الجمعة 2026/3/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غيوم متفرقة
بغداد 19.95 مئويـة
نيوز بار
الأقدام السوداء، فتنة السرد وإيقاظ الوعي
الأقدام السوداء، فتنة السرد وإيقاظ الوعي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

ناصر أبو عون

لدي يقين لا يداخله شك بأن الروائيّ المهندس محمد فايز حجازي ابن المدينة (فلاحٌ أديب)، يحرث تربة الإبداع، ويخطط الأحواض، ويغرس الشخوصَ شتلاتٍ؛ كان قد بَرْعَمَها من قبلُ في إصِّيص رُوحه، ثم فَتَحَ (هويس) الأحداث ليبثّ ماء الحياة في شُقوقها، ويرشَّ أسمدة الصراع على مسافة واعية من الجذور، ثم اتكأ على عُكّاز الصبر يترقب حركتها واستطالتها وتَعَانقَ أوراقها، وتحوّلات مسارات حياتها من الشتلة إلى أن صارت هشيما تذروه الرياح تتناثر حبوب لقاحه مع نفثات حِبر الطابعات وتختبيء بين دفتي الكتب فإذا ما استنشقها القراء فتنت عقولهم، وأيقظت وعيهم.

إنها(فتنة السرد وإيقاظ الوعي)، وكفى بها فتنة، ومن خلال هاتين الجملتين الاسميتين اللتين تفيدان الثبات والمكتنزتين بالمعاني؛ يمكنني إيجاز الغاية الكبرى للمشروع الإبداعي للكاتب والمهندس محمد فايز حجازي. أمّا عن العمود الفقري في روايته (الأقدام السوداء)؛ فهو بمثابة شبكة من العلاقات الداخلية مترابطة العناصر؛ ولن تتأتى هذه الخاصية للكاتب إلا بعد مخاض عسير يكون قبض فيه على تقنيات فن الرواية في مهادها الغربي أولا، وعربيا ثانيا وعبر قراءة عميقة لكل ما تقع عليه كاميرا عينه الفنيّة.

في هذه الرواية استعار محمد حجازي من دهاليز التاريخ، وزرعه على صفحة الغلاف كعلامة مركزية وبؤرة دلالية، ومع حركة (الأقدام السوداء) تتوالى مشاهد القهر، وتعيد إنتاج نفسها ما بين دفتي الغلاف بوصفها بِنية لا حدثًا عابرًا. ولكن الكاتب في خط موازٍ ينثر حبوب الوعي القومي في كل سطر، بل في كل كلمة؛ لأنها صاحب قضية.

و(الأقدام السوداء) في رواية محمد حجازي ليست حالة مرضيّة عابرة، ستأخذ وقتها وتمضي، بل نتيجة بنية اجتماعية/كولونيالية تعيد إنتاج نفسها، بشكل مختلف في كل زمان وكل مكان، والبنية العميقة للرواية تكشف لنا أنّ القهر ليس حدثًا ولا قَدَرًا فرديًا، بل كلاهما من نتاج نظام استعماريّ ضاغط ومغلق.

أمّا على مستوى البنية الكلية للرواية سيلاحظ القاريء أنها ترتكز على مسار الصعود/ الهبوط وتشكل وعيًا فرديَّا داخل فضاء اجتماعي/استعماريّ منظّم يعيد تشكيل أدواته، ويجدد طرائقه، ويبقى الصراع هادئًا فوق السطح ومحتدما تحت الرماد، وليس فرديًا بل بنيويًّا (فرد مقابل منظومة).

 أمّا على المستوى السرديّ/ البنية الحكائية في رواية الأقدام السوداء فقد لاحظنا أنها توزّعت على 3 مسارات (الزمن، والرواي، وترتيب الأدوار)؛ والأجمل أن الكاتب عالج الزمن؛ فبدا لنا في ظاهره خطيًّا يتخلله الاسترجاع (Flashback)، ولكنه في حقيقته دائريّ، ويؤكد ذلك أنّ الأحداث الماضويّة التي ساقها الرواي العليم ليست مجرد ذكريات، بل بنيّة مُكَوِّنة للهويّة القوميّة، وقد ارتكز الرواي العليم على كثافة السرد وواقعيته، وتداخل السرد مع الوصف؛ وذلك ليُبقي القاريء مشدوهًا ومشدودًا. فعبر ثلاثة مشاهد تاريخية فقط تتأرجح بين الأزمنة الثلاثة، وإنْ كانت عين الراوي العليم على المستقبل، وبيده جرس إنذار يدقه فوق رؤوس السائرين نِيامًا - ما بين المحيط والخليج، بل في كل بقعة يلمع فيها ذهب الثروات - يَغُطّون في سراب أحلامهم، واللصوص الغرباء يمتصّون دماءهم، وينهبون ثرواتهم، ويبيعون لهم (قشرة الحضارة).

لقد نجح حجازي في توظيف مصطلح (الأقدام السوداء) في إشارة منه إلى (الطابور الخامس)، الذي يعيش بين ظهراني أمتنا، ويلعب دور العين المراقبة والخادمة للاستعمار، ودورها كمعاول هدم وتقويض المجتمعات العربية من الداخل. ومن ثَمَّ فأعتقد أنّ هذه الرواية العربية هي اليتيمة الوحيدة التي تفرَّدت بتسليط الضوء على طبقة/ شريحة/ قطاع نافذ ومؤثر في تاريخ ومستقبل العديد من الدول العربية، وهم أبناء المستعمرين الأوربيين الذين عاشوا في الجزائر منذ عام 1830م، ويتنقّلون بين الجزائر وفرنسا. يصفهم بطل روايته حسن عبد الكريم في حديثه مع المهندسة الجزائرية داليا بن بركة ("يقيني التام بأننا وسط عصابة شر يخططون بمنتهى الدهاء، لالتهام ثروات بلادنا كعادتهم في كل العصور... إنهم أبعد شرا و شراسة مما قد يصل إليه خيالك، أحفاد الشيطان وحلفاء الدجال، قذرون لايتورعون في سبيل غايتهم عن القتل وشرب دماء الأبرياء زلفى وقربى لساداتهم الأبالسة، يتعاطون كل الرذائل ويأتون التدليس والسحر والشر كما يتنفسون، انا أعرفهم جيدا...")

أمّا المعجم في هذه الرواية فينتمي إلى الواقعية الاجتماعية، لكنه يحمل بعدًا رمزيًا، بينما التراكيب ترتكز على الجمل الخبرية المباشرة التي تعكس واقعية الطرح، ويسندها وصف تفصيليّ للبيئة، وجاء الحوار ليُعزِّز البُعد الاجتماعيّ. أما من حيث الأسلوب سيلاحظ القاريء المُدقق وجود رمزيّة خفيفة ولكنها مؤثرة بقوة، تؤازرها لغة واضحة غير تجريبية، ويعينهما تكثيف بلاغي يخدم الفكرة العامة للرواية.

وعلى المستوى التصويري وما يشي به من دلالات؛ فقد كانت (الأقدام) في سياق الرواية انغراس في الوحل الاستعماريّ، وكلمة (السوداء) إشارة إلى التلوث الاجتماعيّ الذي أصاب الهويّة الجزائرية بعد اندماج طبقة المستعمرين الأوربية وأبنائهم في نسيج المجتمع الجزائريّ، بل صارت جزءًا من لُحمته الاجتماعية وأصبحت هذه الطبقة تعمل مع الفصيل الاستعماري الجديد كالخفافيش في العتمة ردحا من الزمن ثم طفت على السطح وتمارس دورها على المكشوف. أما الفضاء المكاني المتمثل في (الصحراء الجزائرية)، فعلى الرغم من اتساعه فيزيائيا إلا أنه كان مغلقا وليس خلفيّة للأحداث، بل عنصر فاعل في إنتاج المعاناة.

وفي الأخير يمكننا القول بأن رواية (الأقدام السوداء) للكاتب محمد فايز حجازي، وفق القراءة البنيوية، ليست حكاية عن أفراد، بل نظام دلالي يكشف آلية إنتاج الاستعمار والإفقار داخل المجتمع الجزائريّ بوجه خاص والمجتمعات العربية بوجه عام.

ومن حيث الخلاصة البنيوية؛ فـ(العنوان) يمثل المركز الدلالي، وجاء (السرد) ليخدم فكرة البنية الاجتماعية والاستعمارية القاهرة، وعلى صعيد (المعجم) فهو واقعي؛ ولكنه رمزي في عُمقه، وعلى صعيد(الثنائيات الضديّة) داخل نسيج الرواية جاءت لتؤسس الصراع، بينما (النهاية) لا تقدم خلاصًا كاملًا بل وعيًا مأساويًا.

المشـاهدات 197   تاريخ الإضافـة 08/03/2026   رقم المحتوى 70750
أضف تقييـم