الأربعاء 2026/7/29 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 35.03 مئويـة
نيوز بار
تلاقي مناخات النصوص في ديوان (قبل أن يستيقظ البحر) ورسوخ الأثر الشعري للمكان والمعنى المفتوح
تلاقي مناخات النصوص في ديوان (قبل أن يستيقظ البحر) ورسوخ الأثر الشعري للمكان والمعنى المفتوح
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

 

فريد عبد الله النمر

مدخل:

ليس الشعر مجرد متعة روحية تخلقها الصدفة وتسقي حقولها الفطرة والموهبة وتصقل ذاتها اللغة، إنما هو مزيج من مناخات متحركة تتلاقح كزهور الحقول التي تزورها الرياح، وكعوالم رحبة وممتدة في الاتساع، ومفاهيم تطفو وترسو، وبيئة تستمد من ذواتها المتشابكة فاعلية النصوص المتداخلة فيما بينها، لتطفو الهوية الضاربة في الجذور كرحلة اسقصاء لصنع الحدث الجمالي واللفظي المشكل لفضاء الرؤية الشعرية الخالصة المعنى والمبنى في ذروتهما المحكمتين.

ومن هنا أجد علينا في قراءة هذا الديوان المتشظي أن نتمسك بهواجس المعترك الوجودي من مناخاته المتعدد التي تشيء بها النصوص بعيداً عن كاريزما الشاعر في محطات أخرى مختلفة عن بيئته النصية خارج هذه المجموعة، ليكون لنا السبر في هذه النصوص المحلقة والمتباينة في لغتها وعناوينها وصخب معناها، من تعدد وجوهها وتمازجها الخلاق، متجردين عن سيرة الشاعر الحافلة بالمنجز الجمالي العريض.

فالشاعر الشاب حسين السياب شاعر هادئ في طباع قصيدة النثر الهائلة ومنغمس في تشكلها، كلما بنى عشاً على شجرة الكائن الشعري كطائرٍ محلق من أعلى حضوة الوعي بالقصيدة، وعبر نهم القارئ المطلع والمتابع لحركة الشعر وما تصدره الساحة الشعرية من قصائد ملحة في عصريتها خلقت لديه ملكة هذه البداهة المتقدة بكل مفاصل تجنيحها المرهف، وهو المتتبع الذكي لكل تفاعلات النصوص المختلفة واستقراء الجمهور الشعري له الذي يستنطق النصوص المتمايزة في نضجها وحسها ولغتها، كعامل فاعل وتوجيه بوصلة الإهتمام لأجودها نصية ولأكثرها ابداعا عبر احساسات شفيفة بعيدة عن الغرائبية الفجة.

لذا أركز هنا، علينا أن نقرأ هذا الديوان بكونه وكيانه بمرحلته الكتابية كلغة مغلفة بمواطن اللذة والدهشة الشعرية التي تشرع في سردية الوطن المائي قديمه وحاضره ومستقبله، كنهر وادع يحاول البوح قبل استيقاظ البحر كمنبه دلالي يقودنا للغته الآسرة والمغايرة التي تخشى ربما الطوفان.

عتبة سيميائية

قبل أن يسيتيقظ البحر، من هذه العتبة النصية المتشحة كعنوان رئيس لهذه المجموعة، نجد أن الشاعر يحيلنا لجملة محذوفة تشيء لما هو لاحق مجازي لشيء يعتمل بخفة مشتعلة قبلها. الاستيقاظ للبحر كوحشٍ كاسرٍ على الحياة، كتمثل لروح السكون النهرية والشعرية الهائلة، ولزرقة التدفق المختلف في تصويرها، أو لشيء معنوي ملتبس يحيلنا للهدءة والاسترخاء العميق للبحر المعنوي قبالة ما يجب غفله قبل اليقظة، لتأتي سيميائية العنوان متوحدة في توزيع الدور النصي لتلاقح وتلاقي جغرافيتها على صفحة البياض المتحررة من الخوف أو الموت أو الهلع أو الحب، أو أي شيء يصيبنا بالنزعة القاتمة لهذا التحرر والإنعتاق. فمن عتبة مخاتلة للبحر يدخلنا الديوان لفضائه الجمالي والإدراكي بجواز الرغبة لهذه الأنا الشاعرة المنعتقة من قبضة البحر وسطوته، ليفتح لنا في نصه الأول قصيدته بحرية الكلمات المطلقة للحب وللوطن وللانسان. وما تحتمله الكلمات من طاقة للعبور والتي تصنع من القليل عمراً طويلاً لزورق على الضفاف، لتشاطره نجاعة اللغة في تحولاتها والتي تشيء بهذا الإنغماس التصالحي في ثالوثه مع الذات والذاكرة والأرض.

فلسفة النص بين الذهنية والشعرية التصويرية:

ترتكز فلسفة اللغة في ذاتها على مدى التفكير البشري الباني للرموز اللغوية التي يستطيع العقل تحويلها وتشكيلها وتداولها في النص الشعري على هيئة رغبة جامحة ومناخات معاشة بين سطوة الحرب والحب قبال الأرض، والذي ينمو كقصيدة تبني روابطها البينية لتعبر كإلياذةٍ سومرية جديدة لتحول الذاكرة في حضور لافت لقاموس مليء بالرموز مثل؛ الآلهة وعشتار وسومر والجنوب والنهر، في مقابل السراب والضياع والموت والوجود والغربة والتي تمثل لرحلة تحاور هذا التقابل كشاهد لغوي مرتبط بنواة الأفكار الملتمعة والمحفزة، ولحضور صيرورة الحس المضيء لها، ويعد هذا التحول الذهني الحسي بناء يتسلل من الرغبة ليبني وجدانه النصي على مفارقة التشكيل والإحالة والتركيب التصويري المتخذ من رمزيته منافذاً رشيقة تستطيع تحويل مبتغاها الحسي لمعنوي يرتقي من الوصف للتعالق الرؤيوي وإلى التشكيل الحسي الحكائي المؤدي لشاعرية الجملة وتأملاتها الكاشفة عن الجذور البعيدة المغذية لقوة اللاوعي الكامنة.

من هنا يعزف الشاعر نصوصه على نافذة تطل على الخارج الكوني دون أن تبوح بكل ما لديها من تفاعل داخلي متصل، متناصاً مع الخارج في عملية أشبه بانضاج القصيدة المعرفية من خلال معادلها الموضوعي الذي يحفر في الذات وتاريخ الأحداث المترامية في تاريخية بين الحب والأرض.

ولأن الشعر يعبر عن كيانه وكينونته المتمثلة في استدراج اللغة المرنة المنسابة، تتمدد هذه الشاعرية من سلطة الفكرة الذهنية الفاقعة للذوبان النصي العميق، لتأخذ في التلاشي لوحة مرسومة بالكلمات الرنانة، وكلما ارتفعت أشرعة التوثب للفعل الشعري وهبّت رياح اللغة انعتقت وانبثقت منها الصور المتلاحقة والمتلاقحة وانبعثت كينونة القصيدة من رمادها لنهريتها الممتعة كسنبلة خالصة.

وكما يقول "إليوت" في كتابه العقل الحديث "ما تعنيه القصيدة هي ما تعنيه للآخرين، وما تعنيه للشاعر نفسه بالمقدار ذاته، كأن يصبح الشاعر قارئا لعمله ناسياً ما اشعل هذا المعنى في أصله الغائب ربما".

لنجد الشاعر في نصه المعنون "عيني عليك ترسمني"

يستوقف اللحظة ببساطة اللغة وهو يقول:

أمكنة طائشة/ تكبر معي/ أراقب العالم من فتحة ضيقة/ تكفي لنصف عين ونصف قلب.

إلى أن يقول عن الشعر:

بظل الشعر المدسوس في حقائب الجنود

أكلتنا الأيام...

بحرفة فلاح جنوبي أحرث اللغة

لتنو قصائدي ناضجةً حدَّ اللعنة.

وهذا التعبير يبسط لنا تماهي الصوت الذهني والصوت الحسي في تزاوج لخطاب النص بين مبتدئه ووسطه ونهايته، مكوناً تواشجاً لفظي يفضي للهروب أليه لا عنه والتي تخلق صلة تصالحية دائمة تبين وحدة الأثر الفني في مبناها النصي، والتمثل الكلي والانحياز لمحاصرة المعنى لا عبر تأويله المجاز الشفيف.

لنجد على هذا المنحى يستمر في نص "نهار يتسع كأجنحة الغياب" حين يقول:

أركضُ خلف ظلي الهارب في ملامحك، كما لو أنني أطارد قصائد سقطت من رأسي

أو أمد يدي لأقطف صوتي العالق في المسافة.

من هنا تظهر التجربة لدى الشاعر السياب أشبه بانعطاف صوتي يحاكي القصيدة الملقاة في هوة الروح، ليشذب الشعرُ عنفوانه في تركيبه الخاص وتصوير المعاني عبر دلالاته المكتنزة بالصراع المتخفي بين الأنا والأنا المضطربة والمتاحة للحضور الدائم بمعناه الطفولي الذي يكشف عن مكامن النزعة التي يمارس عليها الشاعر سلطة التجريب ويغذيها من حيوية الشاعر الملهم عبر ثقافة مجسات الإحساس العالي.

وهذا يوجهنا كمتلقين للنص لإنطباع أولي خلاف ذلك المستتر عبر طموحه الثر من وجه الغربة وإلى هزيمة التاريخ باللغة لفتح بابا للعناق، كي ينتقل من حسرة لمكوث جميل وذلك بإضفاء علامات الفرح والسلام تارة، وشهوائية اللذة والعواطف نحو مواطن اللغة بصورها الرومانسية التي تجعل الشمس تأتي بصغارها كدهشة يقولها النص وفق تدخلاته الرؤيوية المعرفة المنفتحة على الخير والشر والقبح والجمال والخطيئة، لنجد في هذا الديوان ما يحفر في حوائط شتى متراصة، وفي جوانب مختلفة محلقة تعكس حيوية الحداثة الشعرية في غليان صور الحياة المتباينة مع الصوت وهذا نجده جليا في نص "أحزان بلا مراكب" حين يقول:

رئة الوقت تختنق/ وغربان الوحشة تأكل أيامي/ لا أصوات تسقي حديقة الأحزان

هكذا يفصح الشاعر السياب عن هذا المستتر خلف النص بعد قوله:

مازلنا نعرف مداخل الحزن دون دليل

وليقول: لأعقد نياط وجداني/ تمسكت بأصابع الشعر/ أراوغ الذاكرة علّني أنجو مني.

وهذا ما نعنيه هنا بالتماثل للطاقة التخيلية ليس كلعبة شكلية تفصح عنها الشعر، بل تداخل واعي يعبر عن طريقته المفترضة في التداعي، والتي تعبر عن القصيدة التي تشير لحتميتها الأكثر لتوليد المعاني المحدثة لشحنة التأويل واستثارته عند المتلقي الحصيف.

مناخات النصوص والمحفز الإسلوبي:

في الواقع أن حركة التشكيل النصي وعناوين النصوص في هذه المجموعة (قبل أن يستيقظ البحر) هي أيضا لون من المحفز الاسلوبي الغني بالمداولة والمداورة الصياغة بتعددية الرؤيا، وهو ما يساعد على أن نرصد منخات النصوص المتعددة كقوة تكوينية لبيئة النص وتلازم الكتابة فيها، لما يفرده النحت اللغوي الدقيق من تماسات تحيل في مفهومها الأوسع على فرد التركيب الشعري المشتمل على الإيحاء، ولإشارة بتستر يسبق الكتابة النصية، وكتشكل واعي للنص تلو الآخر لنتفهم من حركيته طبيعة الإشتغال والإبتكار للغة الفكرة، ويكمن هذا ببساطة في تحليل التعبير الشعري من خطاباته المتفرقة بين ما هو وجودي مدرك للأحداث وبين ما هو عابر لتاريخ المخيلة، يتحدث عن مثول المعنى على شكل حقائق تجيد مواصلة المشاكسة لرفض ما يتعداه النص للموضوع الحسي في التمثيلات الذهنية المباشرة أحيانا والموحية في كثير من الأحيان. فمثلا نجد الشاعر في نصه "قصيدة تكبر على بوابة سومر" يستدعي هنا الصوت البابلي القديم ليعلن عن قصيدته المستترة خلف وجع هذه الخيبة والحزن وهو يقول مبتدء:

آه أيتها الرغبة

حزن طويل وصدري باع ليله دون وجع

ثم يقول:

كيف أنجو من ضياع المعنى، والحرف يتسلق أطراف الأغاني؟!..

هكذا يرى السياب في اغترابه اللحظة الشعرية من خلال تعدد مناخاته المضللة والكثيرة والعصية على مقاومة اللغة ونقيضها، ليتمم مراسم السماء المفقودة ولينثر حبات القمح على الجبال لكي لا يجوع القطيع في أساطير الغضب.

وهذا ما يمكن أن يفعله الرسوخ القلبي الذي يحول المعاناة النصية لمكان جاذب لتمثيل معقد يصيغه برهافة قادرة على ملامسة الأنا المحتملة والفاحصة، لتكون شاهداً على الكشف الذي يسمح للنص أن يوجد خيط حرير لغته وسط وحشية المعنى وتلاشي الأسطورية، لتبني يتيح للآخر الحق في العيش المشترك لتتجلى هذه المناخات المتباينة في الخلق الشعري المتصاعد بالقيمة في لغتها المتفاعلة الدرويشية في منعطفاتها الموحية بفضاء النص والمستندة على العاملين المادي والروحي في مناخ تغلب عليه القرينة الحسية متوازيا ومصاحبا لمناخات العصر الشعري الجديد.

فمن هذا الرصد الذي نعي ما تتملكه روح الشاعر السياب من روح ذائبة في ينبوع الشعر، أن هذا التنقل الرشيق العالي الفنية كلغة مدركة لموطن الصعود الثري الذي يعيده الصوت وتتخذه موسيقى النص ملاذاً لمادتها الخاصة التي تتغذى على حلمها، هو مما تستدعيه المخيلة من منظور وظيفتها الواقعية حال القراءة واللاواقعية حال الكتابة الشعرية، كمزدوجين لفاعلية تواصلية بأصالة اللغة وموسيقى الإحساس الذي تخلفه مديات القراءة الواعية، كمدرج لدهشة قادمة متشحة بالصدى، وكاقتراح للقصيدة وأسئلتها التي تهرب نحو قصديتها المبدعة والمذهلة إن جاز لي التعبير.

وهذا قد يقرأه المتلقي كالتباس قرائي، ولكن سرعان ما سيتلاشى هذا الإلتباس كلما اقتربنا من مناخات النصوص أكثر وأكثر، لنعرف أن الشاعر لديه حساسية المفردة الشعرية الوظيفية في أصالتها المنبعية لا في المصب الذي تقع فيه ولديه من ثقافة النص ما يجسر به علاقة المجاز الحديث في لغة النصية الصاعدة بتراثها اللغوي، وبناء النص الدراماتيكي والأسلوبي ومفارقات المعنى، والذي يكشف لنا تفوّق النص الذي تشغله هيولاته أكثر من الوجاهة الإبداعية واختلافه عمن سواه وهذا ما يبرر نزعة التلاحق التصويري والتأويل لفرد مساحة التلقي لديه عبر مناخاته الكتابية المتعددة والشواهد ولغة الشعر السردي تعددية تعيد للنص الشعري حياواته الضائعة.

أصالة اللغة وصخب المعنى:

في هذه المجموعة البنفسجية العتق نشعر من خلال الفعل النصي ميل كثير للمجاز البلاغي الذي يسيطر على الصورة في مجازية مؤسسة لذائقة مفهومية عريضة يكتنفها صخب الجملة واللفظ وإشاراته المفتتحة وعتباته الفاقعة في دمج لغوي بين حقيقة الكلمة ومجازية تركيبها، ليحاول الشاعر هنا من تحويل الذاكرة إلى كينونة جمالية تشع بالمعاني الحية، وهذا الاستعمال يعد نموذجا يدور حول وظيفتي اللغة في أدائها المعرفي وتفاعلها الدلالي في خطابيتها، سواء على مستوى المفردة أو الجملة الشعرية المنتهية بشكلها المجازي الذي يستقبله المتلقي فيما بعد كتأويل مضمر للذات الشاعرة، كتوجيه يبعث على كلية النص في ذروته بأكثر تأثير لفعله الشعري ومتطلب اللغة النحوية في أصالتها الملفتة، ولعلنا هنا نأخذ مثالا لأصالة اللغة من نص "أختام الأبد" لنرى هذا السكب اللغوي الدقيق وهو يقول:

تتشابك ظلال الجن على الضفاف

كأنها أشباح الحروب الغابرة

ترقص في حضرة الطوفان.

ولعل ما يستوقفنا هنا رغم هذا الإكتناز اللغوي والفني والأسلوبي هو اللفظ الصاخب عندما يفتتح النص هكذا:

أجر أجنحتي المبتورة

نحو معبدٍ غارقٍ في الغبار

وأسمع من أعماق الطين

أنين انليل.

وكما في نصوص أخرى أن ترى اللفظ الصاخب متمازجا مع لفظ أكثر إشراقا في نصوص الحب والشوق والسكينة والإطمئنان فلو تجاوزنا القراءة العامة هنا لهذه المفردات الصاخبة المقصودة لإيجابية المعنى حينها سنبقى عالقين في التفكير الشعري الذي تخلفه هذه المفردات على خبرات المتلقي المدرب على الدلالة المقتربة من الغرائبية اللفظية ولعل نص "بلاد حسن عجمي" أكثر صخبا بهذه المفردات "كتكسر الكؤوس – والاصابع اليابسة – البحث عن صوت الأم – وكل الاشياء تحولت لرماد – ورماد لشاعر ميت – اشتهاء الرماد أن يكون جمرا.

ولأن الشعر كائن حي وتحول مطرد في نموه المفهومي لا يلبث إلا أن يجيب عن وجدانه التراجيدي الخاص وقاموس التواصل المطلق وأولوياته الفنية لخضوعه لدراية الشاعر وحدسه في إطلاق نفثات روحه وجوهر الشيء الذي يشعله بلغته والتي نحن واثقون أنها تصب في حديقة الشعر المبهرة، لتذكرنا أن الكتابة المطمئنة أن تلقي ذاتك الشاعرة في أعتى بروج التحدي وأقسى منارات المغامرة. ولا يكفي ذلك بل يستجيب الشاعر لهذا النزف المجرد في كل مفاصله كطبيعة للمخيال الرمزي الذي يعزز به صوته الطفل وروحه المتقدة بكبرياء القصيدة وعنفوانها الجميل وهو ذات الشيء يحصل في نص أطياف تتشظى في العراء.

 

امتداد الرغبة نحو مصافحة الحياة:

قراءة هذا الديوان للحظة الأولى تكشف لنا عن عمق الإنفتاح الذي يؤصله الشاعر باتجاه تناقضات الحياة المثيرة، كسير حثيث نحو استقلالية الزمكان في روحه الشاعرة التي تتسع باتساع اللغة المحصنة بالحب والجمال، كمرحلة تفترض القطيعة مع كل ما هو معنف في ذاكرة اللغة الشعرية وكل ما هو قبيح فيحتم عليه الدخول القسري للقصيدة من أول خيبة قلب موصلا هذه الرغبة لمصافحة ذاتية ترسم معالم الحياة، كمشهد سينمائي يطلقه التعبير الشعري عبر فلسفة الموت أحيانا والتوازن المهم الذي يطمئن هذا المعترك الداخلي بغريزة الشاعر الفنان الذي لا يرضيه واقعه الأرضي ولا يستهويه الفضاء السماوي في آن واحد ففي نص "نشيد جلجامش الضائع" تنهض هذه الروح من خيباتها وحزنها لأملها المتشح بالأناشيد الخالدة ليقول في هذا النص الشفيف:

في عينيك تنهض بغداد، كأنها عشتار خارجة من نهر الياسمين

تغسل جراحها بالقبل وتعلق على شعرها هلالا سومريا كان ضائعا في الطين

أحبك كما أحب نبوءة الطين

كدجلة تشبه نهديك في انحناءة المساء

يا امرأة تسكنني

أنتِ بغداد التي لم يدخلها الشياطين

أنتِ فردوس قلبي والنشيد الذي خبأه جلجامش حين ضل طريقه إلى الخلود

في هذا النص المشبع بالرغبة والذاكرة العاشقة للمكان تتضح سيرة الشاعر النصية عبر الفنية الحالمة بكينونتها الخيرة المتلبسة بالتخيل الأسطوري الذاتي، والتي تعده السرديات الحديثة هو مزاوجة بين اللغة وثقافة المراسي المنغرسة تحت رمزية المكان والحب والحياة الشاخصة في رموزها القوية الحضور، والحقيقة استطاع السياب التنقل بين النصوص في هذه المجموعة راسما خطها البياني الراسخ بين الأثر الشعر كحالة انفعالية وتماس الذاكرة المكانية وتمثلاتها الخاصة في هويتها وبين الرؤية من رماد الألم والخيبة والاغتراب كتباينٍ معرفي قد يؤدي للسلبية أحيانا في النص ما لم يحكم بتقانة التشظي الرشيق.

ولكن الشاعر السياب أجاد الإستفادة من استنهاض المخزون اللغوي والمعرفي لخلق بورتريهات ملونة ومعتقة ليعلقها على حائط القصيدة بكل فنية المتمرس القدير في مصافحة حياتية متصالحة مع أعشبته الحياة من نصوص صاخبة في روعتها وهائلة في تشظيها وممتعة في معناها وراسخة في مبناها الذي يراهن عليه الشعر دائما رغم كل كلمات الغيظ والحزن المنتشرة بين النصوص وهذا يكشف عن نوعية الشاعر النبوءي المتجذر ان صح التعبير، وتزاحم الأوليات الشعرية في كتابته والذي يطعم الخطيئة فيها من روحه لينتصر لكيان البياض في القصيدة وترتيب العالم المرتبك بخارطة القهر والفقر والحرب والألم بحدة النص المتمرد والحارس لذروة اللذة المتقدة ومعاصرتها، كمواقف تورث الحضور المتسع واللغة المتحتشدة ورسوخ المعنى في حضرة التصوير الإبداعي دون أن يفقد النص رمزيته للتعبير الجديد.

المشـاهدات 17   تاريخ الإضافـة 28/07/2026   رقم المحتوى 72620
أضف تقييـم