الإثنين 2026/2/2 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
الجسد والكتابة الجسدية في ((فرانكشتاين)) الجديد
الجسد والكتابة الجسدية في ((فرانكشتاين)) الجديد
فن
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

د. ماهر عبد المحسن

 

بعد سنوات طويلة من الانتظار والتطوير، قدّم المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو رؤيته الشخصية لرواية ماري شيلي الخالدة “فرانكشتاين” في فيلمه الذي صدر عام 2025.كان هذا المشروع بالنسبة لديل تورو “مشروع الحلم” الذي طالما تمنى تحقيقه، وواجه صعوبات إنتاجية عديدة قبل أن تتم إعادة إحيائه عام 2023 بتمويل من منصة نتفليكس.يضع الفيلم المشاهد في جو قوطي مظلم، حيث يروي قصة العالم المتغطرس فيكتور فرانكشتاين (أوسكار إسحاق) الذي تؤدي تجاربه في خلق الحياة إلى عواقب وخيمة لا يمكن السيطرة عليها.يمثل الفيلم عودة ديل تورو إلى عوالمه المميزة التي تجمع بين الرعب والجمال، وتركز على المنبوذين والمهمشين. يقدّم الفيلم عبر ساعتين ونصف رحلة عاطفية وفلسفية عميقة، تطرح أسئلة وجودية حول الخلق والمسؤولية والطبيعة البشرية، مما يجعله أكثر من مجرد فيلم رعب تقليدي.الفيلم محتشد بالدلالات الفلسفية والاجتماعية والثقافية، ويمكن قراءته من أكثر من زاوية. وفي مقالنا هذا سنحاول مقاربته من المنظور الثقافي بحيث يكون الجسد محورا للتحليل النقدي، والتأويل الفلسفي أداة للفهم.

 

من الجسد بوصفه مادة إلى الجسد بوصفه خطابًا

 

لا يُقدَّم الجسد في فيلم “فرانكشتاين” (كما يتخيله ويشتغل عليه غييرمو ديل تورو) بوصفه كيانًا طبيعيًا أو معطًى بيولوجيًا سابقًا على المعنى، بل بوصفه نتاجًا سرديًا وأخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد. الجسد هنا لا يسبق اللغة، بل يُنتج لغة بديلة؛ ولا يسبق الهوية، بل يكشف هشاشتها وتكوّنها القسري.منذ اللحظة الأولى لظهوره، لا يُرى جسد الوحش كـ “جسد ناقص”، بل كـ جسد زائد عن المعايير؛ جسد يفيض عن النموذج الإنساني المعياري الذي تُنتجه الحداثة: الجسد السليم، المتجانس، القابل للتصنيف، والمُعترف به اجتماعيًا. هذا الفيض هو ما يجعل الجسد غير محتمل بصريًا وأخلاقيًا.الجسد المخيط في “فرانكشتاين” ليس مجرد تجميع لأجزاء بشرية، بل تفكيك جذري لوهم وحدة الجسد. ديل تورو لا يتعامل مع الخياطة بوصفها أثرًا تقنيًا، بل بوصفها علامة فلسفية: الإنسان ليس وحدة طبيعية، بل تركيب هشّ فرضه التاريخ والسلطة والمعرفة. كل غرزة في جسد الوحش هي: أثر قرار علمي، ونتيجة عنف معرفي، ودليل على أن الهوية لا تُمنح، بل تُفرض.بهذا المعنى، يصبح الجسد أرشيفًا لا جسدًا مكتملًا. أرشيفًا للوفيات السابقة، للأجساد المنزوعة السياق، وللذاكرات التي لم يُسمح لها أن تكتمل. الجسد هنا لا يحمل ماضيًا واحدًا، بل تواريخ متراكبة لا يمكن توحيدها.في “فرانكشتاين”، لا تُمنح الذات المشوّهة لغة جاهزة. الوحش لا يدخل العالم عبر الخطاب، بل عبر التجربة الجسدية الصرفة: الألم، البرودة، الثقل، اللمس، الارتباك الحسي. هنا تتجلى فكرة الكتابة بالجسد بأوضح صورها: الجسد يسبق اللغة، لكنه لا يسبق المعنى.الندوب، طريقة المشي، التردد في الحركة، ردود الفعل المفرطة، كلها تتحول إلى نحو جسدي يكتب به الوحش وجوده في العالم. هذه ليست كتابة رومانسية للجسد، بل كتابة قسرية، ناتجة عن الحرمان من الاعتراف اللغوي والاجتماعي. الجسد هنا يقول: أنا موجود لأنني أتألم، لا لأنني معترف بي.الألم في هذا الفيلم ليس حادثًا عرضيًا، ولا وسيلة درامية لإثارة الشفقة، بل شرطًا إبستمولوجيًا (معرفيًا) لتكوّن الذات. الوحش لا يعرف نفسه لأنه يفكر، بل لأنه يتألم.بهذا المعنى، ينقلب المنطق الديكارتي رأسًا على عقب: أنا أتألم، إذن أنا موجود. الألم يمنح الجسد حدوده، ويمنح الذات إحساسها بالفصل عن العالم. وهو ما يجعل الوحش أكثر وعيًا من العالِم الذي صنعه: لأن العالِم يعرف دون أن يتألم، بينما الوحش يتألم قبل أن يعرف.وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى: العلم الذي لا يمرّ عبر الألم، ينتج ذوات بلا مسؤولية.وبالمنطق نفسه نجد أن المجتمع في “فرانكشتاين” لا يرفض الوحش بسبب أفعاله، بل بسبب جسده. الجسد المختلف يعمل كفضيحة للنظام الاجتماعي؛ لأنه يكشف أن معيار “الإنسان” ليس أخلاقيًا، بل بصريًا.الجسد المشوّه يهدد منطق التصنيف، ووهم النقاء، ومركزية الشكل المألوف. ولذلك يُقصى. الإقصاء هنا ليس نتيجة سوء فهم، بل نتيجة رؤية. كيف يُرى الجسد، ومن يملك حق تعريف ما هو مقبول بصريًا وأخلاقيًا. بهذا المعنى، يتحول الجسد إلى موقع سياسي بامتياز.في النهاية، لا يطرح الفيلم سؤال: “كيف صُنع هذا الجسد؟”، بل يطرح سؤالًا أعمق وأكثر إزعاجًا: كيف نتعامل مع الجسد بعد أن صار موجودًا؟ الأخلاق في ” فرانكشتاين” لا تبدأ من النية، ولا من المعرفة، بل من الاعتراف بالجسد الآخر. الاعتراف بضعفه، وبقابليته للأذى، وبحقه في الوجود حتى لو لم يكن مفهومًا.الوحش، بهذا المعنى، ليس انحرافًا عن الإنسانية، بل امتحانها الأخير.

 

الرؤية، الخوف، وسياسات النظر إلى الجسد: من الرعب البصري إلى العنف الأخلاقي

 

في “فرانكشتاين”، لا يبدأ العنف حين يهاجم الوحش، بل حين يُنظر إليه. الرؤية ليست فعلًا محايدًا، بل ممارسة سلطة؛ والنظر إلى الجسد المختلف ليس كشفًا للحقيقة، بل إنتاجًا للخوف. الوحش لا يُدان لأنه خطر، بل يصبح خطرًا لأنه مُدان بصريًا. فالنظرة الأولى إلى جسد الوحش هي لحظة تأسيسية. ليست لحظة معرفة، بل لحظة تصنيف. العين لا تسأل: من أنت؟ بل تقرر فورًا ما أنت.في هذا السياق، تعمل الرؤية كآلية اختزال. تختزل الكائن إلى شكله، وتختزل الأخلاق إلى استجابة انفعالية، وتحوّل الجسد إلى دليل إدانة قائم بذاته. الجسد لا يُمنح زمنًا ليفصح عن ذاته، لأن النظرة تسبقه وتحكم عليه. هكذا تتحول الرؤية من إدراك إلى محكمة فورية.الخوف من الوحش لا ينبع من فعل سابق، بل من صدمته البصرية. الجسد المختلف يُنتج خوفًا لأنه يكسر أفق التوقع البصري الذي يشترط الانسجام، التماثل، والوضوح. هنا لا يصبح الخوف شعورًا داخليًا، بل أثرًا ثقافيًا ناتجًا عن تاريخ طويل من ربط الاختلاف الجسدي بالتهديد. ديل تورو يكشف أن الخوف ليس بريئًا، بل مُعلَّم ومُدرَّب. العين تعلّمت مسبقًا ما الذي يجب أن تخشاه.ما إن يُرى الجسد بوصفه “غير مقبول”، حتى تبدأ سلسلة من التحولات: من الرؤية إلى النفور، من النفور إلى العزل، من العزل إلى العنف. الرؤية هنا لا تكتفي بالتشخيص، بل تُنتج سياسة: سياسة الإقصاء. والجسد المختلف لا يُنفى لأنه خطر فعلي، بل لأنه يهدد نظام الرؤية ذاته.بهذا المعنى، يصبح الوحش ضحية نظام بصري قبل أن يكون ضحية مجتمع أخلاقي.الوجه يحتل موقعًا مركزيًا في هذه السياسة البصرية. ليس الجسد كله هو ما يُرعب، بل الوجه تحديدًا، لأنه يحمل وعد الاعتراف، ويكشف فشله في الوقت نفسه. وجه الوحش لا يطابق الوجوه المعهودة، فيُحرم من الوظيفة الأخلاقية للوجه: أن يكون بوابة للتعاطف.هكذا يتحول الوجه من دعوة إلى علاقة، إلى حاجز بصري يمنعها. الوحش لا يُحرم من الأخلاق لأنه بلا ضمير، بل لأنه بلا وجه “مقبول”.وبهذا المعنى يمكن القول إن الرؤية تغلق باب اللغة، فبمجرد أن تُختزل الذات في صورتها، تصبح اللغة غير ضرورية. لماذا نستمع إلى من قررنا مسبقًا أنه خطر؟ هنا يحدث الانكسار الحاسم: الرؤية تسبق الخطاب، والخوف يلغي الإصغاء، والجسد يُدان قبل أن يتكلم. في جملة واحدة: لا يفشل الوحش في التواصل، بل يُمنع منه.التحول الأخلاقي العميق في “فرانكشتاين” يحدث حين يُمنح الوحش لحظة نظر لا يُدان فيها. وحين يرى العالم دون أن يكون موضوعًا لنظر عدائي. في هذه اللحظة، ينقلب الترتيب. الجسد لا يعود موضوعًا للرؤية بل يصبح ذاتًا ناظرة، والعالم هو ما يُفحَص أخلاقيًا. هذا الانقلاب هو جوهر الرهان الفلسفي للفيلم. ليست المشكلة في الجسد الذي يُرى، بل في العين التي لا تعرف كيف ترى دون أن تخاف.“فرانكشتاين” ليس فيلمًا عن الوحش، بل عن العين التي تصنعه. عن نظرة تخلق الخوف، ثم تبرر العنف، ثم تتبرأ من نتائجه. الجسد المختلف لا يولد وحشًا؛ بل يُصنَع وحشًا حين يُنظر إليه بلا اعتراف.وهنا يتقاطع هذا المحور مع سؤال أعمق: هل يمكن للأخلاق أن تبدأ من إعادة تعليم العين كيف ترى؟

 

سياسات السينما والرؤية: كيف تُعلّمنا الكاميرا أن نخاف… أو أن نرى

 

إذا كان الجسد في “فرانكشتاين” يُدان عبر النظرة، فإن السينما ليست وسيطًا محايدًا لهذه النظرة، بل طرفًا فاعلًا في تشكيلها. الكاميرا لا تنقل الرؤية، بل تصنعها؛ ولا تُظهر الخوف، بل تُدرّبه.في معظم أفلام الرعب، تعمل الكاميرا كامتداد لعين المجتمع: تُخفي الوحش، ثم تكشفه فجأة، فتنتج الصدمة والخوف. لكن ديل تورو يقاوم هذا التقليد بوعي واضح: لا يتعامل مع جسد الكائن بوصفه مفاجأة، بل بوصفه حضورًا بصريًا مستمرًا يُرى ببطء، ويُفكك تدريجيًا. بهذا الاختيار، تتحول الكاميرا من أداة ترهيب إلى أداة مساءلة: من يخاف؟ ولماذا؟ ومن علّمنا هذا الخوف؟ الإطار (Frame) ليس مجرد حد بصري، بل حد أخلاقي. حين يُوضع الوحش دائمًا على أطراف الكادر، أو في عمق مظلم، أو خلف زجاج وماء، فإن السينما تعيد إنتاج عزله الاجتماعي بصريًا. العزلة هنا ليست حكاية تُروى، بل تركيب بصري. جسد مفصول عن المركز، حضور غير معترف به، كائن موجود بلا مكان. الإطار السينمائي يصبح سجنًا ناعمًا، لا يقمع الجسد، بل يضعه خارج دائرة الرؤية المريحة.الزاوية المرتفعة (High Angle) تقزّم الجسد، والزاوية المنخفضة (Low Angle) تضخّمه وتحوّله إلى تهديد. ديل تورو يتعمد كسر هذا الترميز، فهو يصوّر الكائن غالبًا على مستوى العين، أو من الخلف، أو من زوايا جانبية حميمية، بهذا، لا تُفرض علينا نظرة فوقية أو دونية، بل نُجبر على المصاحبة. الكاميرا لا تراقب الوحش، بل تسير معه.الخوف السينمائي التقليدي يحتاج إلى السرعة. يتحقق ذلك من خلال القطع المفاجئ، الإيقاع العالي، الانفجار البصري. لكن “فرانكشتاين”  (كما يقرأه ديل تورو) يشتغل بمنطق مضاد، يعتمد على لقطات طويلة، حركة بطيئة، زمن يسمح للجسد أن يكون قبل أن يُحاكم.البطء هنا موقف أخلاقي. موقف يمكن من خلاله منح الزمن للجسد المختلف كي يوجد دون أن يُختزل إلى رد فعل.الظل ليس دائمًا أداة إخفاء، بل أداة تعليق الحكم. حين يُغرق الجسد في نصف ضوء، لا يُرعبنا، بل يؤجل إدانتنا. ديل تورو يستخدم الضوء ليمنح الجسد مساحة غموض إيجابية. لا يخفيه ليخيفنا، بل ليمنع اكتمال الصورة النمطية. الغموض هنا ليس نقصًا في الرؤية، بل مقاومة لها.التحول الحاسم يحدث حين تنتقل الكاميرا من تصوير الوحش إلى التصوير من موقعه بحيث نرى ما يراه، نختبر العالم من عينيه، نشعر بثقل النظرات الموجهة إليه. هنا تنقلب السلطة البصرية: المجتمع يصبح منظورًا، والوحش يصبح ذاتًا ناظرة، والمشاهد يُجبر على مراجعة موقعه الأخلاقي.هذا الانتقال لا يصنع تعاطفًا إنسانيًا فقط، بل قلقًا أخلاقيًا كذلك. وهنا يبرز التساؤل: أين كنت تقف قبل هذه اللقطة؟في هذا السياق، لا تكون السينما مرآة للواقع، بل مدرسة للرؤية. “فرانكشتاين” لا يطلب منا أن نحب الوحش، بل أن نتعلم كيف نراه دون خوف، كيف نتحمل حضوره البصري، وكيف نؤجل الحكم. الرهان هنا ليس جمالياً فقط، بل سياسي وأخلاقي. من نسمح له أن يكون مرئيًا؟ وبأي شروط؟سياسات الرؤية في “فرانكشتاين” لا تكشف عن وحش، بل تكشف عن ثقافة بصرية ترى الاختلاف تهديدًا. والسينما، حين تعيد تنظيم هذه الرؤية، لا تبرئ الجسد المختلف، بل تُدين العين التي تعودت على الإدانة.بهذا المعنى، يصبح الفيلم تمرينًا قاسيًا، ليس على التعاطف، بل على إعادة تربية النظرة.

 

الخلق، الذنب، ومسؤولية الرائي:

 

من يصنع الجسد؟ ومن يصنع معناه؟ في “فرانكشتاين” كما يعيد تخيّله غييرمو ديل تورو، لا تقع المأساة في لحظة الخلق، بل في ما يليها. في اللحظة التي يتراجع فيها العالِم الصانع عن تحمّل نظرة الكائن المصنوع، وفي اللحظة التي يشيح فيها المجتمع بصره، وفي اللحظة التي يحدّق فيها الرائي دون مساءلة ذاته. الخلق هنا ليس فعلًا تقنيًا، بل حدث أخلاقي غير مكتمل.العلم، في هذا الفيلم، لا يُخطئ لأنه خلق جسدًا، بل لأنه خلقه دون لغة للاعتراف به. الكائن يولد بجسد مركّب وبذاكرة ناقصة وبلا شبكة رمزية تحميه من التأويل العدائي. هنا يظهر العالِم لا بوصفه صانعا فاشلًا، بل فاعلًا أخلاقيًا هاربًا، يمنح الحياة، ثم ينسحب من مسؤولية المعنى. الذنب لا يكمن في التجربة، بل في التخلي.ذنب فرانكشتاين ليس لحظة الخلق، بل لحظة الرؤية الأولى حين يرى ما صنعه… ولا يحتمل رؤيته. هذا التحول بالغ الدلالة، فالجسد لم يتغير، الذي تغيّر هو موقع الرائي. الرؤية هنا ليست محايدة؛ إنها لحظة إدراك أن الخلق يستدعي الاعتراف المستمر، لا الانبهار العابر. الهروب من النظرة هو أول أشكال العنف.الفيلم لا يحاكم العلم وحده، بل يوسّع دائرة الذنب لتشمل المجتمع والمؤسسات والمشاهد نفسه. كل نظرة تجرّد الجسد من فرديته، كل اختزال بصري، كل صرخة فزع غير مفكّرة، هي إعادة إنتاج للعنف المؤسس.بهذا المعنى، يصبح الرائي فاعلًا أخلاقيًا، لا متلقيًا سلبيًا. الكاميرا هنا ليست مجرد شاهد، بل وسيط محاسبة. حين تُصوّر الجسد ببطء، حين تمنحنا زمنًا أطول مما نحتمل، فهي تُحمّلنا عبء النظرة. ومن هنا ينشأ السؤال: هل سنحوّل الجسد إلى مشهد؟ أم سنسمح له أن يكون كائنًا؟السينما، في هذا السياق، لا تبرئ المشاهد، بل تضعه موضع اختبار.ما يفعله ديل تورو بذكاء فلسفي هو نقل مركز الأخلاق: من المختبر إلى الشاشة ومن العالِم إلى الرائي. المأساة لا تتجدد لأن العلم أخطأ، بل لأنها تُعاد كل مرة يُنظر فيها إلى الجسد المختلف دون اعتراف. الخلق حدث ماضٍ، أما الذنب فـ حاضر دائم.لا يطرح الفيلم خلاصًا دينيًا ولا علميًا. لا عودة إلى ما قبل الخلق، ولا إمكانية لإلغاء الجسد. البديل الوحيد المطروح هو: الاعتراف، المصاحبة، تحمّل الرؤية حتى نهايتها. الاعتراف هنا ليس شفقة، بل تحمّل أخلاقي طويل الأمد.حين نربط الخلق بالرؤية، يتضح أن السياسة ليست خارج الفيلم، بل في صلبه: من يُرى؟ من يُخفى؟ من يُنتج بوصفه تهديدًا؟ الجسد المخلوق يصبح مرآة لكل الأجساد المُنتَجة اجتماعيًا عبر العلم، عبر الخطاب، عبر الصورة. والسينما، حين تكشف هذا الترابط، تتحول من فن تمثيل إلى أداة مساءلة سياسية.“فرانكشتاين” لا يدين الخلق بحد ذاته، بل يدين الخلق بلا مسؤولية. ولا يخيفنا بالجسد المختلف، بل يخيفنا بقدرتنا على النظر دون مساءلة. في هذا الفيلم، لا يكون الوحش هو الكائن، بل النظرة التي تخلّص نفسها من الذنب عبر الخوف.وفي التحليل الأخير يمكننا أن نقول إن غييرمو ديل تورو يقدم في “فرانكشتاين” عملًا ناضجًا وشخصيًا يعيد تخيل أسطورة أدبية خالدة برؤية معاصرة. من خلال تعاطفه الواضح مع المخلوق المنبوذ، وتركيزه على المسؤولية الأخلاقية للخلق، وباستخدامه للجماليات القوطية الغنية، يخلق ديل تورو فيلماً يتجاوز حدود الرعب التقليدي ليتحول إلى تأمل فلسفي عميق في الطبيعة البشرية.الفيلم، رغم بعض نقاط الضعف في السرد والطول، يثبت مرة أخرى موهبة ديل تورو الفريدة في دمج الرعب مع الشعر، والغرابة مع العمق العاطفي. في عصر تتسارع فيه التطورات العلمية والتكنولوجية بشكل غير مسبوق، يأتي فيلم ديل تورو كتذكير قوي بالمسؤوليات الأخلاقية المصاحبة للقدرة على الخلق، مما يجعله عملًا ذا صلة عميقة بواقعنا المعاصر.فرانكشتاين لديل تورو ليس مجرد معادل سينمائي آخر لرواية كلاسيكية، بل هو بيان فني يعكس رؤية مخرج استثنائي لأحد أهم الأساطير الأدبية في الثقافة الإنسانية، ويقدمها لجمهور جديد بكل ما تحمله من عمق ورمزية وصدى وجودي.

المشـاهدات 8   تاريخ الإضافـة 02/02/2026   رقم المحتوى 70258
أضف تقييـم