حبّ في شبه مدينة..المكان بوصفه شريكًا بصناعة المعنى
![]() |
| حبّ في شبه مدينة..المكان بوصفه شريكًا بصناعة المعنى |
|
مسرح |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
نسرين النقوزي
تعود مسرحية "حبّ في شبه مدينة" إلى خشبة "مسرح المدينة" في بيروت في عرضين يومَي 28 شباط/ فبراير و1 آذار/ مارس، بعد تقديمها في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي. كتب النص حسن مخزوم، وأنجزت لينا عسيران التصوّر والإخراج والسينوغرافيا، ويؤدّي العمل روى حسامي وميران ملاعب، مع حضور حيّ لزياد الأحمدية على العود غناءً وتأليفًا. يتقدّم العرض بوصفه تجربة مسرحية تفكّر في سؤال أساسي: كيف يمكن للفن أن يواجه تراكم الأزمات في لبنان والعالم؟ يقدّم العمل الحبّ والمكان مدخلين أساسيين للإجابة.يحتلّ المكان في العمل موقعًا محوريًا في البناء الدرامي. يشكّل البنية التي تتحرّك داخلها الشخصيتان وتتشكّل عبرها علاقتهما. الهيكل المعدني المتحرّك يمنح الخشبة إيقاعًا خاصًا، ويؤثّر مباشرة في الحركة والتموضع والزمن المسرحي. هذه الآلة تفتح ذراعيها أحيانًا وتضيق أحيانًا أخرى، فتواكب التحوّلات النفسية والوجدانية في العرض. اشتغل الإخراج بدقّة على برمجة حركتها، واستُخدمت تقنيات رقمية مع الذكاء الاصطناعي لتنظيم إيقاعها وتفاعلها مع الممثلين، فصارت المدينة حاضرة عبر نظام ميكانيكي ينبض مع الأداء الحيّ. يبرز هنا تحدٍّ تقني وجمالي يتمثّل في خلق انسجام بين الحديد والجسد، بين المادة الصلبة والروح. ينشأ انصهار بصري وحركي يضع الممثلين في علاقة مباشرة مع كتلة حديدية تتحوّل إلى عنصر درامي ثابت ومؤثّر.الشخصيتان تحملان اسمي "هو" و"هي". هذا الخيار يفتح التجربة على أفق إنساني واسع، ويمنح المتفرّج مساحة إسقاط شخصية. "هو" (ميران ملاعب) يأتي من الخارج، من فضاء اجتماعي شهد احتكاكًا يوميًا بالناس وبقوانين البقاء. يحمل هذا الخارج في طريقته في الحركة وفي حذره. "هي" (روى حسامي) تعيش في الداخل، في مساحة انعزال طويلة كوّنت لديها علاقة خاصة بالمكان وبذاتها. تبدو أكثر رسوخًا في هذا الفضاء، وأكثر معرفة بتفاصيله. يجتمع الاثنان عند نقطة الوحدة. كلٌّ منهما يعرف العزلة بطريقته، فيلتقيان عند شعور مشترك يمنح العلاقة أرضية أولى.تتطوّر العلاقة على امتداد العرض. تبدأ بحذر، ثم تتّجه نحو اختبار الثقة، وصولًا إلى رغبة واضحة في التكاتف. يظهر الحبّ قوّةً تدفع الشخصيتين إلى اكتشاف جوانب جديدة من نفسيهما. حضور الآخر يكشف طبقات لم تكن مرئية في البداية. الخارج والداخل يلتقيان في مساحة مشتركة تتشكّل تدريجيًا. هذا المسار يمنح العرض بعدًا إنسانيًا يركّز على إمكان التغيير عبر العلاقة.يشكّل الجسد أداة التعبير الأساسية. الحوار قليل ومركّز، والحركة تحمل القسم الأكبر من الدلالة. الرأس، والنظرات، وطريقة الوقوف، والصعود والهبوط على الهيكل المعدني، كلّها عناصر تساهم في بناء المعنى. الإيماء والرقص المعاصر يحوّلان الخشبة إلى مساحة تفكير بصري. يتفاعل الجسد مع الآلة في مشاهد تتطلّب توازنًا دقيقًا، فتظهر العلاقة بين الإنسان والمدينة في صورة ملموسة. هذه العلاقة تحمل توتّرًا دائمًا، وتفتح سؤالًا حول قدرة الإنسان على التأقلم مع بيئة ضاغطة.يحضر البعد الواقعي في تفاصيل كثيرة تجعل التجربة قريبة من المتفرّج. في الوقت نفسه، يفتح العرض بابًا للخيال عبر اشتغاله على الفضاء وعلى البنية المجرّدة للمكان. هذا التداخل يمنح الجمهور فرصة للانتقال بين التعرّف إلى ذاته والانخراط في مساحة فنية تخفّف من ثقل الواقع. الحبّ والخيال يشكّلان معًا مساحة تنفّس داخل عالم مثقل بالأحداث.تضيف الموسيقى الحيّة طبقة حسّية مؤثّرة. يجلس زياد الأحمدية إلى جانب الخشبة، يعزف على العود ويغنّي، فينشأ تفاعل مباشر بين الصوت والمشهد. تصوغ الموسيقى مناخًا داخليًا يواكب التحوّلات الدرامية، وتمنح العرض حرارة ودفئًا. يربط حضور العود بين الذاكرة واللحظة الراهنة، ويخلق جسرًا بين ما يعيشه الممثلان وما يشعر به الجمهور.ترسم السينوغرافيا ملامح مدينة معلّقة بين الماضي والحاضر. لا تُسمّى بيروت صراحةً، إلا أنّها حاضرة عبر الإحساس العام بالإنهاك وبالرغبة في الاستمرار. تظهر المدينة ككيان يطالب سكّانه بإعادة تعريف علاقتهم به. يعبّر العرض عن شباب يسعون إلى تثبيت مساحة للحبّ وسط مناخ عام مثقل بالاحتمالات القاتمة. هذه الرؤية تمنح العمل طابعًا معاصرًا يرتبط بسياق اجتماعي واضح.يقدّم الأداء تمثيلًا مشغولًا على التفاصيل. تنسج روى حسامي وميران ملاعب علاقة قائمة على التدرّج في الإحساس، وعلى تنويع الإيقاع بين القرب والمسافة. يتعاملان مع الهيكل المعدني بثقة عالية، ويحوّلان حركته إلى جزء من أدائهما. يظهر التمرين الطويل في انسجامهما مع الآلة ومع الموسيقى، فينتج عن ذلك مشهد متكامل العناصر."حبّ في شبه مدينة" تطرح رؤية مسرحية تركّز على الفعل الإنساني داخل بيئة مضطربة. يتكامل المكان والجسد والموسيقى والتقنية الرقمية لتكوين تجربة تتأمّل معنى البقاء ومعنى التلاقي. يظهر الحبّ طاقةً تولّد إمكانًا جديدًا للوجود المشترك. يقدّم هذا العمل صورةً عن مدينة تسعى إلى استعادة حيويتها عبر أفراد يصرّون على الحياة. وتمنح هذه الرؤية العرض عمقًا فكريًا وجماليًا، وتجعله مساهمة واضحة في النقاش المسرحي حول دور الفن في زمن الأزمات.
|
| المشـاهدات 8 تاريخ الإضافـة 09/03/2026 رقم المحتوى 70814 |
أخبار مشـابهة![]() |
في الهواء الطلق
آفة الفساد والإصلاحات العرجاء (1 ـ 2) |
![]() |
معرض «بيغ باد وولف» في دبي يضم نحو 18 ألف عنوان من ادبيات متنوعة
|
![]() |
بعد الغاء العرض في استراليا ((منطق الطير)) للشاعر فريد العطار يعرض في بينالي البندقية |
![]() |
يمزج رمضان في مصر بين العروض الروحانية ومسرحة الشوارع التلقائية لإحياء الموروث الشعبي
رمضان في مصر... المسرح الشعبي يحكي لغة الناس |
![]() |
تقارير عربية وعالمية عن الخشبة في المسرح |
توقيـت بغداد









