أرض الميعاد في العقيدة الصهيونية![]() |
| أرض الميعاد في العقيدة الصهيونية |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب د. علي المؤمن |
| النـص : برغم أن الفكر الصهيوني الحديث اعتمد في تشكيله وصياغاته وخطابه العنصري والعدوان على أساطير وخرافات منتقاة من التراث الديني اليهودي ومصادر العصبية اليهودية التاريخية - كما مر -، غلا إنه فكر علماني لا يمت بصلة مباشرة لأي من ألوان التدين أو الفكر الديني أو السلوك الديني. وبالتالي فالإيديولوجية الصهيونية هي استثمار سياسي علماني لأساطير دينية يهودية؛ وهو ما أقرّه ودعا إليه رواد الحركة الصهيونية؛ فمثلاً المؤسس «هرتزل» يقول: «أنني لا أخضع لأي وازع ديني»(1) و«إن المسألة اليهودية لا تعني بالنسبة لي مسألة اجتماعية أو مسألة دينية.. إنها مسألة قومية»(2)، كما لا يخفى كون مشروعه الصهيوني هو مشروع استعمار(3)، وهو أيضاً حركة سياسية كما يقول ناشرو تراثه بقولهم: «منذ عام 1986 أصبح مصطلح الصهيونية مرادفاً للحركة السياسية التي أسسها ثيودور هرتزل»(4).كما أن زعماء الكيان الصهيوني أكدوا منذ قيام كيان (إسرائيل) على أرض فلسطين علمانية دولتهم، وأنها دولة قومية تستند إلى معتقدات العصبية اليهودية التاريخية، وليست دولة دينية، وهو ما يعبر عنه مطلب تحويل فلسطين إلى «وطن قومي لليهود».وعلى هذا الأساس فإن ادعاءات «الحقوق التاريخية» و«شعوب الله المختار» و«إسرائيل الكبرى» و«حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل» و«التميز العرقي» و«إحياء مملكة داود» و«إعادة بناء هيكل سليمان» والتجمع حوله، تدخل كلها في حسابات الفكر القومي الصهيوني وليس الديانة اليهودية، بل أن زعماء الحركة الصهيونية - وكثير منهم ملحدون - سلخوا هذه الادعاءات أو المقولات من مضامينها الدينية ووضعوها في خانة المقولات القومية السياسية؛ لتسويغ علمانية الفكر الصهيوني وعلمانية كيان (إسرائيل)، ولعل هذا هو من أهم أسباب الخلاف بين الأحزاب العلمانية الأساسية (كالليكود وكاديما والعمل وإسرائيل بيتنا) من جهة والأحزاب السياسية الدينية (مثل كاخ) والاتجاهات اليهودية غير الصهيونية من جهة أخرى.ومما يؤكد هذه الحقيقة الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية التي تصدر بين فترة وأخرى في الكيان الصهيوني؛ فالذين صوتوا للأحزاب الدينية في الانتخابات البرلمانية عام 1949 كانت نسبتهم 12% فقط، وأصبحت 13% عام 1992، بينما ظلت تحصل الأحزاب العلمانية على ما يرق 85% كمعدل عام.أما نسبة الـ 90% من اليهود الإسرائيليين فهم غير متدينين (علمانيون أو ملحدون أو غير مبالين)، ولكنهم جميعاً يعتقدون أن فلسطين هي منحة إليهم من ألههم (يهوه) الذي لا يؤمن به معظمهم(5).والنتيجة المهمة التي يفترض أن نخرج بها من هذه الحقيقة تتمثل في أن الصراع الإسلامي - الصهيوني ليس صراعاً دينياً، أي ليس صراعاً بين دينين (الإسلام واليهودية)، بل هو صراع عقائدي، بين العقيدة الدينية الإسلامية والعقيدة الصهيونية العلمانية.
أرض الميعاد
أرض فلسطين تشكل المركز في الفكر الصهيوني، فهي «أرض الميعاد» وهي نواة «إسرائيل الكبرى»، وهي الحلم الذي يدغدغ المشاعر التاريخية للصهاينة بالعودة وبنهاية مرحلة الشتات. وهي في مجملها أوهام تأسست على أساطير تاريخية كما يقول المفكر الفرنسي المسلم «روجيه غارودي»، وبكلمة أخرى فهي لي لعنق بعض النصوص اليهودية التاريخية. ومن هنا جاءت تسمية (الصهيونية) نسبة إلى جبل (صهيون) في فلسطين، وهو جبل مقدس لديهم، وقد أطلق هذه التسمية اليهودي الألماني «ناتان بيرنياوم» في عام 1890، ويقصد بها الحركة والأيديولوجية التي تعبر عن هدف الشعب اليهودي في العودة إلى فلسطين، وهذا الهدف القومي التاريخي يمثل - كما يزعمون - إرادة إلههم (يهوه) الذي اصطفى «فلسطين وطناً لبيته وسكانه»، فقد جاء في سفر التكوين: «قال الرب لإبرام: اذهب من أرضك وعشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أربك، فذهب إبرام كما قال الرب، فأتوا إلى أرض كنعان وظهر الرب لإبرام وقال: لنسك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات»(6). وحينها حلّ العبرانيون في فلسطين كمهاجرين أو مغتربين كما يقول النص التوراتي: «وتغرب إبرام في أرض الفلسطينيين أياماً كثيرة»(7).وقد حدد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897 هدف «المنظمة الصهيونية العالمية» التي تأسست بقرار من المؤتمر بهذه العبارة: «أن هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام»(8).وسوغت المنظمة - نظرياً - كل أساليب العدوان والعنف لتحقيق هذا الهدف، بما في ذلك الهجرة الجماعية والغزو والاحتلال والاستيطان ومصادرة أراضي السكان الأصليين وتشريدهم واستباحة المقدسات والأعراض والقتل والتعذيب، كما قررت المنظمة أن تكون فلسطين أرضاً يهودية خالصة(9)، وأن تكون أراضي الدول المجاورة (لبنان، سوريا والأردن) عمقاً أمنياً وامتداداً حيوياً لها: تمهيداً لتحقيق هدف «إسرائيل الكبرى.. من النيل إلى الفرات».والتقت المصالح الصهيونية - البريطانية في بدايات القرن العشرين عند نقطة إيجاد وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو ما أعلنه «آرثر جيمس بلفور» وزير خارجية بريطانيا عام 1917. ثم تحقق هذا الوعد (البريطاني وليس الإلهي) بإعلان «بن غوريون» عن قيام (دولة إسرائيل)، والذي بدأه بكلمة: «أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي». محققاً بذلك الأسطورة التاريخية التي تبدأ بعودة العبرانيين لأرض الميعاد وتنتهي بإبادة الكنعانيين والفلسطينيين والشعوب العربية المجاورة. وأعادت الحركة الصهيونية حينها تأكيدها على أن القدس (أورشليم) هي عاصمة (إسرائيل) الأبدية، وهو خيار تاريخي لا تمتلك العصبية اليهودية باتجاهاتها العلمانية والدينية خياراً آخر له.
تهويد فلسطين
« تهويد فلسطين» هو العنوان الرمزي للإستراتيجية العليا للحركة الصهيونية، والتي بدأت بتنفيذها منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، أي أعقاب انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول مباشرة. وهذا لا يعني عدم وجود خطوات سابقة بهذا الشأن، فقد قام بعض أصحاب رؤوس الأموال اليهود في بريطانيا وأمريكا بدعم مشاريع بناء الأحياء والمستوطنات والكنائس اليهودية في فلسطين ابتداء من عام 1842، بينها حوالي 27 مستوطنة في القدس وحدها، ونشط هذا التحرك بعد مؤتمر بال عام 1897، تصاحبه صيحات رواد المنظمة الصهيونية، ولا سيما «هرتزل» و«نوردو» بتفريغ فلسطين من سكانها ونقلهم إلى البلدان المجاورة. وأخذ الاستيطان شكلاً منظماً في أعقاب وعد بلفور عام 1917 برعاية حكومة بريطانيا وبدعم مباشر من سلطة الانتداب البريطاني الذي بدأ في فلسطين عام 1920. وكان الغزو البشري اليهودي يتصاعد تصاعداً مطرداً، حتى بلغ عدد اليهود في فلسطين عام 1925 حوالي (75000) نسمة، أي ما نسبته 10% فقط من عدد سكان فلسطين، وقفز العدد إلى (250000) عام 1929، ثم ما يقرب من (350000) عشية تقسيم فلسطين عام 1947 بقرار منظمة الأمم المتحدة. وخلال حرب 1948 والعام الذي يليه ارتفع العدد إلى (600000) نسمة، وهو ما يعادل 31% من عدد السكان. وتسبب قرار التقسيم وإعلان قيام دولة (إسرائيل) إلى تهويد القسم الذي أصبح جزءاً من الكيان الصهيوني، ومنه القدس الغربية (التي تشكل حوالي 84% من مساحة مدينة القدس). وبالتدريج أصبح الفلسطينيون أقلية في هذه المناطق، وهم الذين يطلق عليهم فلسطينيو 1948 أو عرب الداخل. وتمدد الكيان الصهيوني على القسم الذي أقرت الأمم المتحدة بقاءه عربياً، فاحتلت سلطاته قطاع غزة ومناطق الضفة العربية خلال حرب 1967، بل وتجاوزت حدود فلسطين لتحتل شبه جزيرة سيناء (المصرية) ومنظمة الجولان (السورية)، ثم وحدت شطري القدس تحت سيطرتها، وطبقت في هذه المناطق أيضاً إستراتيجية التهويد، مستخدمة كل أساليب العدوان والشر. واستمر عدد الفلسطينيين بالتناقض من خلال التشريد والهجرة المعاكسة، وعدد اليهود بالتصاعد، حتى بلغت نسبة العرب في فلسطين المحتلة حوالي 17% واليهود 83% عام 1989، وهي النسبة التي كانت عكسية تماماً عام 1947(10). وبرغم هذه الحقائق التي يقر بها الجميع، حتى أولئك الذين زرعوا الصهاينة في فلسطين ودعموهم بالمطلق، غلا أن زعماء الحركة الصهيونية يجنون على التاريخ والجغرافية وهم يرفعون شعار: «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وهو ما ترجمته «غولدا مائير» في عام 1969 بقولها: «ليس هناك من شعب فلسطيني، وليس الأمر كما لو أننا جئنا لنطردكم من ديارهم والاستيلاء على بلادهم، انهم لا وجود لهم»(11). وبالطبع فإن إستراتيجية التهويد لا تقتصر على تهويد الأرض والسكان، بل تستهدف أيضاً التهويد الثقافي والتعليمي، وتهويد الأماكن التراثية والمقدسات الإسلامية، ويبرز ذلك بشكل أكثر وضوحاً في مدينة القدس وغيرها من المدن المقدسة كالخليل.
الإحالات
1 - انظر: علي جريشتي، «حاضر العالم الإسلامي 2»، ص 102.
2 - انظر: روجيه غارودي، «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، ص 24 نقلاً عن: هرتزل، اليوميات.
3 - المصدر السابق، ص 26، نقلاً عن هرتزل، «دولة اليهود».
4 - المصدر السابق، ص 26، نقلاً عن هرتزل، «اليوميات»، ج3 ص 105.
5 - المصدر السابق ص 24 نقلاً عن «موسوعة الصهيونية وإسرائيل»، ص 1262.
6 - سفر التكوين، 12/1.
7 - المصدر السابق 21/34.
8 - ألن بوابيه، «أصول الصهيونية».
9 - للمزيد انظر: أسعد عبد الرحمن. «المنظمة الصهيونية العالمية».
10 - للمزيد انظر: بسام محمد العبادي، «الهجرة اليهودية إلى فلسطين 1880 - 1990م».
11- من تصريحات لصحيفة صاندي تايمز |
| المشـاهدات 93 تاريخ الإضافـة 01/04/2026 رقم المحتوى 70921 |
أخبار مشـابهة![]() |
تمديد فترة استقبال المشاركات في مسابقة بيت الحرفيين للتصميم في أبو ظبي
|
![]() |
ليدي غاغا تبكي بعد مفاجأة جمهورها في عيد ميلادها |
![]() |
المفارقة في ( رأيته يغسل الماء ) مقداد مسعود
قراءة انطباعية |
![]() |
الصدمة الناعمة في قصائد الشاعر د. عماد كاظم العبيدي
قراءة في عنوانها النافذة والثعبان |
![]() |
بعد آخر قصيدة أطلقها المربديون في بغداد
|
توقيـت بغداد









