الإثنين 2026/6/1 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 27.95 مئويـة
نيوز بار
ابحث عن ساعة
ابحث عن ساعة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ.د.جهاد كاظم العكيلي
النـص :

منذ زمن بعيد يلهمني قول الشاعر احمد شوقي:

 

«وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي

 

ولكن تُؤخذُ الدنيا غلابا»

 

وعلى امتداد مراحل حياتي المختلفة، لم آخذ الحياة بالغلبة كما أوصى احمد شوقي، بل كنتُ مغلوبًا على أمري في أغلب الأحيان. ولعل ذلك يعود إلى فطرتي وسجيتي، وإلى افتقاري لمهارات "الغلبة" التي يشهدها عصرنا هذا، ومنها اتباع أساليب تتجاوز المعايير والقيم التي تربينا عليها كالصدق والأمانة وغيرهما.لذلك عدتُ أروّض نفسي على أسلوب التمنّي، مخالفًا بذلك قول الشاعر بأن المطالب لا تُنال بالتمنّي. وما عزّز إيماني بهذا النهج أنني رأيت كثيرين تمنّوا فحققوا أشياء كبيرة في حياتهم؛ اعتلوا المناصب، وامتلكوا الأموال والمجمّعات التجارية، وما خفي كان أعظم. وأصبحوا يُشار إليهم بالبنان، فقلت في نفسي: ولماذا لا أكون واحدًا منهم؟وحين رأيت سيارات الدفع الرباعي الفارهة تتصدر المواكب بين الناس، طفحت في داخلي رغبة التمنّي، لكنني لم أفلح في الحصول على واحدة منها. ثم كثرت التنهدات، ولم يحالفني الحظ أيضًا. فعدت أقرأ بيت أحمد شوقي مرارًا وتكرارًا، ثم قلت لنفسي: إن هذا البيت كُتب في عصر كان فيه البساطة  الحياة والوجاهة، وكان الحصول عليه الاشياء أيسر بكثير مما نتصور اليوم في مفهوم الغلبة والتمنّي.وهنا بدأت ألوم الشعراء وأنتقدهم؛ لأنهم لم يكتبوا عن الساعات وأهميتها في صناعة المجد والتباهي، كما هو الحال في زماننا هذا. لكنني ترحمت على الفنانة مي أكرم، لأنها الوحيدة التي أشارت إلى أهمية الساعة العادية، تلك التي لا تتجاوز قيمتها عشرة آلاف دينار!ولهذا قررت أن أُنفّس عن رغبة الاخرين  لامتلاك ما يمتلكه الآخرون. فقررت شراء ساعة تشبه تلك التي يتباهى بها نجوم العراق الساطعة. استلفت مبلغًا من أبناء عمومتي، ووقّعنا عقدًا بين الأطراف المتعاقدة يقضي بأنه في حال شراء الساعة المرصعة بالحلي، نتناوب على ارتدائها؛ أسبوعًا لكل واحد منا، أي أنني سأرتديها مرة واحدة كل أربعة أشهر!وبعد أن جمعنا المال، اكتشفنا أن المبلغ لا يكفي لشرائها. عندها اقترحت على أحدهم أن يرهن بيته انطلاقًا من مفهوم احمد شوقي بأن الدنيا تُؤخذ غلابًا. لكنني فوجئت بالرفض، رغم أنني أحتل لديهم مكانة من الثقة والتقدير، ولم أبخل يومًا بمساعدة من يطلب مني ما أستطيع تقديمه.عندها قررت بيع بعض مقتنياتي العزيزة عليّ، وضحيت بها حبًا في نجومية الساعة، لكن المبلغ ظل غير كافٍ لشراء "ساعة النجومية". فأخذت أبحث عن أي شيء يمكن أن يخطر في بالي ويساعدني على تحقيق هذا الحلم.بدأت أستمع إلى كلمات الراحل عبد الحليم حافظ في أغنية «قارئة الفنجان»:"ورحت أبحث عنك يا ولدي في كل مكان..."وأنا أرددها مستبدلًا كلمة "ولدي" بـ"الساعة". بحثت عنها في كل مكان، وقلّبت الفناجين كلها، لكنني لم أجد سبيلًا للوصول إليها. بل إن ذلك زادني إصرارًا على رهن بيتي في سبيل أمنية زرعها هذا الزمن في نفوسنا، زمنٌ أصبح فيه كثير من الناس لا ينظرون إلى الوجوه بقدر ما ينظرون إلى ما تزينه الأيدي.وبعد أن كانت سيارات الدفع الرباعي هي الشغل الشاغل للناس، أصبحت الساعة هي معيار المكانة والنجومية. وفي النهاية رهنتُ البيت على مضض، ليس لأشتري الساعة، بل لأسدد الديون التي تراكمت بسبب مطاردتي لها.وها أنا اليوم أنظر إلى يدي، فلا أجد فيها سوى أوراق أوقع عليها، بينما تقترب بي الخطوات شيئًا فشيئًا من حافة الطريق... دون ساعة، ودون بيت، ودون أن أفهم حتى الآن: هل كانت المشكلة في التمنّي أم في الغلبة؟

المشـاهدات 25   تاريخ الإضافـة 01/06/2026   رقم المحتوى 71003
أضف تقييـم