الثلاثاء 2026/2/17 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 10.95 مئويـة
نيوز بار
القصيدة النثرية.. تحوّلات الشكل وتحدّي المعايير التقليدية
القصيدة النثرية.. تحوّلات الشكل وتحدّي المعايير التقليدية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عصام البرّام
النـص :

 

 

 

شهد الشعر العربي خلال القرن العشرين تحوّلات عميقة مست بنيته الجمالية ورؤيته للعالم وطرائق اشتغاله اللغوي وكان من أبرز هذه التحوّلات بروز القصيدة النثرية بوصفها شكلا إبداعيا إشكاليا أثار ولا يزال يثير جدلا واسعا بين النقاد والشعراء والقراء على حد سواء إذ بدت القصيدة النثرية منذ لحظة ظهورها وكأنها إعلان قطيعة مع أنساق راسخة في الوعي الشعري العربي ومساءلة جذرية لمفاهيم الوزن والقافية والبيت الشعري ومعايير الشعرية ذاتها ولم يكن هذا التحوّل وليد نزوة عابرة أو تقليد أعمى لتجارب غربية بقدر ما كان استجابة تاريخية وثقافية لتحولات أعمق مست الإنسان العربي ووعيه بذاته وبالعالم من حوله لقد ارتبط الشعر العربي الكلاسيكي بمنظومة عروضية صارمة أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي وأصبحت عبر القرون معيارا أساسيا للحكم على شعرية النص وكانت القصيدة العمودية بنظام شطريها وقافيتها الموحدة بمثابة النموذج الأعلى للشعر وظلت هذه الهيمنة قائمة حتى بدايات العصر الحديث حين بدأت الأسئلة تتسلل إلى وعي الشعراء حول قدرة هذا الشكل التقليدي على التعبير عن تحولات العصر وعن التجارب الفردية الجديدة ومع ظهور حركة الشعر الحر في منتصف القرن العشرين حدث أول خرق واضح للنظام العروضي الصارم غير أن هذا الخرق ظل جزئيا إذ حافظ الشعر الحر على الإيقاع العروضي وإن بصيغ أكثر مرونة أما القصيدة النثرية فقد ذهبت أبعد من ذلك إذ أعلنت تحررها الكامل من الوزن والقافية وراهنت على بناء شعري مختلف يقوم على تكثيف اللغة وخلق الإيقاع الداخلي وتوظيف الصورة والانزياح والدلالة المفتوحة وقد كان لهذا الشكل الجديد جذوره في الأدب الغربي خاصة في الشعر الفرنسي مع بودلير ورامبو ومالارميه غير أن انتقاله إلى السياق العربي لم يكن نقلا آليا بل جاء عبر تفاعل مع أسئلة محلية تتعلق بالهوية واللغة والحداثة والحرية الفنية واجهت القصيدة النثرية منذ بداياتها رفضا حادا من أنصار الشعر التقليدي الذين رأوا فيها تهديدا لكيان الشعر العربي وخروجا على تراثه وذهب بعضهم إلى إنكار صفتها الشعرية تماما واعتبارها مجرد نثر فني أو خواطر لغوية لا ترقى إلى مستوى الشعر وكان الوزن في نظر هؤلاء هو الحد الفاصل بين الشعر والنثر ومن دونه يفقد النص هويته الشعرية غير أن هذا الموقف سرعان ما بدا قاصرا أمام التحولات الجمالية التي شهدها الأدب العالمي وأمام النصوص النثرية الشعرية التي استطاعت أن تخلق تأثيرا جماليا عميقا دون الاستناد إلى الوزن الخليلي إن أحد أبرز تحولات القصيدة النثرية يتمثل في مفهوم الشكل ذاته فالشكل لم يعد قالبا جاهزا يسكب فيه المحتوى بل أصبح جزءا عضويا من التجربة الشعرية يتشكل معها ويتحول بتغيرها فالقصيدة النثرية نص مفتوح على احتمالات متعددة لا يخضع لقوانين مسبقة بقدر ما يخلق قوانينه الخاصة من داخل التجربة وهذا ما جعلها قادرة على استيعاب الهش واليومي والذاتي والقلق واللايقين وهي عناصر لم تكن تجد دائما مكانها في القصيدة التقليدية ذات النبرة الخطابية واليقين البلاغي كما أن اللغة في القصيدة النثرية شهدت تحولا لافتا إذ لم تعد اللغة الفخمة والجزلة هي المعيار الوحيد للجمال الشعري بل ظهرت لغة أقرب إلى التداول اليومي لكنها مشحونة بطاقة إيحائية عالية وتقوم على المفارقة والانزياح وتفجير الدلالة من الداخل هذه اللغة لا تسعى إلى الإبهار البلاغي بقدر ما تسعى إلى ملامسة التجربة الإنسانية في تعقيدها وهشاشتها وتناقضاتها وقد أسهم هذا التحول في توسيع أفق الشعر وفتح المجال أمام أصوات جديدة وتجارب مهمشة كانت تجد صعوبة في التعبير عن نفسها ضمن الأشكال التقليدية أما الإيقاع الذي طالما اعتبر جوهر الشعر فقد أعادت القصيدة النثرية تعريفه فلم يعد الإيقاع مقترنا بالبحور والأوزان بل أصبح إيقاعا داخليا ينبع من تكرار الصور وتوازي الجمل وتوتر الدلالة وتقطيع العبارة وتوظيف البياض والصمت داخل النص وهذا الإيقاع الخفي يتطلب قارئا مختلفا قادرا على الإصغاء إلى نبض النص لا إلى موسيقاه الظاهرة فقط وهو ما جعل تلقي القصيدة النثرية تحديا بحد ذاته يتطلب وعيا جماليا جديدا لا يمكن الحديث عن القصيدة النثرية بمعزل عن سياقها الثقافي والسياسي فقد ارتبط هذا الشكل في كثير من التجارب بروح التمرد ورفض السلطة بكل أشكالها سواء كانت سلطة سياسية أو اجتماعية أو جمالية فالخروج عن الوزن والقافية كان في كثير من الأحيان تعبيرا رمزيا عن الرغبة في كسر القيود المفروضة على الفرد واللغة والخيال ولذلك وجدنا القصيدة النثرية مساحة خصبة للتعبير عن القلق الوجودي والاغتراب والأسئلة الكبرى المتعلقة بالحرية والمعنى والمصير ومع ذلك فإن هذا الانفتاح الكبير لم يخل من مخاطر إذ أدى في بعض الأحيان إلى فوضى كتابية جعلت كل نص نثري يدعي صفة الشعر وهو ما أسهم في تشويش مفهوم القصيدة النثرية نفسها فغياب المعايير الصارمة لا يعني غياب المعايير الجمالية على الإطلاق فالقصيدة النثرية الناجحة ليست مجرد كلام مرسل بل هي بناء لغوي دقيق يقوم على رؤية شعرية واضحة وقدرة على خلق التوتر الجمالي وتكثيف المعنى وإلا تحولت إلى نثر عادي يفتقر إلى الخصوصية الشعرية إن تحدي المعايير التقليدية لا يعني بالضرورة إلغاء التراث أو القطيعة معه بل يمكن النظر إلى القصيدة النثرية بوصفها امتدادا حيويا لهذا التراث من زاوية مختلفة فهي تستثمر طاقات اللغة العربية وإمكاناتها الإيقاعية والدلالية بطرائق جديدة وتعيد طرح سؤال الشعر في زمن متغير وهي بذلك تسهم في إبقاء الشعر حيا وقادرا على التفاعل مع تحولات الواقع والوعي من هنا، يمكن القول إن القصيدة النثرية ليست مجرد شكل أدبي عابر بل هي تعبير عن تحوّل عميق في الحساسية الجمالية وفي علاقة الشاعر باللغة والعالم وقد نجحت عبر عقود من التجريب والجدل في فرض حضورها بوصفها أحد الأشكال المشروعة للشعر المعاصر رغم كل الاعتراضات ويبقى الحكم الحقيقي عليها مرهونا بجودة النصوص وقدرتها على لمس القارئ وإثارة أسئلته لأن الشعر في جوهره ليس وزنا ولا قافية بل رؤية وكثافة ودهشة متجددة ويمكن توسيع النظر في تجربة القصيدة النثرية من خلال التوقف عند علاقتها بالقارئ وبفعل التلقي إذ لم تعد القصيدة النثرية تقدّم نفسها بوصفها نصا مغلقا يفرض دلالته الواحدة بل بوصفها فضاء تأويليا مفتوحا يدعو القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى فالقارئ لم يعد متلقيا سلبيا يكتفي بتذوق الإيقاع أو متابعة الصور البلاغية بل أصبح شريكا في تفكيك النص وإعادة تركيبه والبحث عن خيوط المعنى المتناثرة بين السطور وهذا التحول في علاقة النص بالقارئ يعكس بدوره تحولا أعمق في مفهوم الإبداع ذاته حيث لم يعد الشعر فعلا فرديا خالصا بل عملية تواصل معقدة تقوم على التفاعل والتأويل والاختلاف كما أسهمت القصيدة النثرية في إعادة تعريف صورة الشاعر فالشاعر لم يعد صوتا نبويا أو خطيبا يمتلك الحقيقة ويعلنها بل أصبح كائنا قلقا يطرح الأسئلة ويكشف هشاشته ويكتب من موقع الشك لا اليقين وهذا ما منح القصيدة النثرية صدقا إنسانيا خاصا جعلها أقرب إلى روح العصر الذي يتسم بتفكك المرجعيات الكبرى وتعدد الأصوات والرؤى وفي هذا السياق بدت القصيدة النثرية قادرة على التقاط التفاصيل الصغيرة والهامشية وتحويلها إلى مادة شعرية مكثفة وهو ما يعكس تحولا في سلّم القيم الجمالية حيث لم يعد البطولي والاحتفالي في الصدارة بل اليومي والعابر والمسكوت عنه ولا يمكن إغفال دور المجلات الثقافية وحركات الترجمة في ترسيخ حضور القصيدة النثرية عربيا إذ وفرت هذه المنابر فضاءات للتجريب والنقاش وأسهمت في تعميق الوعي النظري بهذا الشكل الشعري كما ساعدت الترجمات على توسيع أفق الشعراء العرب وربط تجاربهم بسياقات إنسانية أوسع دون أن يفقدوا خصوصيتهم اللغوية والثقافية إن الجدل حول القصيدة النثرية سيظل قائما ما دام الشعر نفسه فعلا متجددا يرفض الاستقرار غير أن هذا الجدل في حد ذاته علامة صحة وحيوية لأنه يدل على أن الشعر لا يزال يحتل موقعا مركزيا في الثقافة بوصفه مساحة للسؤال والتجريب وإعادة التفكير في اللغة والمعنى ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى القصيدة النثرية لا كبديل يلغي الأشكال الأخرى بل كإضافة نوعية تثري المشهد الشعري وتوسّع إمكاناته التعبيرية وتؤكد أن الشعر العربي قادر على التحول والتجدد دون أن يفقد روحه العميقة.

المشـاهدات 41   تاريخ الإضافـة 17/02/2026   رقم المحتوى 70580
أضف تقييـم