الإثنين 2026/1/26 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 9.95 مئويـة
نيوز بار
واقعة الحَرّة… حين تتصدع الدولة من داخلها قراءة سياسية معاصرة في العقد الاجتماعي وانهيار الشرعية
واقعة الحَرّة… حين تتصدع الدولة من داخلها قراءة سياسية معاصرة في العقد الاجتماعي وانهيار الشرعية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

 

لا يمكن فهم واقعة الحَرّة (63هـ/683م) بوصفها حدثاً عسكرياً معزولاً؛ فهي تمثل لحظة مفصلية تكشف كيف ينهار العقد الأخلاقي والسياسي بين الدولة والمجتمع، وكيف تتحول السلطة من "مشروع جماعي" إلى "إدارة أمنية" تستبيح المواطنين حين يعلن اختلاف سياسي. وإذا كانت السياسة الحديثة قد صاغت مفاهيم مثل العقد الاجتماعي والشرعية والدولة الريعية، فإن هذه المفاهيم تُلقي ضوءاً جديداً على قراءة الواقعة، لا لاتهام الماضي بل لفهم آليات الفشل التي تتكرر بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا.في زمن يبدو فيه التاريخ بعيداً، تعود واقعة الحَرّة، تلك الفاجعة التي ضربت المدينة المنورة سنة 63هـ/683م، لتذكرنا بأن المشكلة الأخطر في أي دولة ليست في حروبها الخارجية، بل في اللحظة التي تنقلب فيها السلطة على مجتمعها. حين تتعامل الدولة مع شعبها بوصفه "خطراً داخلياً" لا مصدراً للشرعية، يبدأ الانهيار الحقيقي، ولو بدا السطح هادئاً ومسيطراً عليه.من يقرأ أحداث واقعة الحَرّة بعيون معاصرة سيكتشف أن القضية تتجاوز تفاصيل المعركة واستباحة المدينة ثلاثة أيام؛ إنها لحظة انكسار العقد السياسي بين الدولة الأموية ومجتمع المدينة، بعد أن انهارت الثقة وتلاشت الشراكة، وتحولت السلطة إلى جهاز قمعي يرى في الاعتراض جريمة لا رأياً، وفي الخلاف "فتنة" لا "حقّاً" سياسياً.فالمدينة لم تبدأ القتال؛ بدأت بالسؤال. أرسلت وفداً إلى دمشق لتتحرى حقيقة يزيد، ولتتأكد من أن الحاكم ما يزال أهلاً للثقة التي حملها الخلفاء من قبله. عاد الوفد محبطاً، متشككاً في عدالة الرجل وسيرته. في لغة السياسة الحديثة، كانت هذه لحظة "سحب الثقة". لكن السلطة، بدل أن تعالج الأزمة بالحوار والإصلاح، ذهبت إلى الخيار الأسهل والأخطر، تحويل جهاز الدولة إلى آلة أمنية.جيش الشام الذي دخل المدينة بقيادة مسلم بن عقبة لم يكن مجرد قوة لاستعادة النظام؛ كان إعلاناً بأن الدولة فقدت قدرتها على إقناع الناس فاختارت إخضاعهم. وفي كل تجربة سياسية "قديمة أو حديثة" حين يتم استبدال الشرعية بالقوة، يتحول الحكم من دولة إلى "سلطة"، ومن عقد اجتماعي إلى علاقة قسرية لا تدوم.الاستباحة التي عاشتها المدينة ثلاثة أيام، من قتل ونهب وانتهاك للحرمات، لم تكن خطأً ميدانياً بل انهياراً أخلاقياً كاملاً. فالدولة التي تعطي جنودها الحق في إذلال أهلها، إنما تحطّم أساسها الذي يقوم على حماية الناس لا على سحقهم. وقد أدرك المؤرخون هذه الحقيقة مبكراً؛ فابن كثير والذهبي والسيوطي وغيرهم لم يروا في الواقعة إلا وصمة سوداء في سجل الحكم الأموي، مهما حاول البعض تبريرها بضرورات "الاستقرار".لكن المعنى الأكبر للواقعة يتكشف حين نقارنها بتجارب الدول الحديثة. كم من دولة اليوم سقطت في الفخ نفسه؟ دول غنية بمواردها لكنها فقيرة في شرعيتها، تعتمد على "ريع" سياسي أو اقتصادي يجعل السلطة مستقلة عن المجتمع، ومكتفية بموارد لا تأتي من الناس، فتتغول الأجهزة الأمنية على الحياة العامة كما تغول جيش الشام على المدينة. ودول تحوّل مطالب الإصلاح إلى "تهديد"، والمحتجين إلى "أعداء"، حتى يصبح القمع سياسة، والخوف لغة، والحاكم دولة وحده.الدرس الذي تمنحه واقعة الحَرّة واضح، حين تفقد الدولة احترام مواطنيها، تفقد قدرتها على البقاء. الشرعية لا تصنع بقوّة السلاح ولا بشعارات الطاعة، بل بالعدل والكرامة والشراكة. وقد انهارت الدولة الأموية بعد سنوات قليلة من الواقعة، لا لأن المعارضين كانوا أقوى، بل لأن السلطة نفسها نسفت القاعدة التي تستند إليها أي دولة، العقد الأخلاقي بينها وبين شعبها.لسنا بحاجة إلى العودة إلى القرن الأول الهجري لكي نفهم حاضرنا؛ يكفي أن نتأمل ذلك اليوم الذي استبيحت فيه مدينة رسول الله (ص) لنعرف أن الدولة التي تقف ضد مجتمعها ستجد نفسها وحيدة حين تحين لحظة الحقيقة. وفي السياسة المعاصرة، فان انعزال النظام عن المجتمع، معناه أن الحكم بلا شعب، وأن الشرعية بلا جذور، وأن القوة بلا معنى.واقعة الحَرّة ليست حدثاً عابراً في كتب التاريخ؛ إنها تحذير مستمر لكل دولة تنسى أن الناس هم أصل الحكم، وأن العدل هو شرط بقائه، وأن السيف مهما لمع، لا يستطيع أن يكتب عقداً اجتماعياً يعيش أكثر من لحظة انتصار.

المشـاهدات 19   تاريخ الإضافـة 25/01/2026   رقم المحتوى 70120
أضف تقييـم