الأربعاء 2026/2/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم
بغداد 11.95 مئويـة
نيوز بار
إيران وأمريكا: بين المواجهة والحوار
إيران وأمريكا: بين المواجهة والحوار
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

 

 

 

 

في السياسة الدولية، ليست الكلمات ما يحدّد المسار، بل الوقائع والقدرة على المناورة. كل إعلان عن الحوار، كل تصريح عن نوايا حسنة، يصبح مشكوكاً فيه حين تصطف حاملات الطائرات، وتتموضع القاذفات الاستراتيجية على مرمى الحجر. فالخطاب الرنان غالباً ما يسبق خطة واضحة: استعراض القوة، تلويح، تهديد، ثم حشد شامل للقوة، مع محاولة دبلوماسية متزامنة.

 

الولايات المتحدة تعرف جيداً قيمة الخدعة قبل الحرب؛ فالتاريخ مليء بالأمثلة على دول نجحت بالضغط المسلح أكثر مما نجحت بالقوة المباشرة. لذلك، أي تهديد أو عرض تفاوض لا يُقاس بكلامه، بل بالقدرة على تحويله إلى ورقة ضغط على أرض الواقع. وهنا تكمن عبقرية إيران؛ فهي تعرف أن القبول بشروط تُضعفها داخلياً ليس خياراً، وأن المقاومة التكتيكية أحياناً أهم من المواجهة المباشرة.

 

إيران اليوم ليست في أفضل حالاتها. تعرّضت لعقود من العقوبات، استهدفت أجنحتها العسكرية، واجهت اختراقات استخباراتية عميقة. لكنها لم تنهزم. النظام يدرك هشاشته، لكنه أيضاً يعرف حدوده ومقدار قوته. أي حرب شاملة لن تبقى محصورة بين عاصمتين؛ الشرارة ستنتشر سريعاً إلى ممرات الطاقة، الأسواق، وحتى المدن المأهولة.

 

وفي هذا السياق، يصبح الحوار أداة استراتيجية: تأخير المواجهة، إعادة ترتيب الأوراق، واستدعاء الفاعلين الكبار إلى طاولة الواقع. الصين تراقب شريان طاقتها، وروسيا تُعيد حساباتها، وأوروبا تترقب أي فوضى قد تقتحم حدودها الجنوبية. أما واشنطن، فهي، كما عهدناها، لا تبحث عن تسوية حقيقية، بل عن فرض شروطها وتحقيق خضوع فوري.

 

الواقع العربي أيضاً يلعب دوره. الرأي العام، رغم الانقسامات، بات أكثر وعياً: لا يسمح بتغول القوة، ولا يرضى بأن تُجرّ المنطقة إلى فوضى قد تدفع الشعوب ثمنها الأكبر. فالخطر لا يطال إيران فقط، بل كل محيطها الإقليمي، وكل المدن العربية القريبة من خطوط النار. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل المصالح الإيرانية عن المصالح العربية؛ أي تصعيد سيترك أثره العميق على الجميع.

 

إيران ليست دولة ساذجة، ولا خصماً يمكن خداعه بسهولة. قدراتها العسكرية، رغم محدوديتها نسبياً مقارنة بالولايات المتحدة، كافية لردع أي عدوان محتمل، مع الأخذ بعين الاعتبار تكلفة كل خطوة. وهي تدرك جيداً أن الرد المباشر قد يكون مكلفاً، لكنها تراهن على صبرها واستعدادها، وعلى أن الطرف الآخر لن يتحمل الألم كما تتحمله الدولة الإيرانية.

 

كما أن أي مواجهة مباشرة لن تُدار في فراغ؛ هناك خطوط حمراء تمتد من اليمن إلى لبنان، ومن مضيق هرمز إلى البحر الأحمر. حلفاء إيران وشركاؤها في المنطقة ليسوا مجرد أدوات للرد، بل شبكة معقدة لتوجيه الرسائل، ورفع كلفة العدوان، وتأجيل المواجهة.

 

وهنا تظهر القوة الذكية لإيران: التفاوض، المناورة، والإشارة للخصوم والمجتمع الدولي بأن أي عمل عسكري سيترك تداعيات لا يمكن التحكم فيها. إنها ليست مجرد مقاومة، بل إدارة للأزمة، وتهدئة للمخاطر، وحماية للمنطقة من الانفجار الكامل.

 

فالخلاصة أن إيران، رغم التحديات، لا تقبل أن تُجبر على الخضوع تحت تهديد القوة. هي تعرف أن أي ضربة مستعجلة لن تكون حاسمة، وأن كل خطوة محسوبة لها ثمن، لكنها مستعدة، بحكمة وصبر، لردع أي طرف يظن أن الطريق إلى السيطرة على المنطقة يبدأ منها.

 

بين الحوار والمواجهة، تقف إيران وأمريكا على حافة قرار. والمشهد، كما التاريخ يعلمنا، لن يُحسم بالكلمات، بل بالاستراتيجية، والمناورة، والقدرة على تحويل التهديد إلى فرصة، والتحدي إلى قوة صامتة، لكن لا يُستهان بها.

المشـاهدات 21   تاريخ الإضافـة 04/02/2026   رقم المحتوى 70316
أضف تقييـم