أحد الظلين.. أنا
قراءة فيما وراء النص في تجربة الشاعر رحيم زاير الغانم![]() |
| أحد الظلين.. أنا قراءة فيما وراء النص في تجربة الشاعر رحيم زاير الغانم |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
سالم رحيم لم يعد العنوان في التجربة الشعرية الحديثة مجرد تسمية إجرائية، بل غدا عتبة دلالية مكثفة، وسؤالًا استهلاليًا يهيّئ المتلقي للدخول في أفق النص. وعنوان ديوان الشاعر رحيم زائر «أحد الظلين.. أنا» ينتمي بوضوح إلى هذا النمط من العناوين الإشكالية التي لا تمنح القارئ معنى جاهزًا، بل تستفزه وتضعه منذ البدء أمام تساؤل مفتوح. فالظل هنا لا يُقرأ بوصفه ظاهرة فيزيائية أو إحالة مكانية، بل باعتباره امتدادًا رمزيًا للذات، أو انقسامها، أو تشظّيها. وحين يصرّح الشاعر بأن «أحد الظلين» هو الأنا، فإننا نكون إزاء أنا متفردة، مواجهة، وقد توحي—عن قصد أو من دونه—بتحمّل المسؤولية، التي ألقيت على كاهل النص بتبني الفعل والمعنى وعدم التنصل كمن يهرب إلى ذاته من ذاته حيث تُلقى على الأنا أعباء الظرف الصعب من ما اختفى ولم يصرح به وتصبح نقطة ارتكاز للثبات والصمود من أعباء السؤال ومع ذلك، يترك الشاعر الظل الآخر معلقًا في فضاء التأويل، بوصفه غيابًا مقصودًا لا يكتمل المعنى إلا به. تتكرر الأنا في نصوص الديوان بوصفها محورًا دلاليًا ضاغطًا، غير أن حضورها لا يأتي بصيغة تعريف ذاتي مغلق، بل بصيغة علائقية تنفتح على الآخر، كما في قوله: أنا إنسانك أنا بذات المرآة غائب أنا… غائب أنت أنا الحافل بالضجيج أنا وظلي إن صيغة «أنا إنسانك» لا تعلن الأنا بوصفها كينونة مكتفية بذاتها، بل بوصفها ذاتًا متشكّلة في حضور الآخر، أو منسوبة إليه وجوديًا. وهنا تتحول الأنا من مركز ثابت إلى نقطة تماس، تتقاطع فيها الذوات، وتذوب الحدود بين المتكلم والمخاطَب، بما يعمّق ثيمة الظل بوصفه مساحة مشتركة بين الحضور والغياب. غير أن هذا الانفتاح العلائقي لا يفضي إلى طمأنينة، بل يكشف عن قلق داخلي متصاعد. فالأنا تتنقل داخل الديوان بين ضمير المتكلم والمخاطب والغائب، وبين المفرد والجمع، في لعبة ضميرية تعبّر عن ارتباك واضح في تحديد موقع المسؤولية: من يتحمّل عبء المعنى؟ ومن يواجه المأزق الحضاري والاجتماعي والنفسي والثقافي الذي يتخفّى خلف اللغة؟ يلجأ الشاعر إلى المواربة والالتفاف بدل الإفصاح المباشر، وكأن التصريح الكامل يهدد توازن النص. ومع ذلك، لا يظل المعنى مختفيًا تمامًا؛ إذ يتسلل من بين الأسطر عبر هذا التعدد الصوتي، الذي لا يدل على تنوّع في وجهات النظر بقدر ما يكشف عن انقسام داخلي في الذات الشاعرة. ويبلغ هذا القلق ذروته حين يعود النص ليؤكد: أنا وظلي وظلي وأنا في هذه اللحظة، يعيدنا الشاعر إلى إشكالية العنوان الأولى: من هو الظل الثاني؟ إذا كان أحد الظلين هو الأنا، فمن الآخر؟ هل هو ذات منفية؟ أم وعي مؤجَّل؟ أم صورة الشاعر في مرآة المجتمع؟ إنها ازدواجية لا تُحسم، بل تُترك عمدًا في منطقة التوتر، لتغدو جزءًا من بنية النص لا خللًا فيه. فالظل في هذا الديوان ليس فقدانًا، بل انقسامًا واستطالةً للمعنى، ومرآةً لذات مأزومة لا تبحث عن إجابة نهائية، بقدر ما تصرّ على إبقاء السؤال مفتوحًا. وهكذا يتحول العنوان من عتبة لغوية إلى مفتاح تأويلي، ويتحوّل النص إلى مساحة لمساءلة الأنا لا لتكريسها، في تجربة شعرية تراهن على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى القلق بوصفه قيمة جمالية ومعرفية في آن واحد. |
| المشـاهدات 28 تاريخ الإضافـة 24/01/2026 رقم المحتوى 70080 |
توقيـت بغداد









