| النـص :
أودع العراق خرائطه لدى الأمم المتحدة كما يودع الأب شهادة ميلاد ابنه في دائرة حكومية باردة، خوفاً عليه من النسيان، أو من "سوء الفهم"، أو من شهوة التأويل. قال، هذا مائي، وهذا منفذي، وهذه الإحداثيات التي لا ينبغي أن تعامل كقصيدة تحتمل أكثر من قراءة. لكن الخرائط، لا تكفي حين يكون الذين يتحدثون باسم الوطن قد تعلموا أن يبتسموا بدل أن يقفوا.الخرائط عند الأمم دليل حق، وعندنا دليل حيرة. نحن شعب يرسم حدوده بدقة ثم يترك حراسه نائمين. نكتب البحر بالأرقام ثم نعتذر لأننا نريد البحر. نودع الوثيقة وننسى أن الوثيقة تحتاج ظهراً صلباً، لا ظهراً من كلمات مطاطية من نوع "الحضن العربي" الذي يضيق كلما اقتربت منه حقوقك.أما بعض السياسيين، فهؤلاء قصة تصلح للمسرح الأسود. يدخل أحدهم الشاشة كواعظ بالعروبة، ثم يخرج من الباب الخلفي وهو يهمس للناس، لا ترفعوا الصوت، لا تزعجوا الجيران، لا تُحرجوا الوسطاء، لا تتذكروا أن للعراق منفذاً يريد أن يتنفس. وحين يسأله المواطن، أين حقنا؟ يجيب بابتسامة دبلوماسية، الحق يُؤخذ بالحكمة. والحكمة عنده أن تتنازل كي يقال إنك عاقل، وأن تصمت كي لا تُتّهم بأنك مزعج.ويا للسخرية… العراق الذي بالغ في دعم العرب حتى صار الدعم عادة لا سياسة، وكرماً بلا فاتورة، يجد نفسه اليوم يتوسل اعترافاً ببابه البحري. كأنه ذاك الذي يطعم الجميع ثم يعاتب لأنه تجرأ وطلب نصيبه من الخبز. كأنه يوزع الماء في قيظ المنطقة ثم يُقال له إن الماء "حساس" وأن الحديث عنه "تصعيد".ليست المشكلة في الخرائط، بل في الذين يضعون الوطن داخل خطابٍ مزخرف ثم يغلقون عليه بمفتاح "التهدئة". الخرائط تقول، هذا حق. أما بعض ساستنا فيقولون، هذا حق… لكن لا تزعجوا أحداً به. وهنا ينهزم الوطن لا على الورق، بل في الصوت. في الجرأة. في القرار. في الفكرة البسيطة التي لا يفهمونها، السيادة ليست أمنية، السيادة سلوك دولة.إن لم تتعلم بغداد أن تمسك بالخريطة بيد، وبالموقف باليد الأخرى، فستظل تودع خرائطها في الخارج… وتستعير في الداخل معنى الوطن من أفواهٍ لا تعرف إلا لغة الاعتذار.أودع العراق خرائطه لدى الأمم المتحدة، كمن يسلّم مفتاح بيته للغريب ويوقّع في أسفل الورقة، "هذا بابي، وهذه نافذتي، وهذه شرفة تنفسي الأخيرة". لم تكن الخرائط حبراً على ورق، بل كانت ماءً يُقاس بالمليمتر، وممراً بحرياً يُختصر أو يتسع بقرار، وحقاً وطنياً يُدار كما تُدار حفلة مجاملات في صالون دبلوماسي بارد. والعجيب أن الخرائط عند الآخرين تُقرأ بوصفها سيادة، وعندنا تُقرأ بوصفها "حسن نية"، وكأن السيادة في بغداد صارت نوعاً من حسن السلوك يُكافأ عليه الطالب بالشكر لا بالحق.في لحظة الإيداع هذه، انكشف المشهد العربي كما هو، دفء في الخطب، وبرودة في المواقف، وميزان لا يميل إلا حيث تقف المصالح الثقيلة. فإذا ما قال العراق، هذا منفذي وهذا شرياني، جاءه الجواب بصوت مهذب يقطر استخفافاً، "تفضل… اشرح لنا لماذا تحتاج إلى الهواء". ثم يتزاحم المؤيدون للكويت من كل صوب، لا لأن الحق واضح دائماً، بل لأن العراق في المخيال الرسمي، بلد اعتاد أن يدفع الفاتورة حتى لو لم يأكل.والأشد سخرية أنّ العراق ظل في مخيلته عن نفسه، أخاً كبيراً لا يخطئ في الكرم، حتى بالغ في دعم العرب، فصار الدعم عادة لا سياسة، وواجباً لا عقداً، ونزعة عاطفية لا ميزان مصالح. يعطي كثيراً ثم يلوم حين لا يجد مقابلاً، كمن يوزع الماء في الصحراء ثم يتفاجأ أن بعض العطاشى تعلّموا أن يطالبوه بالمزيد بدل أن يحفروا بئراً معه. وبين كرم لا يحسب، وتخاذل يحسب كل شيء، تضيع الخرائط، مرة تُودَع، ومرة تُؤوَّل، ومرة تُستعمل كوثيقة ضد صاحبها إذا كان صاحبها ضعيفاً، فالوثائق أيضاً تشم رائحة القوة والارتباك.إيداع الخرائط ليس خطأً بذاته، فالحقوق تُثبت بالوثيقة كما تُثبت بالإرادة، لكن المصيبة أن الوثيقة عندنا تُستكمل بنقص فادح، نقص القرار. نحسن رسم الخطوط على الورق، ونفشل في رسم خط أحمر في السياسة. نحسن وصف الممرات البحرية، ونفشل في حماية ممر واحد من كرامة المواطن. نُحسن توقيع الإحداثيات، ونخجل من توقيع موقف.وفي النهاية، يبدو العراق كأنه يقدّم للعالم خريطة دقيقة… ويعتذر لأنه ما زال موجوداً على الخريطة. فإذا كان الوطن يودِع حدوده في الخارج، فمن يودِع في الداخل معنى الوطن؟ ومن يقنع هؤلاء السادة المتخاذلين أن "الحضن العربي" لا يكون حضناً حين تتحول الأذرع إلى لوائح شروط، وأن الأخوة لا تقاس بعدد البيانات، بل بعدد المرات التي ينصف فيها الأخ أخاه عندما تكون الكلفة عالية؟تأتي السخرية التي تُوجِع أكثر من النزاع نفسه، دول الخليج على اختلافها تحوّلت فجأة إلى جوقة من "حراس الخرائط"؛ بيانات تضامن تُكتب بسرعة البرق دفاعاً عن الكويت، ونداء رسمي من الأمانة العامة لمجلس التعاون يطالب العراق بسحب ما أودع، كأن الإيداع جريمة كيمياء لا إجراء قانوني قابل للنقاش والتفاوض. ثم يأتي الأردن بعبارة مهذبة تشبه "دروس حسن الجوار" التي تُلقى على الطرف الأضعف عادة دعوة للحوار… لا تحدد أين يقف الحق، لكنها تحدد من المطلوب منه ألّا يرفع صوته.وتصل مصر لتقول إنها تتابع "باهتمام وقلق" وتدعو إلى الحوار، وكأن العراق طفل عبث بالخرائط فقلقت عليه الأسرة العربية من فرط حيويته، لا من فرط اختناقه.هكذا يطلب من العراق أن يكون عربياً حين يدفع، وهادئاً حين يطالب، ومؤدباً حين يختنق… أما حين يودع خريطته ليحمي شهيقه الأخير، تستدعى العروبة كصافرة إنذار، ارجع خطوة للخلف، كي لا تزعج ترتيب المقاعد.
|