الأحد 2025/11/30 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 14.95 مئويـة
نيوز بار
ما أغفله تيري ايغلتون في "الفلسفة الظاهراتية" ومحيط إنتاجها في ألمانية
ما أغفله تيري ايغلتون في "الفلسفة الظاهراتية" ومحيط إنتاجها في ألمانية
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

مؤيد عليوي

كما تقدم في مناقشة الورقة النقدية الموسومة ب " الشكلانيون الروس والعهد الفيكتوري في كتاب "نظرية الأدب"، نقدم اليوم ورقة ثانية مكملة ومتصلة مع الورقة الأولى، للمناقشة من وجهة نظر ثانية مخالفة لوجهة نظر تيري ايغلتون مؤلف كتاب " نظرية الادب"، مكملة ومتصلة في التحليل الواقعي الموضوعي للإنتاج الأدبي ضمن هذه المناقشة واقصد المتلقي أيضا يشترك في المناقشة، دون النظر إلى ايديولوجيا محددة بعينها،  لكي نرى الموضوعي في النقد الأدبي كما هو دون غشاوة الفكرة المسبقة التي وقع فيها مؤلف كتاب تيري ايغلتون موظفا لغة طبقية تشبه لغة لينين الثورية السياسية، بينما المسألة هنا أدبية ونقد أدبي، وتحتاج الى لغة هادئة تنتج عن تفكير علمي موضوعي بعيدا عن الذاتية التي كتب بها المؤلف متأثرا بالتفكير الثوري في الانحياز الى التفكير المادي اللينيني الذي دفع المؤلف للكتابة بلغة العاطفة العمالية الثورية عند لينين.

السؤال لماذا مرّ تيري ايغلتون مرور الكرام في صفحة واحدة على الواقع اليومي لمجتمع المانيا دون ذكر اهم التفاصيل التي اثرت في إنتاج" الفلسفة الظاهراتية " بعد الحرب العالمية الأولى ؟

أذ قدم تيري ايغلتون في بداية الفصل الثاني ص ٩٣ – في هذه صفحة فقط - الظروف الاقتصادية الاجتماعية والسياسية التي سادت مجتمع المانيا واوربا، بعد الحرب العالمية الاولى ولنا في هذا مورد مهم لتحليل ومناقشة  "الظاهراتية " والاسباب العلمية والموضوعية التي أدت إلى ظهورها على يد ادموند هسِّرل، إذ جاء في مقدمة الفصل الثاني في تلك الصفحة الوحيدة ص ٩٤  : ( في عام ١٩١٨ ،كانت أوربا طريحة بين الانقاض ، وقد دمرتها اسوأ حرب في التاريخ ، وفي اعقاب تلك الكارثة ، اندفعت موجة الثورات الاشتراكية عبرت القارة : حيث شهدت الاعوام حول ١٩٢٠ انتفاضة سبارتاكيين في برلين ، والاضراب العام في فيينا ، وقيام مجالس العمال في ميونخ وبودابست .. أما الايديولوجيات التي كان يعتمد عليها ذلك النظام في العادة ، والقيم الثقافية التي كان يحكم بواسطتها فقد وقعت في اضطراب عميق)-١- ثم يوضح المؤلف أن تلك الانتفاضات انتهت بالعنف السلطوي لقوى رأسمال الحاكم حتى يشرح الجانب الثقافي في تلك المرحلة  فيأخذ تيري ايغلتون بلغته الواصفة للمنابع الثقافية عند في أوربا لتلك المرحلة وصفا ثوريا كما تقدم بأن سلطة النظام الرأسمالي  في اوربا ومنها المانيا تحديدا تعتمد على فلسفة مثالية بالضد من الماركسية كماهي لغة لينين عندما يخطب في الجماهير كما في الاقتباس (  أما الايديولوجيات التي كان يعتمد عليها ذلك النظام في العادة ، والقيم الثقافية التي كان يحكم بواسطتها فقد وقعت في اضطراب عميق) وكأن السلطة الرأسمالية في ألمانيا لها تدخل في إنتاج "الفلسفة الظاهراتية"  كأن القضية مجموعة مصانع وللعمال حقوق والنظام السياسي يتدخل في ذلك بإيجاد البديل ؟! -وهنا لابّد من الإشارة الى السطور والكلمات هاهنا سوف تناقش الوضع في ألمانيا تحديداً – متناسيا تيري ايغلتون ان المانيا بلاد إنتاج الفلسفة وان المجتمع الالماني يبحث عن ذاته في انتاج "الفلسفة الظاهراتية المتعالية" على يد ادموند هسِّرل ، و"علم الظاهرات التأويلي "  لهايدغر فيما بعد ،

 ونعود أولا إلى الشأن الألماني والفلسفة في المجتمع آنذاك لكي نفهم حقيقة الموضوع او الجانب الموضوعي دون رتوش، منها الفلسفة التي لا تتفق ومبدأ الحرب العالمية الأولى بمعنى ضد الدول الرأسمالية الألمانية، والتي لها نتاج ادبي ونقدي ادبي  منه ما كتبته ونظّرة له روزا لوكسمبورغ وهي ماركسية وتجسد الثورة العمالية قبل الحرب العالمية الأولى – تختلف مع لينين في ثورته – وكانت تقف بوجه قرار البرلمان الألماني الرأسمالي الداعي الى الحرب العالمية الأولى، واستمرت بهذه المفاهيم بعد الحرب وانتهت حياة روزا لوكسمبورغ باغتيالها في برلين بعد فشل انتفاضة السبارتاكتيين  سنة ١٩١٩ ، لنرى هذا الصراع كما هو في بلد اهم سماته أنه ينتج الفلسفة ، وألمانيا البلد الصناعي المتطور تحكمه قوى رأسمالية وقد خسرت ألمانيا الحرب العالمية الأولى ، ومن الداخل تتحرك جموع العمال والثوريين الماركسيين من مثل روزا لوكسمبورغ و سبارتاكوس، بينما كان كارل كاوتسكي ينظّر للديمقراطية الإشتراكية في المجتمع الألماني وبها وقف بوجه فكرة الثورة البلشفية من أن دكتاتورية العمال أو حكم العمال يتحقق من خلال الديمقراطية والانتخابات والتراكم الكمي والنوعي للعمال وليس من خلال الثورة الدموية أو العنف الثوري كما حدث سنة ١٩١٧ في الاتحاد السوفيتي، الاختلاف على الوسيلة لبلوغ الغاية، فيما كانت فلسفة هيغل المثالية لا تأخذ حيزا مؤثرا في الواقع الفلسفي والادبي ، كان الاتحاد السوفيتي بقيادة لينين ايضا يمر بمرحلة صعبة، فتراجع الاخير عن قراره في قضية الإصلاح الزراعي سنة ١٩١٨ وعدل عنه الى سياسة النيب فيما بعد، بمعنى كما كانت سنوات ما حول ١٩٢٠ في الاتحاد السوفيتي مضطربة القرارات كما كانت سنوات ما حول ١٩٢٠ في ألمانيا مضطربة القرارات والمجتمع والثقافة كما يقول صديقي مؤلف كتاب " نظرية الادب" قيد المناقشة إذن نتفق ان اضطراب الاحوال السياسية في بلد ما تؤثر على الثقافة والفلسفة وإنتاجها ، مع اختلاف اسباب كل بلد بمعنى ان ظروف ألمانيا تختلف عن الاتحاد السوفيتي حتماً. .

أما  في مجتمع ألمانيا المتقدمة صناعياً وذات الأغلبية العمالية وفقراء الفلاحين والفلاحين الآخرين قيد المناقشة، فكانت محكومة بقبضة أصحاب رأسمال ،وقد عبر  تيري ايغلتون عن ذلك ( وبدت الفلسفة ممزقة )- ٢ -  ، لكن طريقة تقديم تيري ايغلتون للمادة الادبية هنا تبدو منزعجة من الفلسفة المثالية وعبارات مشحونة بالضد منها كأنه يستعمل اسلوب لينين في كتابته الإيديولوجية عن الماركسية وواقع الاتحاد السوفيتي الاقتصادي، فلم يَنظر مؤلف كتاب " نظرية الادب " الى الذي قدمته الفلسفة المثالية : " فلسفة الظاهراتية " في المانيا بعد مرحلة الحرب العالمية الاولى، وهو نتاج المحيط الاجتماعي  الخاسر في الحرب ولم تكن من السماء، ولم تكن بأمر السلطة الرأسمالية ، كما حاول تيري ايغلتون ان يضفي ذلك على مادته الادبية هاهنا ،لذلك ابتعد عن الشرح والتوضيح لبنية المجتمع  في انتاج الفلسفة مكتفيا برأيه الماركسي – اللينيني المُسبق ان السلطة الرأسمالية تمارس دورها في انتاج فسلفتها بالأمر قد يكون هذا في دول ومجتمعات اخرى، اذ القضية نسبية  ان يحدث هذا في ألمانيا بلد ينتج الفلسفة المختلفة فكتب ايغلتون ما كتبه في حقل الادب والنقد الأدبي وكأنه يكتب في حقل السياسية والاختلاف الأيديولوجي الفلسفي، أو في جريدة تدافع عن حقوق العمال، ولنلقي نظرة على المحيط الاجتماعي الألماني إذ في خضم تلك الاحداث وتعدد وجهات النظر الفلسفية للوضع الألماني عند المفكرين والمثقفين المختلفين المشارب الفكرية، في بلد  خسر حربا عالمية وفي داخله صراعا طبقيا واضحاً  يرافقه صراعا فلسفيا بين جهات يسارية مختلفة من جهة، وبين سلطة رأسمال ضد الحركة اليسارية كلها من جهة ثانية ،وصراعا نفسيا للشعب الألماني مع واقع خسارة الحرب وعليه تحمل عبء الخسارة، فاغلب الشعب الألماني يعيش حالة الانكسار النفسي موظفين وعمال وفلاحين وعسكريين  بسبب خسارة الحرب ولم تكن الفلسفة شأنه بل الجانب الوطني والاحساس بذا خسارة الحرب ،كان الجميع يعيش حالة الاضطراب العميق، ولم  تنجح روزا لوكسمبورغ  وانتفاضة سبارتاكيين في برلين ، ولا حكومة برلين الرأسمالية تجد حلاً لحالة الانكسار النفسي التي ضربت اعماق الالمان عموما، والمثقف الماني المثالي بيده القلم فقط ، والمثقف الماركسي تحاربه السلطة الرأسمالية خاصة بعد فشل انتفاضة سبارتاكيين العمالية،  فلم يذكر المؤلف كل هذا بل اختصره  في بداية هذا الفصل على نحو ما تقدم .

 إذ السؤال الموضوعي والفلسفي العقلي لجميع الأفكار ماذا يفعل القلم ؟! في تلك الظروف ؟ الجواب ما حصل هو انتاج "فلسفة الظاهراتية "  على يد ادموند هسِّرل، لأنها تبعد الإنسان الألماني عن التفكير بالأسباب والنتائج الإجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وكل ما له علاقة بالانكسار النفسي الذي يمر به الالمان كمجتمع خسر الحرب العالمية الأولى وقتذاك،  فيما اتبع هسرل خطوات سلفه المثالي فلسفيا ديكارت (أنا افكر انا موجود) بمعنى أن الظاهراتية  كانت موجهة لترميم داخل الفرد الألماني بوصف هسرل واحدا من المجتمع  وقد نقل تيري ايغلتون عن هذه المدة ما جاء به هسرل فيما بعد ) : كما كتب هسرل لاحقا في ازمة العلوم الاوربية (١٩٣٥) ، بين بربرية لا عقلانية من جهة أولى ، وولادة روحية جديدة عبر " علم للروح مكتف بذاته على نحو مطلق من الجهة الاخرى ) - ٣- وهنا نعود لماركس قليلاً الذي قال إن المحيط يؤثر في الإنسان وقيمه وثقافته ، فاذا غادرت الرأسمالية كفكر مثالي عند هسرل – وليس امر سلطوي - هذا المشروع الظاهراتي يكون ماركس مخطئا بما مرت من ظروف المحيط الألماني حول ١٩٢٠ ، وان عملت كما يريد تيري ايغلتون على ادب يتصل بمصالح الاغلبية العمالية فإنك ترى أن الرأسمالية غبية جدا وتعمق الاضطراب والانكسار النفسي عند المجتمع الالمان خاصة بعد فشل انتفاضة سبارتاكوس او كما صفها المترجم  ثائر الديب سبارتاكيين، ثم ماركس يصف الرأسمالية أنها ذكية جداً اذكى من عقل الاقطاعي الانكليزي ..

إذن لو لم يكن هسرل يكتب "علم الظاهرات"  وفلسفته المثالية هذه كنتيجة لعوامل المجتمع الألماني / المحيط الاجتماعي المُحبط ، كان يسكتبها غيره لحاجة الالمان لها ، ثم كتب هسرل ومعه ليفيس، وجاء بعدهما هايدغر صاحب " علم الظاهرات التأويلي " بذات المضمون الفلسفي المثالي الذي يبعث في الذات الإنسانية الامل ويداوي جراح الانكسار النفسي عند الالمان بعد الحرب العالمية الأولى، لكنها اختلف ب"التأويلي" هذا  عن "علم الظاهرات المتعالي" عند هسرل القائم على وعي متعالي ، إلا أن هايدغر التحق مع معسكر هتلر في الحرب العالمية الثانية .

 

أما فحوى" الظاهراتية  المتعالية" عند هسرل باختصار فإنه: الذات الموضوع واحد ، الظاهرة تأتي ولا تحتاج الى تأويل ، لا علاقة لخارج الكينونة بالظاهرة ، وحدة الذات والموضوع في "الظاهراتية " وثمة ملحوظة المترجم ثائر الديب يصفها مرة فلسفة مثالية ومرة "علم الظاهرات المتعالي " ، واذا أردنا مناقشة هذه الفلسفة نجدها تحث على عدم التفكير بالأسباب بل التوجه الى النتائج،التي تتجلى في عدم البحث عن اسباب الظاهرة من أين صارت أو من اين نتجت ولا تحتاج الى بحث أو تأويل، وهذا ما كان يحتاجه المجتمع الالماني لينهض من حالة الاحباط بعد خسارة الحرب ،

 

وفي الأدب أن النص هو ذات وهو الموضوع ولا علاقة لخارج النص بما في داخله نقطة رأس السطر، وربما هذا ما ازعج مزاج تيري ايغلتون بحسب مزاجه الذي يهدف إلى أن يكون النص متصل بالمجتمع ودون قطيعة في تحليله النقدي الادبي، مما جعله ينظر الى هذه المرحلة المهمة في الادب العالمي منذ عشرينات القرن الماضي على انها لا تتصل بواقع المجتمع وأنها بعيدة عن الاسباب والنتائج الواقعية وأنها ذهبت بالمثالية الى الذات المتعالية، لكن نرى في جوهر حركة النقد الادبي إن الظاهراتية مهدة لإنتاج البنيوية، فهذه الفكرة لوحدها : فكرة ان النص مغلق قائم بذاته هي التي مهدت للبنيوية وبعد البنيوية جاء ما بعدها ،ثم التفكيكية واستمرت عملية البناء التراكمي في النقدي الأدبي الى يومنا هذا ، إذ تأثر الشكلانيون الروس بالظاهراتية – الذين لهم الاثر الاكبر في البنيوية - كما تأثر غيرهم بالظاهراتية  ففي نظرية الادب نجد( وفي ميدان النقد الأدبي ، مارس علم الظاهرات بعض التأثير على الشكلانيين الروس، .. ومدرسة جنيف النقدية ..)- ٤ -، كما ساهم هسرل عندما جاء بعده هايدغر وكتب " علم الظاهرات التأويلي " ،ممهدا بذلك الى قضية تأويل النص التي كانت مقتصرة على نص الإنجيل،

 

 لكن نجح تيري ايغلتون في إيجاد ثغرة في النقد الظاهراتي المتعالي عندما تناول مفهوم اللغة في النقد الظاهراتي، اذ قال ( اللغة اجتماعية على نحو لا يمكن اجتثاثه ..)-٥- وهو يقصد أن اللغة لا تأتي من المثال ، أو الوعي المتعالي عند هسرل، بل تُكتسب نتيجة عيش الإنسان في مجتمع ما فيكتسب لغة ذلك المجتمع ولا توجد خصوصية فيها لهذا أو ذاك من البشر فيها ، ومن ذات النقطة هنا ان اللغة اجتماعية ، ومن البديهي ان اللغة وعاء الافكار والاخيرة اجتماعية ايضا كما اللغة وكلاهما يحدث بشروط موضوعية تنبع من الواقع ويوميات البشر وحالتهم النفسية ، وليس بقرار النظام السياسي كما كان يرى تيري ايغلتون ان السلطة وجهت بإنتاج الظاهراتية ، ودليل ذلك ان الحاجة النفسية عند الالمان كمجتمع يبحث عن تعويض خسارة الحرب العالمية الأولى ، ان هايدغر  وفلسفته " علم الظاهرات التأويلي "  صار جزءا من معسكر هتلر كما اغلب ألمانيا ، هتلر الذي أجاد توظيف ذلك الإحساس المحبط عن الألمان ، لصالحه عندما استنهض همة الالمان لتأييده برفعه شعار المانيا فوق الجميع فكسب فيها اغلب الالمان من خلال الجانب النفسي الحاجة الوطنية الالمانية لتعويض ذل خسارة الحرب، وهنا يكون هسرل قد كتب" الفلسفة الظاهراتية بواعز من فكره المثالي  وليس بأمر السلطة الرأسمالية كما اوحى بذلك تيري ايغلتون.

 

الهامش :

-   المصدر السابق ، نظرية الادب ، تيري ايغلتون ، طبعة المدى: ص ٩٣ .

-   ص ٩٣

٣ ـ ص ٩٤ .

٤      ص ١٠٠ .

٥      ص ١٠٢ .

المشـاهدات 12   تاريخ الإضافـة 30/11/2025   رقم المحتوى 68559
أضف تقييـم