علاج المرض لا الأعراض..أزمة الدولار في العراق بين المعالجة النقدية والإصلاح الهيكلي
![]() |
| علاج المرض لا الأعراض..أزمة الدولار في العراق بين المعالجة النقدية والإصلاح الهيكلي |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د. احمد آل حميد |
| النـص :
عاد ملف سعر الصرف في العراق إلى صدارة المشهد الاقتصادي، بعد تعديل السعر الرسمي لصرف الدولار إلى 1520 ديناراً، وسط ضغوط مالية متزايدة وعجزٍ في الموازنة تجاوز 26 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي. ومع تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز 1600 دينار، يتضح أن تعديل سعر الصرف، مهما كانت مبرراته المالية، لا يفي لمعالجة أزمة تتجاوز حدود السوق النقدية إلى اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد العراقي.فالمشكلة ليست في سعر الصرف وحده، بل في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على العوائد النفطية، ونفقات حكومية متزايدة، وقاعدة إنتاجية محلية لا تزال عاجزة عن تلبية جزء كبير من احتياجات السوق. ويأتي هذا كله في ظل وضع إقليمي مضطرب، حيث أدت الحرب في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز إلى تراجع الصادرات النفطية، إذ تُقدَّر الخسائر الاقتصادية التي تكبدها العراق جراء الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بنحو 60 مليار دولار. كما أن اعتماد العراق على قنوات مالية خارجية لإدارة جانب مهم من معاملاته بالدولار يجعله متأثراً بالقيود والضوابط الدولية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مرونة القرار النقدي وقدرة الدولة على إدارة مواردها الخارجية، أي إن الأزمة، وإن كانت جذورها داخلية، فإن فصولها الأخيرة تُدار جزئياً من خارج الحدود.إن تراجع الإيرادات النفطية يضع الحكومة أمام ضغوط متزايدة لتغطية التزاماتها، لكن اللجوء إلى تعديل سعر الصرف للحصول على دنانير أكثر مقابل الإيرادات الدولارية لا يخلق ثروة جديدة، بل ينقل جزءاً من كلفة الأزمة إلى المواطن من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية. وتزداد هشاشة هذا النموذج مع استمرار الاعتماد على الاستيراد وضعف الإيرادات غير النفطية، إذ مثّلت الإيرادات النفطية نحو 78% من إجمالي الإيرادات الفعلية خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026. وهنا تتضح المشكلة الحقيقية: اقتصادٌ تتأثر موارده بقرارات وأسواق خارجية، بينما تبقى احتياجاته المحلية والتزاماته الحكومية مرتفعة.وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين احتياطيات البنك المركزي والتزامات الموازنة العامة، فالاحتياطيات الأجنبية تمثل دعامة للاستقرار النقدي وتمويل التجارة الخارجية، لكنها لاينبغي ان تكون أموالاً متاحة للحكومة لتغطية نفقاتها مباشرة، ولا يمكنها وحدها معالجة العجز المالي. كما أن الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي لا تعكس مجرد اختلاف في الأرقام، بل ترتبط بقدرة النظام المصرفي على توفير الدولار للتجارة المشروعة، وباعتماد في قنوات التحويل الرسمية، وبالضغوط على الطلب في السوق. لذلك، فإن حماية استقلالية البنك المركزي، وتطوير المصارف، وتسهيل التحويلات المشروعة، وتعزيز الدفع الإلكتروني، تمثل خطوات مهمة، لكنها لن تحقق نتائج مستدامة ما لم تترافق مع إصلاح مالي واداري حقيقي.أما المواطن، فهو الحلقة الأكثر تأثراً بهذه الاختلالات، إذ ينعكس ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية على كلفة استيراد الغذاء والدواء والمواد الأولية، وقد يمتد إلى أسعار المنتجات المحلية التي تعتمد على مدخلات مستوردة. ومع ثبات الدخول أو نموها بمعدلات أقل من معدلات ارتفاع الأسعار، تتراجع القدرة الشرائية وتتزايد الأعباء على الفئات محدودة الدخل والطبقة الوسطى. ولهذا، لا ينبغي قياس نجاح السياسة المالية والنقدية بقدرتها على تقليص العجز أو زيادة الإيرادات بالدينار فحسب، بل بمدى قدرتها على حماية مستوى المعيشة والحد من انتقال كلفة الإصلاح إلى المواطنين.إن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى إصلاحات هيكلية متكاملة. ويبدأ ذلك بتنويع مصادر الدخل عبر دعم الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويوفر فرص العمل. كما يتطلب ترشيد النفقات التشغيلية غير الضرورية، ورفع كفاءة التحصيل الضريبي والجمركي، ومكافحة التهرب والفساد، مع الحفاظ على الرواتب الأساسية وشبكات الحماية الاجتماعية. وإلى جانب ذلك، ينبغي تعزيز استقلالية البنك المركزي وتحديث النظام المصرفي، وبناء صندوق سيادي يخضع لقواعد واضحة وشفافة لتوظيف جزء من الفوائض النفطية في مواجهة الأزمات، بدلاً من الارتهان للمعالجات الآنية غير المدروسة.إن تعديل سعر الصرف قد يمنح الموازنة متنفساً مالياً مؤقتاً، لكنه لا يمثل بديلاً عن اقتصاد منتج وإدارة رشيدة للمال العام. فالاستقرار النقدي المستدام لا يتحقق بقرار منفرد، ولا بمجرد امتلاك احتياطيات أجنبية كبيرة، بل بقدرة الدولة على تنويع مواردها، وضبط إنفاقها، وبناء مؤسسات فعالة تحمي الاقتصاد والمجتمع من الصدمات. فالسؤال الحقيقي ليس كيف نوفر المزيد من الدنانير للخزينة، بل كيف نبني اقتصاداً لا يدفع المواطن ثمن اختلالاته كلما تراجعت موارده النفطية. |
| المشـاهدات 207 تاريخ الإضافـة 19/10/2026 رقم المحتوى 72966 |
توقيـت بغداد









