Warning: file_get_contents(): http:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0 in /home/addstrcm/public_html/class/general.php on line 486

Warning: file_get_contents(http://api.openweathermap.org/data/2.5/weather?units=metric&APPID=608cf4c51065c33039886532e75c36e8&id=98182): Failed to open stream: no suitable wrapper could be found in /home/addstrcm/public_html/class/general.php on line 486
الأربعاء 2026/10/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
نيوز بار ›
المقام العراقي بين مسارح العالم وعتاب الوطن..د.محمد حسين كمر
المقام العراقي بين مسارح العالم وعتاب الوطن..د.محمد حسين كمر
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب عبدالله السامرائي
النـص :


 

هناك مشاريع ثقافية لا يمكن النظر إليها بوصفها أعمالاً فنية عابرة، لأنها ترتبط بالعراق وهويته، وتصبح مسؤولية الحفاظ عليها أكبر من قدرة الأفراد، مهما امتلكوا من خبرة وإخلاص. ومن بين هذه المشاريع يبرز مشروع الدكتور محمد حسين گمر لتسجيل وتوثيق المقام العراقي، وهو مشروع يحمل في جوهره محاولة لحماية إرث موسيقي عراقي تشكّل عبر أجيال طويلة، وأصبح جزءاً من تاريخ العراق الثقافي.خمسة عشر عاماً من المطالبة بدعم هذا المشروع وتوثيقه داخل العراق، خمسة عشر عاماً من الانتظار والسعي لإيجاد جهة تتبنى عملاً يرتبط بهوية العراق الموسيقية. لكن هذه السنوات لا تمثل عمر المشروع نفسه، فالمشروع هو خلاصة سنوات طويلة من البحث الأكاديمي والكتابة والعمل الموسيقي والتسجيلات الصوتية بأصوات كبار قراء المقام العراقي. إنه مشروع العمر بالنسبة إلى رجل كرّس حياته للموسيقى، وعمل على حفظ تراثها ونقله إلى الأجيال القادمة.وحين نتحدث عن هذا المشروع، لا بد أن نتوقف عند صاحبه، الدكتور محمد حسين گمر، الرجل الذي كرّس نحو خمسين عاماً من تجربته للموسيقى والتدريس والعطاء الفني. فقد ارتبطت مسيرته الموسيقية بمدرسة الموسيقار منير بشير، وتخرج في معهد الدراسات النغمية العراقي عام 1981، ثم واصل دراسته الأكاديمية وعمله الموسيقي، ليجمع بين الخبرة العملية والمعرفة النظرية والبحث العلمي. كما عمل مدرساً في معهد الدراسات النغمية ومدرسة الموسيقى والباليه بين عامي 1982 و1997، وكانت تجربته امتداداً لمسيرة فنية وتعليمية طويلة، ولم تبقى تجربة محمد حسين گمر محصورة داخل العراق، بل حمل المقام العراقي إلى مسارح العالم، وأسهم من خلال مشاركاته الفنية في تقديم هذا التراث إلى جمهور متعدد الثقافات. وتذكر سيرته مشاركته في أكثر من 250 مهرجاناً وملتقى دولياً، كما أسس مؤسسة المقام العراقي في هولندا عام 2000، في خطوة تعكس اهتمامه باستمرار هذا الفن وتعريف الآخرين بقيمته.إننا أمام رجل لم يتعامل مع المقام العراقي بوصفه فناً يؤديه ثم ينتهي دوره عند انتهاء الحفل، بل بوصفه إرثاً يحتاج إلى من يحمله ويحميه وينقله إلى الأجيال القادمة. ومن هنا جاءت أهمية مشروع توثيق المقام العراقي، الذي يقوم على سنوات من البحث الأكاديمي والكتابة والتسجيل، بهدف إعداد مرجع علمي وموسيقي يحفظ هذا الفن من الضياع، ويتيح دراسته بصورة أكثر دقة وتنظيماً، وما يمنح المشروع أهمية خاصة هو اعتماده على أصوات مقامية كبيرة تمتلك خبرة عميقة في هذا الفن، وفي مقدمتها الدكتور حسين الأعظمي، وسعد الأعظمي، وحامد السعدي، وفريدة محمد علي. هذه الأسماء ليست مجرد أصوات تؤدي المقامات، بل تمثل تجارب فنية متراكمة أسهمت في استمرار هذا التراث وحمله إلى الأجيال الجديدة، إن تسجيل المقامات بأصوات هؤلاء القراء، إلى جانب توثيق أصولها الموسيقية وكتابتها بالنوتات، يمثل خطوة مهمة في حفظ تفاصيل الأداء المقامي، بما يتضمنه من أساليب وطرائق وخصائص لا يمكن اختزالها في تسجيل عابر أو وصف مكتوب. فالمقام العراقي منظومة فنية متكاملة، تحتاج إلى معرفة دقيقة بأصولها، وإلى خبرة تستطيع التمييز بين تفاصيلها الموسيقية وطرائق أدائها.ولهذا فإن مشروع الدكتور محمد حسين گمر ليس مجرد مجموعة من التسجيلات الصوتية، بل عمل علمي يتطلب البحث والتدقيق والمقارنة والتوثيق، حتى يكون مرجعاً يمكن الاعتماد عليه في الدراسات الموسيقية والتعليم الأكاديمي. ومثل هذا العمل لا يمكن إنجازه بالارتجال أو بالجهود المؤقتة، وإنما يحتاج إلى سنوات من التخصص والمعرفة والممارسة، ولهذا أرى أن المشروع يمثل جهداً يصعب تعويضه بسهولة، لا لأن المقام العراقي لا يستطيع خدمته أحد غير الدكتور محمد حسين گمر، بل لأن ما راكمه الرجل خلال سنوات طويلة من الخبرة والتدريس والعمل الموسيقي يمنح المشروع قيمة خاصة، ويجعل الاستفادة من معرفته أمراً يستحق الاهتمام قبل أن تضيع فرصة نقل هذه الخبرة إلى الأجيال الجديدة، وقد نقل لي الدكتور محمد حسين گمر شخصياً جانباً من رحلته في البحث عن الدعم لهذا المشروع، وتحدث عن توجهه إلى الخليج، حيث قيل له، بحسب ما رواه لي، إن هذا المشروع يمثل إرثاً عراقياً خاصاً بالعراق، وإن العراق ليس فقيراً حتى يعجز عن دعم مشروع يحفظ تراثه، توقفت طويلاً عند هذه العبارة، لأنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز مسألة التمويل ويمس علاقتنا بإرثنا الثقافي. فإذا كان المقام العراقي إرثاً عراقياً أصيلاً، وإذا كان توثيقه ضرورة لحمايته، فلماذا يحتاج صاحبه إلى البحث عن الدعم خارج بلده، بينما يفترض أن تكون المؤسسات العراقية في مقدمة الجهات التي تتبنى مثل هذه المشاريع وتعمل على إنجازها، إن الاستعانة بالدعم العربي والدولي ليست أمراً معيباً، فالتعاون الثقافي بين الدول يفتح آفاقاً مهمة لحماية التراث الإنساني. لكن مسؤولية العراق الأولى تجاه مقامه وتراثه تبقى قائمة، ولا ينبغي أن يتحول الجهد الفردي إلى بديل عن الدور المؤسسي الذي يفترض أن يحمي المشاريع الوطنية ويمنحها فرص الاستمرار، وتزداد أهمية هذه القضية حين نعرف أن المقام العراقي أُدرج عام 2008 ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، وهو اعتراف دولي بقيمة هذا الفن وخصوصيته. لكن الاعتراف بقيمة التراث لا يعني أن مهمتنا انتهت، بل إن الحماية الحقيقية تحتاج إلى عمل مستمر، وتوثيق علمي، وبرامج تعليمية، وأرشيفات تحفظ التسجيلات والمواد الموسيقية وتتيح للباحثين الاستفادة منها. ومن هنا يأتي العتاب الذي نقله لي الدكتور محمد حسين گمر بشأن زميله وصديقه حسن الشكرجي، الذي تولّى منصب مدير عام دائرة الفنون الموسيقية في وزارة الثقافة العراقية. يقول الدكتور محمد حسين گمر إنهما من أبناء الدورة الواحدة، وإن حسن الشكرجي يعرف جيداً خبرته الموسيقية ومكانته في مجال المقام العراقي، وكان بإمكانه، حين كان في موقع المسؤولية، أن يسهم في دعم مشروع توثيق المقام العراقي، ولا سيما أن المشروع يرتبط بإرث موسيقي وطني يستحق الاهتمام والرعاية، إن عتاب الدكتور محمد حسين گمر على زميله عتاب شديد، لأنه كان يأمل أن يجد منه دعماً ومساندة لمشروع أمضى سنوات طويلة في البحث والعمل من أجل إنجازه. لكن هذا العتاب لا ينفصل عن علاقة الزمالة والصداقة التي جمعتهما، كما قالت السيدة فريدة ، بيني وبينك أحلى عتاب ، خلّي نتعاتب وإحنا أحباب.فمعرفة محمد حسين گمر ليست معرفة باسم فنان فحسب، بل معرفة برجل أمضى سنوات طويلة في الموسيقى والتدريس، وشارك في نقل المقام العراقي إلى مسارح العالم، ثم عاد ليعمل على توثيق هذا الإرث وحفظه. ومن يعرف هذه المسيرة يدرك أن الحديث عن المشروع لا ينفصل عن الحديث عن قيمة الخبرة التي يحملها صاحبه، وعن ضرورة الاستفادة منها ودعمها، أما عودته من هولندا إلى العراق بعد خمسة عشر عاماً من الغياب، فقد حملت، بحسب ما نقله لي، صدمة من الواقع الذي واجهه في وزارة الثقافة العراقية. وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح، هل تمنح مؤسساتنا الثقافية المشاريع المعنية بحفظ التراث ما تستحقه من اهتمام، وهل توجد آليات واضحة لاستقبال المبادرات الجادة ودراستها وتحويلها إلى مشاريع قابلة للإنجاز.إن قيمة المؤسسات الثقافية لا تظهر في المناسبات والاحتفالات وحدها، بل تظهر في قدرتها على اكتشاف المشاريع المهمة واحتضانها، وفي تعاملها مع أصحاب الخبرة الذين يعودون إلى وطنهم حاملين تجاربهم وأفكارهم لخدمة ثقافتهم. فعودة فنان بخبرة محمد حسين گمر ينبغي أن تكون فرصة للاستفادة من معرفته، وأن تتحول سنوات الغياب والخبرة المتراكمة إلى إضافة حقيقية للمشهد الثقافي العراقي، رسالتي إلى وزارة الثقافة العراقية ودائرة الفنون الموسيقية والجهات الأكاديمية المختصة، إن مشروع توثيق المقام العراقي يحتاج إلى مراجعة جادة، وتقييم علمي لما أُنجز منه، وتحديد واضح لما تبقى لاستكماله، ووضع خطة عملية توفر الإمكانات اللازمة لحفظ التسجيلات والنوتات الموسيقية وإتاحتها للأغراض التعليمية والبحثية.المطلوب ليس تكريم صاحب المشروع بالكلمات وحدها، ولا الاكتفاء بالإشادة بتاريخه الفني، بل التعامل مع المشروع بوصفه مسؤولية ثقافية وطنية. فحين يتعلق الأمر بتراث العراق، ينبغي أن يكون معيار الاهتمام هو قيمة العمل وما يقدمه للذاكرة الثقافية، لا الظروف الشخصية لصاحبه أو قدرته على البحث عن الدعم، كما أن من المهم ألا يبقى هذا المشروع مرتبطاً بجهد فرد واحد، مهما بلغت خبرته، بل ينبغي أن يتحول إلى عمل مؤسسي مستدام، يستفيد من خبرة الدكتور محمد حسين گمر، ويشرك المختصين والباحثين والقراء المقاميين، ويضمن استمرار التوثيق والتعليم، مع حفظ المواد المسجلة والنتاج الأكاديمي في أرشيف متخصص يتيح للأجيال القادمة الرجوع إليها.إن المقام العراقي ليس ملكاً لفنان بعينه، ولا لجيل واحد، بل هو إرث تشكل عبر تاريخ طويل من الإبداع، وحملته أصوات تركت بصمتها في ذاكرة العراقيين. ومن حق الأجيال القادمة أن تجد هذا الإرث محفوظاً في تسجيلات موثقة ومراجع علمية، لا أن تعتمد على ما تبقى من ذاكرة الرواد وحدها.لقد حمل محمد حسين گمر المقام العراقي إلى مسارح العالم، ثم عاد إلى وطنه حاملاً مشروعاً يريد من خلاله أن يحفظ هذا الفن ويوثق أصوله. وهذه المسيرة تستحق أن تُقرأ باعتبارها تجربة فنية وثقافية، وتستحق أن يكون مشروعها موضع اهتمام حقيقي من المؤسسات المعنية.العراق ليس فقيراً بتراثه، ولا ينبغي أن يكون عاجزاً عن حماية هذا التراث. فالثروة الحقيقية ليست في امتلاك الإرث وحده، بل في الوعي بقيمته، والقدرة على صيانته، والعمل على نقله إلى الأجيال القادمة. إن مشروع الدكتور محمد حسين گمر ليس مجرد مشروع لتسجيل المقامات، بل محاولة لحفظ ذاكرة موسيقية عراقية تستحق البقاء، وخلاصة سنوات من البحث والعمل الأكاديمي والتسجيلات التي شاركت فيها أصوات مقامية كبيرة. وبعد خمسة عشر عاماً من المطالبة بدعمه داخل العراق، آن الأوان لأن ينتقل الاهتمام من الاعتراف بقيمته إلى العمل الجاد على استكماله وحفظ نتائجه، الوطن لايُقاس  بما يملكه من ثروات فحسب، بل بما تحافظ عليه من هوية وإرث ثقافي. والمقام العراقي واحد من هذه الكنوز التي لا يجوز أن نكتفي بالفخر بها، بينما يظل مشروع توثيقها ينتظر من يتبناه.

المشـاهدات 104   تاريخ الإضافـة 20/10/2026   رقم المحتوى 72975
أضف تقييـم