الشعر بوصفه أداة مساءلة وجودية: قراءة ذرائعية في قصيدة «ظلالٌ تائهة»![]() |
| الشعر بوصفه أداة مساءلة وجودية: قراءة ذرائعية في قصيدة «ظلالٌ تائهة» |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
هيثم محسن الجاسم
"النص: من قصيدة (ظلالٌ تائهة) المكتوبة أواخر عام ٢٠٠٣ عمر السراي آنستُ نارا فيا (موسى) قُمِ اتَّقدِ واجرح شظاياك، وارسمها على جسدي حين اندلقتَ كفوفُ الله في ولهٍ قامت لجمعكَ، أين الله من بلدي؟ وأينهُ من شياطينٍ تُزلِّقُنا في وحي غربةِ أسفارٍ ومعتقَدِ أدقُّ خيمة ترحالي على سُحُبٍ من السراب فتلهو الريحُ في وتدي تبّت يداي، ففي قلبي أبو لهبٍ لكنَّ زوجي تلفُّ الحبل حول يدي ترنو لصفر يساري كيف تنقله إلى اليمين لعلَّ الصفر من مســـدِ قفي وفقري فيا ثالوث غربتنا لا تخبري الناس، ما في الكون من أحدِ" المقدمة لا يُقارب المنهج النقدي الذرائعي النصّ الشعري بوصفه بنية جمالية مكتفية بذاتها، ولا باعتباره انفعالًا ذاتيًا معزولًا عن شروطه التاريخية والمعرفية، بل ينظر إليه على أنه كائن دلالي وظيفي، أُنتج ليؤدي فعلًا في الوعي، ويُسهم في مساءلة الواقع، وكشف اختلالاته، وتحريك أسئلة الإنسان الكبرى في الوجود والعدالة والمعنى. وانطلاقًا من هذا التصور، تُقرأ القصيدة الشعرية لا من زاوية الزخرف البلاغي أو الانفعال العاطفي فحسب، بل من حيث قصدها المعرفي، ووظيفتها الذرائعية، ونظامها الرمزي، وطاقتها التأويلية، أي من حيث ما تصنعه في المتلقي، وما تقترحه من أسئلة، وما تفتحه من أفق دلالي يتجاوز لحظة القول إلى أثره المستمر. وتأتي قصيدة «ظلالٌ تائهة» للشاعر عمر السراي نموذجًا دالًا على هذا النوع من الشعر الذي يتوسل الرمز الديني والموروث الثقافي لا بوصفه مسلَّمات نهائية، بل باعتباره مادةً قابلة لإعادة التوظيف النقدي، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة احتجاج معرفي، وسؤال مفتوح عن الغياب، والخذلان، والتيه الوجودي، في سياق تاريخي مضطرب أنتج ذاتًا مأزومة تبحث عن معنى في عالم متشظٍّ. تهدف هذه القراءة إلى مقاربة النص وفق آليات المنهج النقدي الذرائعي، عبر تفكيك مستوياته المقاصدية والرمزية والنسقية، للكشف عن طبيعة الشعر الذي لا يكتفي بوصف الألم، بل يستخدم اللغة كأداة مساءلة، وكفعل مقاومة معرفية، وكوسيط لإعادة بناء الوعي، بعيدًا عن القراءة الانطباعية أو الأحكام الجاهزة. أولاً: التوصيف الذرائعي العام للنص: النص الشعري المقتبس من قصيدة «ظلالٌ تائهة» (2003)، يندرج ذرائعيًا ضمن شعر الوعي الاغترابي الرمزي ذي الحمولة المعرفية العالية، حيث لا يتعامل مع الشعر بوصفه انفعالًا ذاتيًا معزولًا، بل بوصفه: أداة كشف معرفي، ووسيلة مساءلة وجودية، ومنظومة دلالية تتفاعل مع الواقع التاريخي والسياسي والميتافيزيقي. في المنهج الذرائعي، لا يُقرأ النص على مستوى الجماليات فقط، بل على مستوى الوظيفة، القصد، الأثر، وموقعه من أسئلة الإنسان والوجود. ثانياً: المدخل المقاصدي: (لماذا كُتب النص؟) القصدية في هذا النص ليست وجدانية خالصة، بل مركّبة من ثلاثة مستويات: قصد معرفي: مساءلة العلاقة بين الإنسان، الإله، الوطن، والقدر. قصد احتجاجي: الاعتراض على الغياب الإلهي/العدلي في واقع الانهيار. قصد تفكيكي: تفكيك الخطاب الديني الموروث عبر إعادة توظيف رموزه. القصيدة لا تبحث عن الله، بل تحاكم فكرة الغياب، والخذلان، والوساطة الرمزية بين المقدّس والواقع. ثالثاً: المدخل الرمزي: (إعادة توظيف الموروث) 1. الرمز الموسوي: «آنستُ نارًا فيا (موسى) قُمِ اتَّقدِ» النار هنا ليست هداية كما في النص القرآني، بل: نار قلق ،نار احتجاج ،نار استدعاء فاشل للخلاص. موسى يُستدعى لا بوصفه نبيًّا، بل كاستعارة لإنسان ينتظر الوحي ولا يأتيه. 2. الرمز الإلهي: «حين اندلقتَ كفوفُ الله في ولهٍ / قامت لجمعكَ، أين الله من بلدي؟» الذرائعية ترى تشخيصًا صادمًا للمطلق. وانقلابًا في علاقة العبد بالإله. سؤالًا أخلاقيًا لا عقديًا السؤال ليس إنكاريًا فقط، بل ذرائعيا: أين موقع العدالة الإلهية من الجغرافيا المنكوبة؟ 3. شياطين الغربة: «شياطينٍ تُزلِّقُنا / في وحي غربةِ أسفارٍ ومعتقدِ» الشياطين ليست ميتافيزيقية، بل أنظمة وأفكار وخطابات ومعتقدات مهاجرة. هنا تتحول الغربة إلى وحي بديل، وهو انقلاب معرفي شديد الخطورة. رابعاً: مدخل التلقي: (من يخاطب النص؟) النص لا يخاطب قارئًا محايدًا، بل قارئًا مجروحًا وشريكًا في الاغتراب ومثقلاً بالأسئلة. الجمل الاستفهامية (أين الله؟ وأينه؟) ليست طلبًا للجواب، بل إشراكًا للمتلقي في المأزق. خامساً: المدخل النسقي: (البنية الداخلية) 1. نسق التيه «أدقُّ خيمة ترحالي على سُحُبٍ / من السراب» الخيمة (الاستقرار المؤقت) تُنصب على سحاب او سراب، أي أن النسق الوجودي هشّ بالكامل. 2. نسق الانكسار الذاتي «تبّت يداي، ففي قلبي أبو لهبٍ» الذات تتحول إلى خصم ومحكمة نص ديني مضاد وهذا من أعلى درجات الجرأة الرمزية في الشعر العربي المعاصر. 3. نسق العجز العددي «ترنو لصفر يساري كيف تنقله / إلى اليمين» الصفر هنا العدم والفقر واللاأثر. المعادلة الرياضية تتحول إلى معادلة وجودية فاشلة. سادساً: المدخل الجمالي الوظيفي: (الشعر كأداة) في الذرائعية: الجمال ليس غاية، بل وسيلة. وهنا الجمال: متوتر ومظلم وغير تصالحي. الصورة الشعرية لا تُجمِّل الألم، بل تُعرِّيه. سابعاً: نوع الشعر وفق المنهج الذرائعي: يمكن تصنيف النص بوصفه شعرًا ذرائعيًا ،احتجاجيًا معرفيًا ،لا يكتفي بالرمز، لا يهادن المقدس ولا يطمئن القارئ ولا يمنحه عزاءً سهلاً. اخيرا ؛هذا النص لا يُقرأ قراءة ذوقية ولا يُختزل في الرمزية ولا يُدان عقديًا بل يُفهم بوصفه وثيقة شعرية لوعي منكوب، يستخدم المقدس كمرآة لكشف الكارثة، لا كهدف للهدم. وهو بهذا يحقق شرط المنهج النقدي الذرائعي: أن يكون النص فاعلًا في الوعي، لا جميلًا فقط. |
| المشـاهدات 27 تاريخ الإضافـة 24/01/2026 رقم المحتوى 70079 |
توقيـت بغداد









