الثلاثاء 2026/10/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 27.95 مئويـة
نيوز بار ›
بين بغداد ودبي من الرقيب؟
بين بغداد ودبي من الرقيب؟
رأي الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب مصطفى طارق الدليمي
النـص :

في اليرموك ببغداد أو بين أروقة المقاهي في أربيل يوجه شاب عدسة هاتفه الذكي نحو واجهة متجر او مركز تسويق  بكبسة زر واحدة تتحرك ملايين الدنانير خلف شاشته الصغيرة ويتحول "اللايك" العفوي إلى صفقة تجارية يدير هذا الصانع ومعه الآلاف من زملائه محلياً اقتصاداً رقمياً هائلاً يحرك أسواقاً بأكملها لكنه في نظر القانون مجرد نشاط فتراضي لا وجود له ولا اعتراف بكيانه التشريعي الذي ينظم حركته أو يحمي العاملين فيه يعيد هذا المشهد إلى الأذهان ملامح الفضاء الرقمي قبل سنوات حين كان يمثل ساحة مفتوحة بلا ضوابط تدر أرباحا طائلة دون مساءلة عن صفة قانونية أو مرجعية تنظيمية ومع الصعود المتسارع لاقتصاد صناع المحتوى عالمياً وتحوله إلى قوة مالية مؤثرة أدركت دول عدة ضرورة الانتقال من العفوية إلى المؤسساتية

وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة في طليعة هذا التحول فلم تترك القطاع الصاعد أسير المصادفة انما سارعت إلى صياغة بيئة تشريعية متكاملة تنظم الحقوق والواجبات في العالم الافتراضي بدأت الرحلة التنظيمية هناك من قانون التجارة الإلكترونية الاتحادي وتحديداً عبر مادته الأولى التي وضعت تعريفات دقيقة فصل بين أدوار الفاعلين في السوق الرقمية فالقانون لم يكتفِ بتعريف التاجر والمستهلك التقليديين انما عرّف "المهني الرقمي"..بكونه كل من يزاول عملاً يتطلب مهارة خاصة أو خبرة عبر الوسائل التقنية وهو التوصيف الذي منح المؤثرين وصناع المحتوى هوية مهنية واضحة بالتوازي مع تحديد مفهوم "المتجر الإلكتروني" كمنصة رقمية لتقديم الخدمات والمنتجات والمحتوى المرئي ولم تقف هذه الهيكلية عند حدود النصوص انما تُرجمت فعلياً منذ عام 2018 حين أطلقت السلطات هناك "رخصة الوسائط الإلكترونية" وحوّلت الشغف الرقمي إلى حرفة رسمية وبموجب هذا النظام أصبح لزاماً على كل مؤثر يجني عوائد مالية من منصاته الحصول على ترخيص رسمي إما بالعمل كمؤثر مستقل برخصة فردية ذات رسوم سنوية ميسرة أو عبر الانضواء تحت مظلة وكالة تسويق مرخصة ومعتمدة..هذا التنظيم الذي يعاقب المخالفين بغرامات مالية منح الملتزمين في المقابل حصانة قانونية تحمي ملكيتهم الفكرية، وتفتح أمامهم قنوات رسمية للتعاقد مع كبريات الشركات العالمية وعندما تنعكس هذه الصورة على الواقع الاقتصادي في بلادنا برز فجوة هائلة تضع صناعة المحتوى تحت مجهر التساؤل فالسوق المحلي يشهد اليوم طفرة رقمية استثنائية ويزخر بصناع محتوى يمتلكون قواعد جماهيرية مليونية تتجاوز الحدود وتبرم عبر حساباتهم يوميا صفقات إعلانية بمبالغ ضخمة لترويج العقارات والمطاعم والماركات التجارية ..فإن هذه العجلة الاقتصادية تدور بالكامل في فلك فراغ قانوني تام حيث تغيب الجهات الرسمية المخولة بإصدار التراخيص وتتداخل الأدوار في غياب نصوص تميز بين المؤثر والتاجر والمستهلك الرقمي يفرز هذا الغياب التنظيمي تداعيات سلبية تدفع ثمنها أطراف المعادلة كافة فالدولة تفقد مورداً مهماً من الإيرادات والرسوم التنظيمية التي يمكن استحصالها من قطاع ينمو بشكل مضطرد والمستهلك ييبقى دون مظلة تحميه من الإعلانات المضللة أو المنتجات رديئة الجودة وفي الوقت ذاته يجد المؤثر نفسه الحلقة الأضعف حين يواجه النصب أو انتهاك حقوقه الفكرية والمالية، نظراً لغياب العقود التجارية الموثقة التي تعترف بها المحاكم وهو ما يجعل الاستثمارات الكبرى تتردد قبل ضخ ميزانياتها في بيئة تسويقية قتقر إلى غطاء تشريعي آمن وثابت ..إن معالجة هذا الخلل لا تتطلب إعادة ابتكار العجلة من الصفر انما تكمن في استلهام التجربة الخليجية وتطويعها بما يتناسب مع البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحلية وتبدأ الخطوة العملية من إدخال تعديلات تشريعية تدمج مفاهيم صناعة المحتوى والتجارة الرقمية ضمن القوانين النافذة وتخويل مؤسسة رسمية مثل هيئة الإعلام والاتصالات لتبني منصة موحدة لإصدار التراخيص الرقمية مع اعتماد سياسة تحفيزية ترتكز على رسوم رمزية تشجع الشباب على الانتقال إلى المظلة القانونية عوضا عن فرض سياسات ضريبية منفرة قد تدفع هذا الاقتصاد إلى التواري خلف الشاشات فإن تقنين قطاع المؤثرين ليس أداة للتضييق أو تقييد الطاقات الشبابية انما هو خطوة جوهرية لمنحهم الشرعية المهنية والاعتراف القانوني..إنها عملية تحول تنقل صناعة المحتوى من خانة "الترند" العابر والأنشطة العفوية لتضعها في مكانها الطبيعي كقطاع اقتصادي حقيقي ومستدام يسهم في التنمية ويخلق فرص عمل مبتكرة ويحفظ للمبدع حقوقه ومكانته في عالم رقمي لا يعترف إلا بالمرجعيات الموثقة.

 

المشـاهدات 29   تاريخ الإضافـة 13/10/2026   رقم المحتوى 72833
أضف تقييـم