| النـص :
في مقهى بغدادي عتيق تفوح رائحة الهيل المنبعث من "قوري" الشاي الجاثم فوق الفحم يكتمل المشهد المعتاد أربعة أصدقاء يتوزعون حول طاولة مستديرة لكن ثمة صمت غريب يكسر القاعدة التي ألفناها لعقود لا أحاديث جميلة عن ذكريات الطفولة ولا نقاشات حادة حول دربي الكرة أو تقلبات السياسة الجميع هناك بأجسادهم فقط بينما تسافر عقولهم وأصابعهم في رحلات منفردة خلف شاشات الهواتف حيث تتنقل الأصابع بين التطبيقات وتُدار حوارات بعيدة عن المكان بينما يغيب الحديث القريب الذي كان يصنع دفء الجلسة ما نشهده ليس مجرد حدث طارئ بل هو مانشيت عريض لحياتنا الاجتماعية في العراق اليوم نحن الذين عُرفنا بـ "اللمة" والدواوين التي لا تخلو من الحكايات والنقاشات والضحكات نجد أنفسنا اليوم أمام عزلة جديدة لا تفرضها الجدران بل تصنعها الشاشات فقد تحولت الهواتف من أدوات تواصل إلى حواجز غير مرئية تفصل بين الأشخاص وهم في المكان ذاته في هذا التحول تراجع حضور "السالفة "العراقية التي كانت تُدار حول استكان الشاي لصالح "الترند "العابر الذي يفرض إيقاعه السريع فبدلاً من أن يسأل الجار جاره عن أحواله وهو يرتشف معه "استكان الشاي "الصباحي يكتفي بإرسال ملصق (إيموجي) بارد عبر الواتساب وبدلاً من أن تحتفل العائلة بجمعتها حول صينية (الدولمة) ينشغل الجميع بتصوير الطبق ونشره على "الستوري "بانتظار إعجاب من الغرباء بحثاً عن تفاعل افتراضي بينما يبهت التفاعل الحقيقي داخل المكان إن خطورة هذا التحول لا تكمن في التكنولوجيا نفسها فهي في جوهرها وسيلة حضارية بل تكمن في مايمكن تسميته بـ "اغتراب الروح "لقد أصبحنا نعيش في فقاعات افتراضية نلهث خلف أخبار مشاهير لا نعرفهم بينما نجهل وجع الصديق الذي يجلس على بعد ذراع منا لقد فقدنا "آداب الجلسة "التي تربينا عليها حيث كان النظر في عين المتحدث تقديراً والإنصات له احتراماً نحن اليوم أمام تحدي لوجود هويتنا الاجتماعية. هل سنسمح للخوارزميات بأن تعيد تشكيل عواطفنا.؟ وهل سيبقى "استكان الشاي "مجرد إكسسوار للصور أم سيعود كما كان شاهداً على حوارات حية وضحكات تنبع من القلب واتصال حقيقي لا يحتاج إلى "واي فاي" العودة إلى الواقع لا تعني القطيعة مع التكنولوجيا بل تعني إعادة التوازن أن نستعيد الإنسان داخل الجلسة وأن نمنح اللحظة المشتركة قيمتها بعيداً عن ضغط الشاشات فالحياة في جوهرها لا تُقاس بعدد المشاهدات بل بعمق العلاقات التي تُبنى في تلك التفاصيل البسيطة التي لا تحفظها المنصات بل تختزنها الذاكرة
|