السيّاب وذاته الشاعرة الملتاعة
وريادة " شعر التفعيلة" في تحديث القصيدة العربية![]() |
| السيّاب وذاته الشاعرة الملتاعة وريادة " شعر التفعيلة" في تحديث القصيدة العربية |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
مؤيد عليوي لم يكن شعر السياب سوى معاناة فتى اليتم والحرمان، إذ كينونته الشاعرة أو الذات الشاعرة في بدر شاكر السياب، لا ترى إلا ما شافه السياب في يومياته أبان المكان القرية والبحر والمدينة، فالمكان عنده الناس التي تعيش فيه ومَن هم أمثاله في المعاناة، فجاءت القصيدة عنده بصورٍ فنية من الواقع لا تخفى فيها النكهة الرومانسية ورائحة الوجودية وجوده هو السياب الفتى اليتيم الفقير أبن قرية "جيكور" البصرة، ونهرها "بويب" والبساتين والفلاحين، الفتى الذي شاهد البحر والبحّارة والسفن وشاهد في كل هذا معاناة الانسان وهو يريد الخبز ليهرب من الجوع اليه، شاهد الناس الجائعة كما هو جائع وفقير ومحروم حتى علاقات الحب مع النساء، ثم يرى ترف المدن في بغداد وأهلها وبنائها الحديث، ولم يفارقه الجوع والعوز والحرمان في بغداد، فكانت حياته في قصيدته، بطريقة فنيّة فيها الصدق الفني الذي يتطلبه الشعر وفيها الأفكار الانسانية العميقة التي لم تتفق مع شعر ذي الشطرين " العمودي" فصارت حداثة القصيدة العربية على يديه ريادة له، وإذا كان ثمة مقاربة بينه ومَن رافقه أو صحبه في رحلة ريادة قصيدة التفعيلة العربية أو الشعر الموزون غير المقفى، فأنّنا نجد أهمهم من المترفين عبد الوهاب البياتي، نازك الملائكة، بلند الحيدري، نشأوا مترفين بلا حرمان وبلا فقر، كما أنهم من المدن وليس في داخلهم القرية العراقية ومعاناتها أبان العهد الملكي العراقي، أما الشاعر الحيدري فقد عاش بطريقة مختلفة عن غيره : تمرد على اسرته الغنيّة، فترك التعليم الجامعي مبكرا وعاش عيشة الصعاليك في بغداد مدينته، ومِن تمرده عمل كاتبا لطلبات المواطنين(عرضحالجي) امام وزارة العدل التي كان وزيرها خاله داود الحيدري أبان العهد الملكي، في تحدٍ من الشاب بلند الحيدري لكل انواع التقاليد الاجتماعية التي كان يراها قيودا عليه فهجر ترف أهله في وقت مبكر من حياته، واهتم بالكتاب والقراءة وتعليمه الذاتي، وكان لهذا اثر في شعره وصوره الفنية في القصيدة العربية الحديثة، مع صدقه الفني كما السيّاب، لكن ثمة فارق بين مَن يعيش الجوع مُرغما عليه ومَن يذوق الحرمان رغما عن انفه، وبين مَن يختار أن يكون جائعا لفكرة هو يريدها، الفرق بين القرية الصغيرة وصعوبة الحياة فيها ابان العهد الملكي العراقي، وبين بغداد والكهرباء والمياه الصالحة للشرب واهل مترفين يراعون ابنهم بما يريد، تختلف حياة الشاعر بين السياب والحيدري فتختلف الذات الشاعرة ومزاجية الشاعر فيهما، كما يختلف توظيف اللغة ونوع المفردة في بناء الصور الفنية، لتنتج قصيدة السياب وقصيدة بلند الحيدري، منها مايأتي : في قصيدة "غريب على الخليج " وهي قصيدة الحرمان الحقيقي للذات الشاعرة كينونة السياب، فهو يبحث عن عمل في الكويت على الخليج سنة 1953 ، حرمانه الذي لم يفارقه منذ الطفولة ، ونأتي بها من أخرها:( وا حسرتاه ..فلن اعود الى العراق !/ وهل يعودُ / من كان تعوزهُ النقود؟ وكيف تدخر النقود / وأنت تأكل إذ تجوع ؟ وانت تُنفقُ ما يجود / به الكرام، على الطعام / ..) لم يمر شاعر من رواد قصيدة التفعيلة بهذا الموقف طوال حياتهم لذا لم يكتبوا قصيدة حرمان حقيقية نابعة عن ذواتهم الشاعرة ، بل اذا كتبوا شعرا في حرمان الانسان كتبوه عمّا قرأوه من فلسفة او سمعوه عمّا مر به غيرهم من مشاعر، ومازلنا في خفقة قصيدة الحرمان :"غريب على الخليج " فالذات الشاعرة السيابية تعبر عن نفسها وعن المحرومين من أبناء الانسانية بصدق فني وحرارة العوز في غربة لا ترحم :(ما زلتُ أضربَ ، متربَ القدمينِ اشعثَ، في الدروب/ تحت الشموس الاجنبية / متخافق الاطمار، أبسطُ بالسؤال يداً نديّة / صفراءَ من ذلٍّ وحمّى : ذل شحاذ غريب/ بين العيون الاجنبية / بين احتقارٍ، وانتهارٍ ، وازورارٍ ....، أو "خطية " / والموت أهون من " خطية " /من ذلك الاشفاق تعصره العيون الاجنبية / قطرات ماءٍ ..معدنية !) وفي السطرين الاخيرين تظهر عزة النفس في الذات الشاعرة على الرغم من الحرمان والجوع والغربة .. وفي قصيدة " انشودة المطر" نجد أيضا قضية الحرمان لكن ببعدها السياسي وفكرة واقعية : ( وفي العراق جوع / وينثر الغلال فيه موسم الحصاد /لتشبع الغربان والجراد /وتطحن الشّوان والحجرْ /رحىً تدور في الحقول .. حولها بشرْ /مطرْ / مطرْ / مطرْ ) وفي الكثير من قصائد السياب تجد الحرمان بصور فنية مختلفة ففي قصيدة "المومس العمياء " : ( اتريد من هذا الحطام الادمي المستباح/ دفء َ الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح / ودواء ما تلقاه من سأم وذلّ واكتداح / المال شيطان المدينةْ / لم يحظ من هذا الرهان، بغير اجساد مهينةْ ) وهذه الصورة الفنية واضحة فاضحة للفقر بطريقة غير مباشرة ، واحيانا مباشرة في صورته الفنية من القصيدة ذاتها : ( زانٍ وزانية.. أ يمكن ذلك وهي بلا عشاء ؟ / لَمْ يُعرِض الزانون عنها وحدها ؟ ولِـمَ يعرضون/ وهي الفقيرة فقر شحاذ ؟ أمَا هي كالنساء ؟) وحتى في قصيدة "أحبيني " يقدم المال السبب الأول في تركه من أحداهن : ( ..../ ظلالاً عن ملاحمهن : آه فتلك باعتني بمأفونِ/ لأجل المال .. ثم صحا فطلقها وخلّاها / وتلك .. لأنها في العمر أكبرُ أم لأن الحسن أغراها / بأني غير كُفءٍ ، خلفتني كلما شرب الندى ورقُّ) . وفي الكثير من شعره نجد الذات الشاعرة عند السيّاب ملتاعة من الفقر والحرمان تظهر بين طيات قصائده كما مرّ من الامثلة، أضف الى ذلك الحال الواقعي واليومي للسياب، تعلميه الاكاديمي وقراءته للفلسفة الماركسية وغيرها، لكن لم تكن سوى ثقافة عامة لديه تعزز ما يريده : أن يعيش انسان غير معوز وغير محتاج، وأن يكون الشعر امتيازا له عن غيره فلم يبق له حينها سوى الشعر . أمّا عند بلند الحيدري فاللغة الشعرية تختلف والصورة الفنية تختلف أيضاً على الرغم من الثقافة المشابهة والمتقاربة عند سيّاب والحيدري، إلا أن الذات الشاعرة تختلف كثيراً مع امتياز شعر السياب بالأفضلية في ريادة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة ،على جميع زملائه الروّاد بأفضلية واضحة من خلال قصيدته ذاتها..، ولكي يصبح المقال هنا قابل للنشر في جريدة دون زيادة في عدد كلماته، نختصر الذكر بأنه من الممكن وبسهولة على القارئ أن يقرأ قصائد بلند الحيدري ويرى لغته الشعرية وصوره الفنية التي تختلف عمّا عند السيّاب. |
| المشـاهدات 2 تاريخ الإضافـة 02/02/2026 رقم المحتوى 70250 |
أخبار مشـابهة![]() |
مؤسسة الإمارات للآداب، تعلن الفائزين بجائزة القصة القصيرة: «أصوات جديدة في الخيال العلمي» |
![]() |
اختيار الفنان الاماراتي حبيب غلوم عضوا في لجنة تحكيم جائزة شمس للمحتوى العربي
|
![]() |
معرض ((بيكاسو، تصوّر الشكل)) عرض لفيلم ((لغز بيكاسو)) في متحف اللوفر أبو ظبي |
![]() |
الجسد والكتابة الجسدية في ((فرانكشتاين)) الجديد
|
![]() |
باكورة أدب الومضات في ديوان "الإعدام مشياً على الأقدام" للشاعر العراقي رحيم خلف اللامي |
توقيـت بغداد









