الأربعاء 2026/2/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 13.95 مئويـة
نيوز بار
العراق قبل اختيار رئيس وزراء جديد بين اليسار واليمين... بغداد أمام المعادلة الحاسمة دولة تبنى أم غنيمة تقتسم؟
العراق قبل اختيار رئيس وزراء جديد بين اليسار واليمين... بغداد أمام المعادلة الحاسمة دولة تبنى أم غنيمة تقتسم؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. سلام قاسم
النـص :

 

 

 

في أصل الفكرة، لم يكن اليسار واليمين شتيمتين سياسيتين، ولا لافتتين انتخابيتين تُرفعان عند الحاجة. هما توصيفان فلسفيان نشآ في أوروبا بعد الثورة الفرنسية. اليسار انحاز تاريخياً إلى العدالة الاجتماعية، حقوق العمال، دولة الرعاية، وتقييد سلطة رأس المال، بينما دافع اليمين عن السوق الحرة، الملكية الفردية، القيم المحافظة، وتقليص دور الدولة. ببساطة... اليسار يقول، الدولة مسؤولة عن كرامة الإنسان، واليمين يقول، الفرد مسؤول عن مصيره. لكن حين وصلت هذه المفاهيم إلى العراق، تحولت إلى شيء آخر تماماً. إذ لا يوجد يسار بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي الحديث، ولا يمين بالمعنى الليبرالي المحافظ. ما لدينا هو خليط هجين من الهويات الطائفية، الولاءات الخارجية، المصالح الشخصية، وشبكات الريع.الأحزاب التي ترفع شعار "العدالة الاجتماعية" تمارس اقتصاد المحاصصة. والقوى التي تتحدث عن "اقتصاد السوق" تعيش على عقود الدولة. والجميع، بلا استثناء تقريباً، يتغذى على خزينة النفط.هنا يصبح اليسار يميناً حين يصل إلى السلطة، ويتحول اليمين إلى يسار حين يجلس في المعارضة. وتضيع الفواصل الأخلاقية بين الشعارات والممارسة. المشكلة ليست في المصطلحات، بل في غياب المشروع.

 

في الدول المستقرة، الصراع بين اليسار واليمين صراع برامج، ضرائب أعلى أم أقل

 

دولة قوية أم سوق مفتوح، إنفاق اجتماعي أم تقشف. أما في العراق، فالصراع يدور حول من يسيطر على الوزارات، ومن يضع يده على المنافذ، ومن يحتكر القرار الأمني، ومن يفاوض الخارج باسم الداخل.ولهذا لا يسأل المواطن، هل هذا المرشح يساري أم يميني؟ بل يسأل، بحس غريزي موجع، هل هذا أقل فساداً؟ هل سيحميني؟ هل سيتركني أعيش؟ وقبيل الحديث عن اختيار رئيس الوزراء الجديد، يتكرر المشهد ذاته. تتقدم الأسماء، تنسج التحالفات في الغرف المغلقة، وتكتب البيانات بلغة صارمة عن "المرحلة المقبلة" و"الإصلاح" و"خدمة الشعب"، بينما يعرف الجميع أن القرار الحقيقي لا يُصنع في البرلمان وحده.لقد جرب العراقيون حكومات كثيرة، من بينها حكومة محمد شياع السوداني، وقبلها تجارب ثقيلة الظل مع نوري المالكي، ولم يكن الفارق بين هذه المراحل اختلافاً أيديولوجياً بقدر ما كان اختلاف أساليب إدارة الأزمة.لم يكن السؤال يوما، هل هذا يساري أم يميني؟ بل، هل هو يمثل دولة أم زعامة؟ مؤسسة أم فرد؟ قانون أم مزاج؟ وهنا بيت القصيد.العراق لا يحتاج يساراً جديداً ولا يميناً معدلاً. العراق يحتاج دولة تحتكر السلاح وتحمي المال العام، تفصل السياسة عن التجارة، وتعيد تعريف الوظيفة العامة بوصفها خدمة لا غنيمة، من دون ذلك، سيبقى اليسار شعاراً رومانسياً في البيانات، ويبقى اليمين مفردة مستوردة في الخطب، وتبقى السلطة تدور في حلقة مغلقة، يتبدل فيها اللاعبون ويبقى الملعب نفسه.وجهة النظر البديلة التي يجب طرحها بجرأة هي، ربما المشكلة ليست في هوية رئيس الوزراء القادم، بل في النظام الذي سيبتلعه. فأي رئيس حكومة، مهما حسنت نواياه، سيُعاد تشكيله داخل ماكينة المحاصصة، ما لم يُكسر هذا الإطار جذرياً. ولهذا، قبل أن نسأل، من القادم؟ الأجدر أن نسأل، بأي قواعد سيحكم؟ لأن اليسار بلا مؤسسات يتحول إلى خطابة،واليمين بلا قانون يصير تغولاً، أما الدولة… فهي وحدها التي تصنع الفرق. وإلى أن ندرك ذلك، سيظل العراقي ينتخب، ولا يختار، ويغيّر الوجوه، لا المسار، وينتظر الخلاص، بينما الخلاص يبدأ من تفكيك منظومة كاملة، لا استبدال شخص بآخر. إنها ليست معركة يسار ويمين... إنها معركة دولة أو لا دولة.

المشـاهدات 33   تاريخ الإضافـة 11/02/2026   رقم المحتوى 70444
أضف تقييـم