الجمعة 2026/1/9 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 6.95 مئويـة
نيوز بار
حصر السلاح في العراق: لحظة الدولة بين منطق الشرعية وحدود القوة
حصر السلاح في العراق: لحظة الدولة بين منطق الشرعية وحدود القوة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب نوري حمدان
النـص :

 

 

 

تعيش الساحة العراقية مطلع عام 2026 لحظة مفصلية في ملف حصر السلاح بيد الدولة، بعد انتقال النقاش إلى أعلى المستويات القضائية والتنفيذية. يناقش هذا المقال أبعاد هذه اللحظة، وجدلية السيادة والشرعية، وحدود القوة، وإمكان تحوّل الخطاب السياسي إلى مسار فعلي لبناء الدولة.لم يعد الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة في العراق مجرّد شعار سياسي يُستدعى عند الأزمات، أو ورقة تفاوض تُستخدم لامتصاص الضغوط، بل دخل، مع الأيام الأولى من عام 2026، مرحلة مختلفة تماماً في بنيته ودلالاته. فالنقاش الذي ظل لسنوات محكوماً بالتردد والمناورة، انتقل فجأة إلى أعلى مستويات السلطة الدستورية، ليصبح اختباراً مباشراً لمعنى الدولة نفسها، وحدود قدرتها على التحول من كيان يدير التوازنات المسلحة إلى سلطة تحتكر القرار والقوة معاً.هذه اللحظة لا يمكن فصلها عن السياق الذي سبقها. فالعراق، منذ 2003، عاش تجربة فريدة في المنطقة، حيث تشكّل نظام سياسي تعددي في الشكل، لكنه استند عملياً إلى تعدد مراكز القوة. ومع كل أزمة أمنية أو سياسية، كان السلاح يخرج من الهامش إلى المتن، ويتحوّل من أداة استثنائية إلى عنصر دائم في المعادلة. هكذا نشأت دولة تتعايش مع ازدواج القوة، وتدير تناقضاتها عبر التسويات، لا عبر القانون.في هذا السياق، جاءت الدعوات السابقة إلى حصر السلاح غالباً بوصفها تمنيات أخلاقية أو استجابات ظرفية لضغوط خارجية. لكنها نادراً ما ارتقت إلى مستوى المشروع الوطني المتكامل. الجديد اليوم أن الخطاب لم يصدر فقط عن السلطة التنفيذية، ولا عن أطراف سياسية، بل عن رأس السلطة القضائية، في توقيت محسوب، وبعد إعلان واضح بانتهاء المعركة العسكرية الكبرى ضد الإرهاب. هذه النقلة في الجهة والتوقيت هي ما يمنح اللحظة الراهنة وزنها الاستثنائي.عندما يعلن رئيس مجلس القضاء الأعلى أن الحاجة انتفت لوجود السلاح خارج إطار الدولة، فهو لا يقدّم رأياً سياسياً، بل يضع تعريفاً قانونياً للمرحلة. فالقضاء، بحكم موقعه، لا يناور ولا يساوم، بل يحدد الإطار الذي تُقاس داخله شرعية الأفعال. ومن هنا، فإن الخطاب الذي ربط بين النصر العسكري والانتقال إلى بناء الدولة، أعاد ترتيب الأولويات: لم يعد السلاح عنواناً للوفاء للتضحيات، بل أصبح الالتزام بالقانون هو التعبير الأعلى عن هذا الوفاء.الأهمية التحليلية لهذا الخطاب تكمن في أنه سحب من يد الفصائل المسلحة ورقة «الضرورة الدائمة». فحين يُقال إن المعركة انتهت، فإن استمرار السلاح خارج الدولة يتحوّل من ضرورة وطنية إلى إشكالية سياسية وقانونية. وحين يُقال إن التحديات الجديدة تتطلب سلاحاً من نوع آخر، فإن منطق القوة يُستبدل بمنطق المؤسسات. هذا التحول في اللغة ليس تفصيلاً، بل هو محاولة لإعادة صياغة الوعي العام حول مفهوم الأمن والدولة.غير أن القضاء، مهما بلغت قوة خطابه، لا يستطيع وحده إنجاز التحول. هنا يأتي دور السلطة التنفيذية، التي حاولت أن تمنح هذه الدعوة غطاءً سياسياً واضحاً. تأكيد رئيس مجلس الوزراء أن حصر السلاح قرار عراقي صوّت عليه البرلمان بالإجماع، وأنه جزء أصيل من البرنامج الحكومي، يعني أن الملف لم يعد معلقاً في المنطقة الرمادية بين الرغبة والعجز. لكنه، في الوقت نفسه، يضع الحكومة أمام استحقاق بالغ التعقيد: كيف تُنفّذ قراراً يمسّ جوهر توازنات قامت عليها العملية السياسية نفسها؟الخطاب الحكومي سعى إلى نزع البعد الاتهامي عن هذا القرار، سواء من جهة اعتباره استهدافاً لفصائل بعينها، أو من جهة تصويره استجابة لإملاءات خارجية. وبدلاً من ذلك، قُدِّم حصر السلاح بوصفه إجراءً وقائياً لحماية العراق، ومنع تحويله إلى ساحة صراع بالوكالة. هذا التأطير مهم سياسياً، لأنه يحاول كسب الرأي العام، لكنه لا يحل المعضلة الأساسية: كيف يمكن تحويل الإجماع البرلماني والخطاب الوطني إلى ممارسة فعلية في ظل رفض صريح من قوى مسلحة نافذة؟هنا تتكشّف الهوة بين الخطاب والواقع. فالمواقف التي صدرت عن الفصائل المسلحة أظهرت بوضوح أن الإجماع المعلن لا يعكس وحدة حقيقية في الرؤية. بعض الفصائل أبدت استعداداً للانتقال إلى العمل السياسي الكامل، وربطت ذلك بانتهاء الحاجة الوطنية للسلاح. هذا الموقف، بغض النظر عن دوافعه، يعكس إدراكاً بأن استمرار العمل المسلح بات عبئاً سياسياً، لا رصيداً. في المقابل، تمسّكت فصائل أخرى بمنطق الشروط المسبقة، واعتبرت السلاح خطاً أحمر لا يُناقش قبل تحقيق «السيادة الكاملة» وإنهاء كل أشكال الوجود الأجنبي.هذا التباين ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جوهر الأزمة. فالسؤال هنا لا يتعلق فقط بموعد نزع السلاح، بل بتعريف السيادة نفسها. هل السيادة هي احتكار الدولة للقوة، أم قدرتها على التعايش مع قوى مسلحة تحت عناوين وطنية؟ وهل يمكن لدولة أن تُنجز سيادتها فيما قرار الحرب والسلم موزّع بين أكثر من جهة؟من الناحية التحليلية، يعكس خطاب «السلاح المقدّس» انتقال السلاح من كونه أداة إلى كونه هوية. وحين يصبح السلاح هوية، فإن التخلي عنه يُقرأ بوصفه تخلياً عن الدور والشرعية. وهذا ما يجعل أي نقاش تقني حول الآليات أو الجداول الزمنية نقاشاً قاصراً. فالمسألة في جوهرها تتعلق بإعادة تعريف الدور السياسي للفصائل، لا فقط بمصير ترسانتها.في هذا السياق، لا يمكن تجاهل العامل الخارجي، ولا سيما الضغط الأميركي المتزايد. لكن اختزال الملف في كونه نتيجة لهذا الضغط يقدّم قراءة مريحة، لا دقيقة. فالولايات المتحدة تضغط، نعم، لكنها تفعل ذلك لأنها ترى في ازدواج القوة عائقاً دائماً أمام الاستقرار، وليس لأنها معنية بتفاصيل التوازنات الداخلية العراقية. والأهم أن هذا الضغط لا يخلق الأزمة، بل يستثمرها. فالدولة التي تمتلك قرارها لا تُفرض عليها شروط، بل تفاوض من موقع الندّية.المفارقة أن كثيراً من الحجج التي تُستخدم لرفض حصر السلاح باسم السيادة، تؤدي عملياً إلى إضعاف هذه السيادة. فالدولة التي لا تحتكر القوة تصبح وسيطاً بين قوى متنافسة، لا سلطة فوقها. والقانون الذي يُطبَّق بانتقائية يفقد صفته الإلزامية، ويتحوّل إلى أداة تفاوض. وهنا، تتآكل فكرة الدولة من الداخل، حتى من دون تدخل خارجي مباشر.إن حصر السلاح، في جوهره، ليس إجراءً أمنياً ولا تسوية سياسية، بل إعادة تأسيس للعقد الاجتماعي. فالدولة الحديثة، في أي تجربة تاريخية، قامت على احتكار العنف المشروع، وعلى تحويل القوة من ملكية خاصة إلى وظيفة عامة. وكل استثناء دائم من هذا المبدأ ينتج دولة منقوصة، عاجزة عن حماية مواطنيها، أو عن فرض قواعد عادلة للجميع.ما يواجهه العراق اليوم هو لحظة مفصلية لأن عناصر التحول متوافرة نظرياً: خطاب قضائي واضح، غطاء حكومي وبرلماني، دعم شعبي، وإدراك إقليمي ودولي بأن استقرار العراق مصلحة مشتركة. لكن هذه العناصر قد تتحوّل، إذا لم تُستثمر، إلى عبء إضافي، يراكم الإحباط ويعمّق الشك في جدوى الدولة.الخطر الأكبر لا يكمن في فشل حصر السلاح فحسب، بل في تحويله إلى شعار آخر يُضاف إلى أرشيف الشعارات غير المنجزة. فكل مرة يُرفع فيها هذا العنوان من دون نتائج، تتآكل ثقة المجتمع بالدولة، ويترسّخ الاعتقاد بأن القوة هي اللغة الوحيدة الفاعلة. وعندها، لا يعود السؤال: متى يُحصر السلاح؟ بل: هل ما زالت الدولة قادرة على فرض أي قرار مصيري؟في النهاية، ما يجري اليوم ليس صراعاً بين الدولة والفصائل، ولا بين الداخل والخارج، بل صراع بين نموذجين: نموذج دولة تحتكر القرار وتحتكم إلى القانون، ونموذج نظام سياسي يتعايش مع تعدد القوة ويؤجّل الحسم إلى أجل غير معلوم. حسم هذا الصراع لا يتم بالخطابات وحدها، بل بإرادة سياسية تتحمّل الكلفة، وبمسار تدريجي واضح لا يساوم على المبدأ.الدولة لا تُبنى دفعة واحدة، لكنها أيضاً لا تُبنى من دون قرار. وحصر السلاح ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فإذا نجح العراق في تحويل هذه اللحظة إلى مسار، يكون قد وضع قدمه على عتبة الدولة الفعلية. أما إذا ضاعت اللحظة، فسيبقى يدور في الحلقة ذاتها، مهما تغيّرت العناوين وتبدّلت الخطابات.

المشـاهدات 60   تاريخ الإضافـة 07/01/2026   رقم المحتوى 69608
أضف تقييـم