فاتورة الأزمة في العراق.. مَن يحمي المواطن من كلفة الحلول؟![]() |
| فاتورة الأزمة في العراق.. مَن يحمي المواطن من كلفة الحلول؟ |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب محمد ثامر الخزرجي |
| النـص : يمرّ العراق بتحديات اقتصادية ومالية تفرض على الحكومة البحث عن حلول مستدامة تضمن استقرار الرواتب والأسواق وتحمي القدرة الشرائية للمواطن. لكن السؤال الذي يستحق الوقوف عنده هو: هل ينبغي أن تكون معالجة الأزمات المالية على حساب المواطن، أم أن مسؤولية الدولة تقتضي البحث عن بدائل أكثر عدالة واستدامة؟ إن الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، فضلًا عن الظروف السياسية والأمنية والفنية واللوجستية التي قد تعرقل تصدير النفط. وهذا الواقع يفرض ضرورة تنويع مصادر الدخل، بدل البقاء تحت رحمة مورد واحد تتأثر به الموازنة والرواتب والخدمات العامة.وفي هذا السياق، فإن اللجوء إلى رفع سعر صرف الدولار بوصفه أحد الحلول المالية يثير تساؤلات جدية بشأن آثاره على الأسواق ومعيشة الناس. ففي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، يمكن أن يؤدي ارتفاع كلفة الدولار إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والأدوية والملابس والأدوات المنزلية وغيرها من السلع، وإن اختلف حجم التأثير بحسب طبيعة السلعة وظروف السوق. وتكون الفئات محدودة الدخل الأكثر تعرضًا لهذه التداعيات؛ لأن رواتبها لا ترتفع بالضرورة مع ارتفاع الأسعار، بينما تبقى احتياجاتها الأساسية ثابتة أو متزايدة.وهنا تظهر المفارقة: قد تسعى الدولة إلى معالجة جانب من تحدياتها المالية، لكن المواطن يجد نفسه أمام تراجع في القوة الشرائية لراتبه، فيدفع من مستوى معيشته ثمنًا لقرارات لم يكن طرفًا في اتخاذها. لذلك، فإن أي سياسة تتعلق بسعر الصرف ينبغي أن تُدرس آثارها الاجتماعية بعناية، وأن ترافقها إجراءات عملية تحدّ من انتقال أعبائها إلى المستهلك، ولا سيما الموظفين وأصحاب الرواتب التقاعدية والأسر محدودة الدخل.ومن هنا، أطرح مقترحًا يستحق الدراسة الجادة، يتمثل في إنشاء أسواق تجارية حكومية كبرى في مختلف محافظات العراق ومناطقه، تكون مهمتها توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، وتحقيق التوازن في الأسواق، وحماية المستهلك من المغالاة في الأسعار.
أسواق حكومية منافسة.. لحماية المواطن من الغلاء
تقوم فكرة المقترح على إنشاء شبكة من الأسواق التجارية التي تديرها الدولة من خلال جهة متخصصة، تعمل وفق أسس اقتصادية وإدارية واضحة، وتوفر المواد الغذائية الأساسية، والزيوت والأرز والسكر والطحين والبقوليات، فضلًا عن المنظفات والملابس والأدوات المنزلية والسلع الضرورية الأخرى. ويمكن أن تتوسع هذه الأسواق تدريجيًا لتشمل الأدوية والمستلزمات الصحية من خلال القنوات المرخصة والجهات المختصة، بما يضمن سلامة المنتجات وجودتها.ولا تقتصر الفكرة على إنشاء محال تجارية حكومية تقليدية، بل تقوم على بناء منظومة متكاملة للشراء والتخزين والتوزيع؛ تستورد الدولة بعض السلع مباشرة من مصادرها الموثوقة، وتشتري منتجات أخرى من المصانع والمزارع العراقية، ثم تعرضها للمواطن بهوامش ربح معقولة ومدروسة، تكفي لتغطية تكاليف النقل والتخزين والإدارة والتشغيل، وتضمن استمرارية المشروع من دون تحويله إلى عبء دائم على الموازنة.وتكمن أهمية هذه الأسواق في قدرتها على توفير بديل حقيقي أمام المستهلك. فعندما يجد المواطن السلع الأساسية متاحة بأسعار واضحة ومناسبة في الأسواق الحكومية، تصبح أمامه خيارات أوسع، ولا يبقى مضطرًا إلى قبول أي سعر تفرضه ظروف السوق أو محدودية المنافسة. كما أن وجود منافس حكومي فعّال قد يدفع التجار الآخرين إلى مراجعة أسعارهم، وتحسين خدماتهم، والمحافظة على زبائنهم، ضمن منافسة مشروعة يستفيد منها المواطن أولًا.ومن الضروري أن تنتشر هذه الأسواق في مراكز المحافظات والأقضية والنواحي والمناطق ذات الكثافة السكانية، مع مراعاة المناطق النائية والأسر محدودة الدخل. ويمكن البدء بمشروعات تجريبية في عدد من المحافظات، ثم تقييم نتائجها من حيث الأسعار والكلفة والإقبال، والتوسع وفق ما تثبته التجربة من نجاح.والأهم من ذلك أن تُصمَّم هذه الأسواق لتكون أداة تخفيف حقيقية لآثار ارتفاع سعر صرف الدولار، لا مجرد منافذ بيع إضافية. ويتحقق ذلك من خلال تنويع مصادر الشراء، وإبرام عقود مباشرة وطويلة الأجل مع المنتجين والموردين، وتقليل حلقات الوساطة غير الضرورية، وإنشاء مخازن مركزية ومراكز توزيع تقلل تكاليف النقل والتخزين، مع الاستفادة من المنتجات المحلية كلما توافرت بالجودة والكميات المطلوبة.فإذا ارتفعت كلفة استيراد بعض السلع، تستطيع الإدارة الحكومية، ضمن حدود إمكاناتها وتكاليفها الفعلية، أن تحدّ من انتقال الزيادة كاملة إلى المستهلك من خلال الشراء الكفوء، وإدارة المخزون، وتعدد مصادر التوريد، وتفضيل البدائل المحلية المناسبة. ويمكن أيضًا تخصيص سلال من السلع الأساسية بأسعار اقتصادية، وإطلاق برامج دعم محددة للفئات الأكثر احتياجًا وفق معايير شفافة، بدل توزيع الدعم بصورة عشوائية أو مكلفة.ولا بد من التأكيد أن هذه الأسواق لن تستطيع عزل العراق كليًا عن آثار تغيرات سعر الصرف، خصوصًا في السلع المستوردة التي ترتفع كلفتها فعلًا. لكنها تستطيع أن تكون إحدى أدوات الحد من أثر تلك التغيرات على المواطن، بشرط أن تعمل بكفاءة، وأن تكون أسعارها مدروسة، وأن تخضع للرقابة المالية والإدارية، وألا تتحول إلى مجال جديد للهدر أو الفساد أو الاحتكار.كما ينبغي ألا يكون الهدف من هذه المبادرة محاربة التجار أو إقصاء القطاع الخاص؛ فالتجارة والاستثمار عنصران أساسيان في الاقتصاد. إنما المطلوب إيجاد توازن عادل بين مصالح النشاط التجاري وحقوق المستهلك، ومنع الممارسات الاحتكارية والمغالاة غير المبررة، وضمان أن تبقى السلع الأساسية في متناول أصحاب الدخول المحدودة.وفي موازاة ذلك، لا بد من تنويع إيرادات الدولة غير النفطية، وتنشيط الزراعة والصناعة والسياحة والنقل والتجارة، وإصلاح النظام الضريبي والجمركي، ومكافحة التهريب والتهرب والفساد، واستثمار أملاك الدولة وشركاتها بكفاءة. فالعراق يحتاج إلى اقتصاد ينتج الثروة ويخلق فرص العمل، لا إلى موازنة تظل رهينة تقلبات النفط أو تعطل تصديره.إن حماية المواطن لا تتحقق بالوعود وحدها، بل بإجراءات يشعر بنتائجها في السوق، وفي قيمة راتبه، وفي قدرته على تأمين احتياجات أسرته. ومن واجب الدولة أن توازن بين الاستقرار المالي والاستقرار المعيشي، وأن تجعل الإصلاح الاقتصادي طريقًا لتحسين حياة الناس، لا سببًا إضافيًا في تضييقها.إن الدولة القوية ليست التي تكتفي بمراقبة ارتفاع الأسعار، بل التي تمتلك أدوات فاعلة للمنافسة العادلة، وتوفير السلع، وتنمية الإنتاج، وحماية المستهلك. ومن بين هذه الأدوات إنشاء أسواق حكومية مدروسة وناجحة، تُدار بشفافية وكفاءة، وتضع المواطن في مقدمة أولوياتها.فالعراق بما يمتلكه من موارد وإمكانات قادر على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وعدالة، شريطة الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن الاعتماد شبه الكلي على النفط إلى تنمية مصادر الدخل، ومن ترك المواطن وحيدًا أمام تقلبات السوق إلى توفير منظومة اقتصادية تحمي قدرته الشرائية وتصون كرامته.والغاية ليست أن تحل الدولة محل السوق، بل أن تجعل السوق أكثر انضباطًا وعدالة، وأن تضمن بقاء السلع الأساسية في متناول المواطن، وخصوصًا محدود الدخل، حتى لا يصبح كل ارتفاع في سعر الصرف ارتفاعًا في كلفة الحياة، ولا تتحول الأزمات المالية إلى أزمات معيشية يدفع ثمنها من لا يملك إلا راتبه.
|
| المشـاهدات 128 تاريخ الإضافـة 10/10/2026 رقم المحتوى 72702 |
أخبار مشـابهة![]() |
الاهوار في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي |
![]() |
وفاة ثانية محتملة بالطاعون.. ومنظمة الصحة العالمية تطالب موسكو بكشف حقيقة التسريب |
![]() |
مونتين
مخترع المقالة الفلسفية
برنارد سيف (فيلسوف / أستاذ فخري لفلسفة الفن في جامعة ليل)
|
![]() |
نجاة بري كاتبة مجتهدة تبحث في عالم الامكنة في مجموعتها الجديدة نساء في قريتي |
![]() |
قراءة تفكيكية في قصيدة (هو) للشاعر المصري محمد القاضي |
توقيـت بغداد









