي والسياسي  بتحويل المواطنين إلى كتل تصويتية أو استهلاكية تنقاد وراء إشارات رقمية مدروسة  مما يفرغ الديمقراطيات والمشاركات الفعالة من مضمونها الحقيقي .

 

المعالجات  نحو مناعة نفسية ومجتمعية

 

إن مواجهة آليات التلاعب النفسي في المجتمع المعاصر لا تتطلب مقاطعة التقنية  بل تتطلب وعياً نقدياً استباقياً  تبدأ المناعة النفسية بترسيخ التفكير النقدي  والتشكيك في المعلومات المشحونة عاطفياً قبل إعادة نشرها  وفهم كيفية عمل الخوارزميات التي تستهدف عقولنا  إن حماية الوعي الجمعي وتدعيم الحصانة النفسية للأفراد هي خط الدفاع الأول والأخير ضد محاولات هندسة العقول والسيطرة على مقدرات المجتمعات.

 

الفساد في العراق… معركة شرعية الدولة وثقة المواطن.

محمد حسن الساعدي

 

يُعدّ الفساد في العراق ظاهرة مركبة ومعقدة، تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ عقود، حتى باتت واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع فبعد عام 2003 ومع انهيار مؤسسات الدولة المركزية، وجد العراق نفسه أمام فراغ إداري وأمني فتح الباب واسعاً أمام شبكات الفساد لتتمدد داخل أجهزة الحكم، مستفيدة من ضعف الرقابة وتعدد مراكز القوى، وبالتالي فأن هذا الواقع جعل الفساد ليس مجرد سلوك فردي أو حالات معزولة، بل منظومة متكاملة لها أدواتها وأذرعها داخل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.الفساد في العراق يتجلى في صور متعددة، من الرشوة والمحسوبية إلى نهب المال العام وتزوير العقود الحكومية، وصولاً إلى التلاعب في المشاريع الاستثمارية الكبرى،وقد ساهمت المحاصصة السياسية في تكريس هذه الظاهرة، إذ تحولت الوزارات والهيئات إلى حصص للأحزاب، تُدار وفق الولاءات الحزبية والطائفية أكثر مما تُدار وفق معايير الكفاءة والنزاهة، مما جعل هذا النظام من مكافحة الفساد مهمة شبه مستحيلة، لأن من يفترض بهم محاربته هم في كثير من الأحيان جزء من بنيته.انعكاسات الفساد على المجتمع العراقي خطيرة للغاية، فهو يضعف ثقة المواطن بالدولة ويجعل مؤسساتها عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية، بالإضافة الى أنه يعرقل التنمية الاقتصادية، إذ تُهدر مليارات الدولارات في مشاريع وهمية أو عقود غير شفافة، بينما يبقى المواطن يعاني من نقص الكهرباء والمياه والبنى التحتية، بالاضافة الى أن تفشي الفساد يعزز الفوارق الاجتماعية، حيث تتكدس الثروات في أيدي قلة مرتبطة بمراكز النفوذ، فيما تتسع دائرة الفقر والبطالة بين عامة الناس.من الناحية السياسية، يُعتبر الفساد أحد أبرز أسباب هشاشة النظام الديمقراطي في العراق فحين تُشترى الأصوات وتُزوّر الانتخابات أو تُستغل الموارد العامة في الحملات السياسية، يصبح التداول السلمي للسلطة مجرد واجهة شكلية تخفي وراءها صفقات ومساومات، ما يجعل هذا الواقع يضعف شرعية المؤسسات المنتخبة ويزيد من حالة الإحباط الشعبي، وهو ما يفسر موجات الاحتجاجات المتكررة التي يشهدها العراق منذ سنوات، حيث يرفع المتظاهرون شعار مكافحة الفساد كأحد المطالب المركزية.المجتمع الدولي بدوره لم يغفل هذه الظاهرة، فقد أدرج العراق في مراتب متقدمة ضمن مؤشرات الفساد العالمية، وهو ما انعكس سلباً على صورته أمام المستثمرين والشركات الأجنبية، لان غياب الشفافية وسيادة الفساد يجعلان البيئة الاستثمارية طاردة، ويحدّان من فرص العراق في استقطاب رؤوس الأموال التي يحتاجها لإعادة بناء اقتصاده كما أن استمرار الفساد يضعف قدرة الدولة على الاستفادة من مواردها الطبيعية، وعلى رأسها النفط، الذي يُفترض أن يكون رافعة للتنمية لا مصدراً للنهب.رغم كل هذه التحديات، فإن مكافحة الفساد في العراق ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحات جذرية ومن أبرز هذه الإصلاحات تعزيز استقلالية القضاء وتفعيل دور الهيئات الرقابية، إلى جانب إعادة هيكلة النظام الإداري بما يقلل من فرص المحسوبية والرشوة كما أن إشراك المجتمع المدني والإعلام في فضح قضايا الفساد يمثل عاملاً مهماً في خلق ضغط شعبي مستمر على الطبقة السياسية ولا يمكن إغفال دور التربية والتعليم في بناء ثقافة جديدة ترفض الفساد وتؤمن بقيم النزاهة والشفافية.يبقى الفساد في العراق ظاهرة معقدة تتغذى من ضعف الدولة والانقسامات السياسية والاجتماعية، لكنه أيضاً أحد أبرز العقبات أمام بناء عراق مستقر ومزدهر، كما إن مواجهة هذه الظاهرة ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وجودية لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة، حيث لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أو اقتصادي أن ينجح ما لم يُكسر هذا الطوق الذي يفرضه الفساد على مؤسسات الدولة والمجتمع.

المشـاهدات 21   تاريخ الإضافـة 28/07/2026   رقم المحتوى 72619
أضف تقييـم