الثلاثاء 2021/9/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.95 مئويـة
نيوز بار
قراءة في ‏واقع التجارة الخارجية في العراق
قراءة في ‏واقع التجارة الخارجية في العراق
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د.حيدر عبدالامير الغريباوي
النـص :

ترتبط التجارة الخارجية بشكل وثيق بقوة الاقتصاد وضعفه، بمعنى إن آثارها تكون ‏مُستمدة من الاقتصاد وكلما يكون الاقتصاد قوياً ستكون آثار التجارة الخارجية ‏إيجابية، وكلما يكون الاقتصاد ضعيفاً ستكون آثار التجارة الخارجية سلبية‎.‎حيث تعد التجارة الخارجية مؤشراً جوهريا للقدرة الإنتاجية التنافسية ومعياراً لتطور ‏البلدان وتوازنها، والتي من خلالها تطل على العالم الخارجي فيتم التفاعل بين ‏محيطين أو أكثر سواء كان إقليمي أم دولي، ويرتبط هذا المؤشر بالإمكانات ‏الإنتاجية المتاحة وقدرة البلد على التصدير والاستيراد وانعكاس ذلك على رصيده ‏من العمالة وما لذلك من اثأر على الميزان التجاري.‏ويلاحظ إتباع التجارة الخارجية في العراق سياسة عدم التمييز أو الباب المفتوح ‏على مصراعيه في ظل انفتاح اقتصادي غير مدروس، رافقها ارتفاع العائدات من ‏تصدير النفط الخام والمواد الأولية، وتلك أسهمت في نشوء نمط حياة استهلاكية ‏جديدة غادر فيها الفرد ظاهرة الادخار وتوجه نحو الصرف والإسراف الاستهلاكي، ‏وتحولت السوق المحلية إلى سوق لتصريف شتى أنواع العالمات التجارية التي ال ‏تنطبق عليها مواصفات نظام الجودة العالمي‎ ISO )‎‏)، واستشرت فيها ظاهر ة ‏الغش التجاري دون وجود قانون فاعل ينظم العالقة بين المنتج والمستهلك ويوفر ‏الحماية للمستهلك ان وقوع التجارة الخارجية بما يمكّن تسميتهُ بـ (فخ الاستيرادات)، الذي تهيّأت لهُ ‏الظروف والعوامل الساندة التي جعلت من الاقتصاد العراقي، اقتصاداً ريعياً بامتياز، ‏لم تُشكّل فيه مساهمة قطاع الصناعة التحويلية سوى نسبة 1,5%  والقطاع ‏الزراعي نحو 5%  من الناتج المحلي الاجمالي، مما يحتم توفير الدعم اللازم ‏للقطاع الخاص وتفعيل شراكتهُ مع الدولة لتطوير المنتجات المحلية وتعزيز قدرتها ‏التنافسية، والتحوّل نحو التصدير للأسواق الخارجية بما يُسهم في بناء علاقات ‏تجارية متكافئة مع دول المنطقة تقوم على أساس الاستيراد والتصدير من ‏المنتجات الصناعية والزراعية، وتعديل المسار الخاطئ للتجارة الخارجية للعراق ‏التي ما تزال معتمدةً على الاستيرادات من السلع والمواد المختلفة مقابل صادرات ‏من النفط الخام التي تزيد نسبتُها عن 99%  من اجمالي الصادرات العراقية‎ .‎وعند قراءة ممعنة للتجارة الخارجية يظهر بوضوح هيمنة الصادرات النفطية على ‏النشاط التصديري، فقد تجاوزت الصادرات النفطية 98% من مجموع الصادرات، ‏وتراوحت باقي الصادرات بين 1% و2% من مجموع الصادرات مما يعني غياب ‏شبه كامل لهذا النشاط، وبالمقابل تركز الاستيراد على السلع الاستهلاكية وغياب ‏السلع الإنتاجية ومستلزمات الإنتاج، ويؤشر ذلك غياب الاستثمار المحلي ‏والأجنبي المباشر في العراق فلم يؤشر تدفقا داخلا ولا رصيدا متراكما للاستثمار ‏الأجنبي المباشر‎ . ‎إن الوقوف على حقيقة التجارة الخارجية يظهر أمرا بالغ الخطورة مضمونه ‏الاعتماد كليَّا على الإيرادات النفطية، وتكمن وراء ذلك دلالات اقتصادية عميقة ‏أهمها إن الاقتصاد العراقي بات دالة لسوق النفط، وهذا ما انعكس فعلا منذ ‏منتصف 2014 حالما انخفضت أسعار النفط عندها دخل العراق في نفق الأزمة ‏المالية، كذلك عند تطبيق مؤشر هرفندل وهيرشمان على التصدير يتبين أنه في ‏ظل غياب أية صادرات ضمن هيكل الصادرات العراقية وهيمنة النفط بوصفه السلعة ‏الرئيسية المصدرة فالنتيجة التي يمكن الخروج منها للمؤشر ستكون أقرب إلى ‏الواحد الصحيح لتعني غياب التنويع بالكامل في الصادرات، فغياب استراتيجية ‏التنويع الاقتصادي سواء في الإنتاج أو التجارة الخارجية وغياب الاستثمار الأجنبي ‏المباشر يقف وراءها العديد من الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية والتي ‏عجزت الحكومة عن معالجتها.‏‏ ولما كانت أسعار النفط دالة لمتغيرات سوقية وتذبذبات يومية، وقد تكون تغيرات ‏سنوية أو دورات سوقية هذا يعني تذبذب الإيرادات وتقلبها في كل الآجال القصيرة ‏والمتوسطة والطويلة مما يعني بأن العراق سيكون أمام حالتين: الحالة الأولى ‏إيرادات متذبذبة والتزامات ومستحقات ثابتة فيقود لعجز في الموازنة، والحالة ‏الثانية  تراكم العجز ليقود لمشكلة سيولة تتمثل بعدم قدرة العراق على سداد ‏التزاماته ومستحقاته يوما بيوم وشهر بشهر وسنة بسنة وعند تحليل الميزان التجاري في العراق بمعزل عن الصادرات النفطية نشخص حجم ‏الاخطار التي تهدد عملية التنمية في حال انخفاض أسعار النفط أو حتى نضوبه ‏مما يشير الى اختلال هيكلي في قطاعات الإنتاج وعن قصور الطاقات الإنتاجية ‏عن تلبية حاجات المجتمع وتبعية للسوق الخارجية واعتماد على تصدير النفط ‏الخام واستيراد المواد والسلع الجاهزة‎ .‎إن أُحادية الهيكل السلعي للصادرات مقابل تعدد الهيكل السلعي للاستيرادات جعل ‏الاقتصاد العراقي يتأثر بالأزمات المالية العالمية تأثراً شديداً ينعكس سلباً على ‏كافة المؤشرات والمتغيرات الاقتصادية، إن للسياسات الحكومية المتبعة منذ عام ‏‏2017, والمتضمنة ترشيد الإنفاق الحكومي ودعم الزراعة وتحقيق الاكتفاء ‏الذاتي لمحصول الحنطة ومنع استيرادها, كان لها أثراً إيجابياً بالغ الأَهمية ‏بتحقيق العراق أَعلى فائضاً في الميزان التجاري.‏يذكر أن الميزان التجاري مع النفط لا يظهر عجزا تجاريا في التجارة الخارجية، ‏ولكن الميزان التجاري بدون النفط سيكون يعاني من عجز دائم منذ 1950  ‏ولغاية الآن، وهذا العجز في الميزان التجاري ناتج عن اعتماد الاقتصاد العراقي ‏على قطاع النفط وترك بقية القطاعات الاقتصادية متخلفة ولا تستطيع أن تزيل هذا ‏العجز‎ .‎ان قطاع التصدير والذي يعد ابرز قطاعات الاقتصاد العراقي، والذي يعتمد بنحٍو ‏أساس على تصدير النفط الخام والمواد الأولية، خاضع للظروف السائدة في ‏السوق العالمية، وبذلك فان معدل نمو الاقتصاد العراقي يرتبط بهذه الظروف.‏علماً أن هيكل الصادرات السلعية في العراق يتسم بكونه هيكلاً مستقراً إذ اعتمد ‏بنحٍو أساس على تصدير الوقود المعدني ‏‎) ‎النفط الخام والمنتجات النفطية ‏والكبريت والفوسفات‎(‎‏ حيث شكلت فيه نسبة صادرات الوقود المعدني نحو 99% ‏وما تبقى منها عبارة عن مواد غذائية ومشروبات ومواد خام وبعض السلع ‏الصناعية وغيرها ، بعبارة أخرى يواجه العراق معضلة تركز صادراته السلعية ، إذ ‏يعتمد بنحو يشير إلى أن الاقتصاد كبير على تصدير الوقود المعدني دون السلع ‏الأخرى ، وتلك النسب ربما ت العراقي مصاب بمضاعفات المرض الهولندي‎ ‎‎(Dutch Disease).‎وبالاستناد إلى مؤشر تنوع الصادرات‎ (Diversification Index)‎الذي يقيس ‏انحراف حصة صادرات السلع الرئيسة لدولة معينة في إجمالي صادراتها عن حصة ‏الصادرات الوطنية لصادرات العراق ‏‎)‎إلى (0.876) في عام 2020 ، مما يدل ‏على تباعد هيكل صادرات العراق عن هيكل الصادرات العالمية‎ .‎‏ وينطبق الأمر ‏نفسه على مؤشر التركز‎ (Concentration Index )‎‏ الذي يقيس مستوى ‏التركز السوقي لحصة الدولة من الصادرات (أو الواردات) العالمية في سلعة أو ‏مجموعة سلعية محددة أو تنوعها بين أكثر من سلعة ومجموعة سلعية ، وتتراوح ‏درجة المؤشر ما بين (0) و (1) تشير القيم الدنيا للمؤشر إلى درجات تركز اقل ‏لكل من الصاد ارت أو الواردات ، فيما تشير القيم الأعلى إلى درجات تركز اكبر ، ‏إذ تبين ارتفاع (أو تدهور) قيمة هذا المؤشر لصادرات العراق الى إلى (0.972) ‏‎)‎وهو أعلى بكثير من المتوسط العالمي الذي يبلغ (0.075) ويعبر عن درجة ‏تركز عالية للصادرات ، ولعل العراق ال يشابه حتى نظرائه من الدول العربية ، ‏فدرجة التركز السلعي للصادرات في مصر لم تتجاوز (0.133) ويعبر ذلك عن ‏ضعف القاعدة الإنتاجية في العراق وعدم القدرة على استثمار المواد الخام ‏وتصنيعها ثم الخروج بها إلى الأسواق العالمية ، وكذلك خضوع اقتصاده لأخطار ‏التقلبات السريعة في أسواق النفط العالمية ، بالمقابل يعد العراق اقل الدول تنويعاً لصادراته حيث أدى التخلي عن المزارع ‏والمصانع خلال سنوات الصراع بعد 2003 إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للعراق ‏بشكل كبير‎.‎ ومما يزيد الوضع تعقيداً على الحدود، أن يحتفظ العراق بحكم الواقع بنظامين ‏كمركيين، أحدهما في اقليم كردستان  والآخر يغطي بقية البلاد. وتختلف جداول ‏التعريفة والإجراءات الحدودية بين المنطقتين. وقد بلغ الأمر أن تكون هناك نقاط ‏تفتيش داخلية على الطرق السريعة مما أدى إلى تثبيط حركة الشاحنات بين ‏المنطقتين‎.‎ واستناداً على ما تقدم واجه الاقتصاد العراقي انكماشا بواقع 12 بالمئة خلال العام ‏‏2020، كأكثر أعضاء "أوبك" تأثرا بجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، وصدمة ‏أسعار النفط،، ووفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي بعدما كشفت عنه جائحة ‏كورونا وصدمة أسعار النفط تبين مقدار ما خسره العراقيون في تعاملاتهم التجارية ‏وما ترتب عليه من تدهور في كافة مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ‏فالنظام التعليمي الذي كان تصنيفه في وقت من الأوقات قريباً من القمة بين ‏أقرانه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بات الآن قريباً من القعر، ومعدل ‏المشاركة في القوى العاملة في العراق يتعثَّر عند مستوى 42%، فضلاً عن ‏تسجيل العراق أحد أدنى معدلات مشاركة النساء في القوى العاملة في العالم.‏ حيث يواجه العراق الآن تدني مستويات رأس المال البشري، وتدهور مناخ ‏الأعمال، وأحد أعلى معدلات الفقر بين الشريحة العليا من البلدان متوسطة ‏الدخل‎. ‎ كذلك جاء في المذكرة الاقتصادية الجديدة للعراق التي أصدرها البنك الدولي بعنوان‎ ‎‏ ‏‏" النهوض من واقع الهشاشة" والتي تبحث أسباب عدم نجاح العراق في الإفلات ‏من شراك الهشاشة. كما تشرح المذكرة بالتفصيل كيف يمكن للعراق تحويل الأزمات ‏إلى فرص، وتنويع نشاطه الاقتصادي بعيداً عن قطاع النفط، وتحقيق نمو مستدام ‏في المستقبل. إلا أن التقرير الجديد يُشدِّد على أن ذلك سيتطلَّب الإصرار والمثابرة، ‏وأن العراق سيواجه قدراً كبيراً من عدم اليقين وهو يسعى إلى التغلُّب على تحدياته ‏التي طال أمدها، وتغيير الوضع القائم‎.‎‏ وبين بدوره ساروج كومار جها، المدير ‏الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي: "إن تنويع النشاط الاقتصادي من خلال ‏الإصلاح وتطوير القطاع الخاص أمر بالغ الأهمية للحد من التحديات المتعاقبة ‏التي يواجهها العراق‎. ‎وعلى الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية التي يواجهها العراق في الوقت ‏الراهن، ثمة ثلاثة مجالات للتركيز عليها يمكن أن تساعد على تحقيق تنويع ‏النشاط الاقتصادي، والنمو، والاستقرار:‏ الأولى، أن الحفاظ على السلام يمكن أن يكون في حد ذاته مُحرِّكا قويا للنمو. كان ‏متوسط نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في العراق في عام 2018 أقل ‏بمقدار الخمس عن المستوى الذي كان من الممكن تحقيقه لولا الصراع الذي بدأ ‏في عام 2014، وذلك في حين كان إجمالي الناتج المحلي للقطاع غير النفطي ‏أقل بمقدار الثلث. ‏ الثاني، استغلال الإمكانيات التصديرية للعراق للمساعدة في تنويع النشاط ‏الاقتصادي بعيدا عن إنتاج النفط، والاتجاه نحو التجارة والتكامل. ويتمتع العراق ‏بموقع جغرافي يؤهله أن يكون مركزا إقليميا للخدمات اللوجستية، ‏ والثالث، النهوض بالقطاع الزراعي في العراق ليصبح ركيزةً أساسية من ركائز ‏اقتصاد أكثر تنوعا يقوده القطاع الخاص، وتبنِّي أحدث التقنيات لتعظيم قدراته ‏التنافسية. ‏ فضلاً عن ما ذكر يجب تحديث الكمارك العراقية لتعزيز نزاهة الخدمة والمهنية، ‏وتبني الممارسات المثلى في سياسات تيسير التجارة من خلال اتباع نهج الحكومة ‏الواحدة وتنسيق ومواءمة السياسات بين جميع دوائر التفتيش على الحدود، فضلاً ‏عن الحاجة الواضحة لتحسين مرافق إدارة الحدود، مع تبسيط ورقمنه عمليات ‏الإجراءات التجارية من خلال الاستخدام المناسب لتكنولوجيا التجارة، ‏ويمكن  للتقنيات الحديثة لإدارة المخاطر أن تجعل عمليات تفتيش البضائع أكثر ‏انتقائية وتسرّع التجارة على الحدود، وتمثل الجهود الأخيرة التي بذلتها الحكومة ‏لإعادة بسط سيطرة الدولة على المعابر الحدودية، وتقليص دور المجموعات ‏المسلحة علامة واعدة‎.‎ وينبغي ان نشير الى جانب ما تناولناه الى أهمية تفعيل التجارة الخارجية الزراعية ‏والتي تأتي من أن الزراعة تعد القطاع الرئيس في معظم اقتصاديات الدول النامية ‏وخصوصا غير النفطية، حيث تظهر إحصائيات منظمة التجارة العالمية إن الزراعة ‏تمثل أكثر من ثلث عائدات التصدير لحوالي خمسين دولة نامية‎.‎

المشـاهدات 289   تاريخ الإضافـة 05/06/2021   رقم المحتوى 11336
أضف تقييـم