| النـص : القرار الذي اتخذته الحكومة بخفض قيمة الدينار ليس معالجة، بل اعتراف بالفشل. فحين تعجز الدولة عن إصلاح مالها العام، تمد يدها إلى جيب المواطن المسكين، فهل هذا هو الحل ام انه الطريق الاسهل لحلول ترقيعية فاشلة
الاقتصاد العراقي لم يصل إلى ما هو عليه صدفة. بل منذ 2003 وقبلها ، بُني الاقتصاد على ريع النفط وحده، وأُهملت الصناعة والزراعة والقطاعات المنتجة، وتضخم القطاع العام ليصبح آلة لشراء الولاءات لا للإنتاج. ومع كل أزمة، كان الحل الجاهز واحدا هو خفض الدينار وهذا ما حدث لمرات عدة كا ن اخرها في 2020، وعدنا إليه اليوم، وكأن التجارب السابقة لم تنفع.
الأزمة الأخيرة كشفت الهشاشة كاملة فتراجع الصادرات النفطية بسبب الحرب الإيرانية-الأمريكية وإغلاق المضيق، انخفاض الإيرادات، ونقص حاد في السيولة . وبدلا أن تتجه الحكومة إلى ضبط الهدر ، وإصلاح المنافذ، وتحريك القطاعات المعطلة في معظم المجالات، لجأت إلى تخفيض سعر الصرف بنسبة كبيرة. النتيجة معروفة سلفا لان كل السلع سترتفع، وكل راتب يتآكل، وكل مواطن يدفع الفارق.
السؤال المنطقي: من يتحمل كلفة هذا القرار؟ اكيد ليس الفاسد، ولا صاحب الامتياز، ولا المسؤول الذي اتخذ قرارات غير مدروسة. بل الذي يتحملها هو العامل بأجر يومي، والأرملة، والموظفين من أصحاب الرواتب المحددة والثابتة. لكن معالجة هذه الاشكالية لا يكمن في اللجوء كالعادة الى التغيير في سعر الصرف. الحل في وقف النزيف الذ ي يكون عبر مساءلة حقيقية، وإصلاح مصرفي، وتنويع اقتصادي جدي، وإعادة هيكلة القطاع العام عبر ثلاثة محاور اساسية تتمثل بالرواتب ،الوظائف ، والمؤسسات لان بقاء الحال على ماهو عليه يلتهم الموازنة دون إنتاج. أما الاستمرار في المعالجات الترقيعية، فسوف يجر البلد إلى أزمات أعمق، ويدفع ثمنها دائما من لا ذنب له في هذه الازمات. المواطن العراقي لا يطلب المستحيل. يطلب دولة تحكم بالعدل، وتنفق بصدق، وتحاسب بلا استثناء. وحتى ذلك الحين، سيبقى السؤال قائما الى متى يظل العراق كبلد يمتلك ثروات كبيرة الى بلد يعاني ازمات اقتصادية مستمرة وكبيرة وخانقة.
|