شكرًا لأنك تحلم معنا.. تحوّلات ما بعد أوسلو
![]() |
| شكرًا لأنك تحلم معنا.. تحوّلات ما بعد أوسلو |
|
فن |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
تحسين يقين
سيطول تأثير المشهد الأخير، الذي يشكّل استخلاص الشقيقتين من رحلتهما في الحياة، وليس مجرد رحلتهما الليلة فقط في البحث عن وسيلة غير قانونية لتبرير ما تؤمنان به من حقّ حصريّ لهما، بل لعلّ المضمون الإنسانيّ الصادق هو ما ينظّم تلك الرحلتين وغيرهما من رحلات البشر. لعلّ تلك هي مقولة الفيلم "شكرًا لأنك تحلم معنا"، كما سوف نرى، أو ما يمكن الاختتام به.تجلس الشقيقتان بأريحية، وقد مدّتا ساقيهما مقابل المدينة، بعد رحلة توتّر واكبت رحيل الأب، في إيحاء صادم ناقد لمنظومة المجتمع؛ فهما تنظران إلى المدينة بدون اكتراث، في حين تصدمنا دلالة القدم بوجه الجميع، الذي يعني التحدي، من خلال الاكتفاء بما صار لديهما من نفوذ (مفترض)، بدون انتظار خلاص قادم من آخرين، أكانوا بشرًا أقرباء أو نظمًا وقوانين.لم يبتعد حرص الشقيقتين على تحقيق الحدّ الأعلى من ميراث الأب، وفق تبرير منطقيّ لمنظور العدالة، عن الوعي بأن خلاصهما الذاتيّ لا يبتعد عن الخلاص الجمعيّ، لا لاهتمام حقيقيّ ينبع من داخلهما، بل بسبب ما تعيشانه من ليبرالية سوق منفلتة، ركّزت الثروات في عدد قليل من الأفراد، في ظل حصار الاحتلال. عبّرت عن ذلك عبارة الأخت لأختها، بأنه بالرغم من تحقيق هدف الحصول على معظم "التركة"، فإن ذلك لن يكون كاملًا في ظل العيش تحت الاحتلال الكولونيالي: "أنا ولادي جد مش عارفة أربيهم، وأخوي يا دوب بحكي معي، وإنت من العيد للعيد لنقعد مع بعض، وكل ما نحكي كلمتين ندق ببعض، وأبوي تاركلك دفتر الشيكات، وعمره ما قالي إشي عنه، وهيو مات، البلد كم واحد هم وولادهم ينهبوا فيها وإحنا بنتفرج، وإسرائيل كمان شوي بتبطل تخلينا نطل براسنا برة رام الله، الـ80 ألف هي اللي راح تزبط حياتي؟".ثم ليتعمّق معنى الخلاص من الاحتلال في مشهد لاحق، حين فوجئتا بتعطّل السير بسبب اشتباكات الشباب مع جنود الاحتلال على أطراف رام الله كما يبدو، حيث يسهّل راشقو الحجارة، الذين أشعلوا إطارات السيارات، طريقهما، حتى لا تعلَقَا بينهما وبين جنود الاحتلال.لقد كان الصدق الفنيّ هو سبب شدّ أعين الجمهور وآذانه ومشاعره وأفكاره التي حفّزتها على مدار ساعة ونصف ساعة المخرجة الفلسطينيّة ليلى عباس، من خلال الاتكاء على ما يدور في النفس، كون الخلاص الفرديّ لكلّ منهما هو الدافع الحقيقيّ، بعد أن وجدتا نفسيهما معًا، في ظل غياب السند الاجتماعيّ والاقتصاديّ، أو التهديد بفقدانه؛ فنورا التي وقع عليها العبء الأكبر في رعاية والدها المسنّ، والتي تبدو في أول الثلاثينات، والتي تبادر إلى التخطيط لفكرتها بالاستحواذ على الميراث المالي، هي عاملة عزباء في محلّ تجميل، بظروف ضغط، يذهب معظم جهدها لمالكة المحلّ التي تهتمّ بزيادة الربح، في مجتمع يمرّ بتحولات اجتماعية أثّرت على واقع المرأة النفسي والاجتماعي بشكل خاص، فصارت تلحّ على تجميل الجسد في ظل الانفتاح الاجتماعيّ، حيث إنه في ظل تسارع التشتت الشعوري والنفسيّ، تلجأ النساء إلى ضمان ما يمكن من جمال جسدي إرضاءً للذكور من جهة، وللفوز في ظل تنافس النساء عليهم، والذي يعني فوزهن فوزًا اقتصاديًا، في ظل المعاناة الاقتصادية. لذلك فإنها تجد خلاصها يكمن في امتلاك محلّ لها، يضمن لها عدالة الدخل على قدر جهدها.وفي حين أن مريم، التي استنكرت الفكرة في البداية، وجدت نفسها وجهًا لوجه مع حالتها كمطلّقة مستقبلية، بعد أن وصلت علاقتها بزوجها إلى الانفصال، في ظل تحدّي تربية الأبناء من جهة، وتحدّي التواصل الاجتماعيّ من جهة أخرى، في فترة التحولات الاجتماعية التي مرّت على فلسطين، خصوصًا في المراكز المدينية، مثل مدينة رام الله التي تشكّل فضاء الفيلم. ولعلّ حرص الشقيقتين على خلاصهما الفرديّ يأتي في سياق غياب قدوة السير في طريق الخلاص العام-الوطني الذي لم يتحقّق.وصفت الأخت الكبرى مريم بشكل "فضاء الطبيعة" التي غُرز "إطار السيارة" فيها، والتي كانت تلتقي فيها أختها بصديقها بـ"الجورة"، التي لها معنى سلبيّ في اللهجة المحلية، بما يوحي بنقد شديد لحالة المجتمع في ظل التحوّلات.اكتسب الفيلم صفة الفيلم المتميّز، لسبب جوهريّ، هو الصدق الفنيّ الذي منح الفيلم مصداقيّة الحضور والتأثر، بعيدًا عن تكلّف الحديث حول الخلاص العام، كون الإنسان - والمشاهد- هو أيضًا باحث آخر عن خلاصه. وتلك هي فلسفة المضمون، والتي أخذت المعنى لتصيغه بشكل ذكيّ، من خلال الإيحاء بأن الخلاص الفرديّ لا يتحقّق إلا في ظل خلاص عام. بمعنى أنه في الوقت الذي عبّرت فيه المخرجة بصدق عمّا يشغل الفرد، فقد عبّرت عن الوعي الحقيقي عمّا يشغل الفرد والمجموع معًا، من خلال مسحة نقدية لمنظومة المجتمع، بدون الوقوع في فخ النقد السياسيّ الحادّ لمنظومة الحكم القائمة.
الميراث
ازداد الاختلاف والتنازع الاجتماعيّ في الأسر النووية والممتدة وتسارع، كأثر من آثار التحولات التي عاشها المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة (فلسطين عام 1967)، إثر اتفاقية أوسلو الموقّعة عام 1993، فصار التفكير الماديّ يحظى بالأولوية في ظل التحوّل الاقتصاديّ، ونشوء اقتصاد السوق المفتوح، الذي خلق فجوات اقتصادية، دفعت الوارثين للبحث عن حصصهم بشكل دقيق، بعيدًا عمّا كان يتمّ فيه مراضاة النساء بشكل خاصّ.صار التفكير بالميراث يأخذ معنى جديدًا، خصوصًا لدى الشقيقتين نورا ومريم، وغيرهما ممّن قمن برعاية الوالدين، في ظل غياب الأشقاء كليًا أو نسبيًا. تفاجأت نورا برحيل والدها، فتتحفّظ على الخبر، كي تقوم بـ"سحب المبلغ الماليّ" من حساب الوالد، لتتقاسمه مع شقيقتها مريم، لإيمانها بأحقية المبلغ كاملًا، حتى لا يأخذ الأخ المهاجر إلى الولايات المتحدة حصته التي تعادل حصّتهما. وتفاجأت الشقيقتان بأن صرف مبلغ كبير يحتاج إلى إذن صاحب الشيك، والذي توفّي قبل ساعات. وهنا يبدأ الفيلم بمسار تشويقي بوليسيّ للبحث عمّن يمكنه أداء دور الوالد، بالرد على الهاتف لإبداء الموافقة.فحين الطلب من الخال، فإنه لا يقبل فقط، بل وبّخهما. كذلك الحال مع صديق نورا، الذي تربطهما علاقة عاطفية، بالرغم من تهديد الأخت مريم بكشف علاقتهما لزوجته.لم تكن الرحلة رحلةً ليليةً فحسب، بل كنا إزاء رحلة النفس وكشف بعض الأسرار، من ذلك التغيّر القيميّ لدى مريم حين لجأت إلى لغة التهديد، وهي التي علّقت على علاقة أختها بصديقها بأن زوجها هو الآخر يفعل الفعل نفسه. وتزداد المفارقة سخريةً حين تعرف مريم أن ابنها استطاع إخفاء غيابه عن الأسرة من خلال أداء صوت والده عندما كانت المدرسة تتصل بهاتف الأب. تتبادل الشقيقتان النظر، كأنهما، في ظل صدمة غياب الفتى عن المدرسة لأيام، فكرتا باستخدامه لأداء صوت جدّه، لكنهما عدلتا عن تنفيذ الفكرة. رحلة الشقيقتين داخلهما، ثم في اكتشافهما لبعضهما بعضًا، ثم لاكتشاف آخرين مثل الصديق في العلاقة العاطفية، والأهم ما كشفتاه داخلهما للآخرين غير المنزّهين؛ فخالهما الذي يستنكر عليهما الفعل، قام بالسطو على حق أمهما وخالاتهما، وكذلك الصديق الذي يستغل حاجة نورا للعلاقة العاطفية بسبب تأخر زواجها.لعل الرحلة الليلية هنا تذكرنا بفيلم "على جنب يا أسطى" من إخراج سعيد حامد (2008)، حيث قامت معظم أحداثه في ليلة واحدة، وهو ما يشبه وحدة المكان والزمان في المسرحية.
سينما
فيلم سينمائي حقيقي واحترافي، استدعى المضمون بمصداقيته العالية شكلًا أصيلًا؛ لذلك جاء الفيلم، الذي شدّنا بفكرته الجاذبة، في سرد سينمائي استخدم "الإخفاء"، فكان سواد الليل يخفي السر، وتبع ذلك البحث المشوّق عن منتحلٍ غير قانونيّ لشخصية الأب، بعيدًا عمّا يشتّت المشاهدة والاستمتاع.وهنا فإن نصّ السيناريو والحوار، الذي كتبته مخرجة الفيلم، كان أساس نجاحه، وهو يدل على قدرات عالية في كتابة الأفلام، ويذكّرنا عربيًا بالمخرج الراحل داود عبد السيد. ولعل تناول الشخصيات وبنائها من الداخل هو السر، إذ اتجهت إلى حقيقتنا العميقة، لا إلى السطح غير الحقيقي؛ فدوافع البشر في الخلاص الشخصي تشكّل منطلق سلوكهم.كان للتمثيل الدور الأكبر في دعم فكرة الفيلم ومصداقيته الإنسانية، خصوصًا لدى بطلتي الفيلم كلارا خوري وياسمين المصري، إذ أن المخرجة استطاعت توظيف طاقاتهما الإبداعية في أداء المشاعر المتنوعة، من التوتر إلى الكوميديا. كذلك برز أداء كل من كامل الباشا، وأشرف برهوم، ونبيل الراعي، وإدوارد معلم. لقد أقنعتنا الملامح بمضامين الشخصيات الداخلية غير المعلنة.تميّزت كاميرا الفيلم برؤية بصرية واعية، كما بدت المشاهد حيوية، خاصة في نهايتها، حين جاءت مكثّفة لا تحتاج إلى تفسير أو إطالة، تاركةً للمشاهد إكمالها بما هو متوقّع، بحيث لم نشعر بزيادة المشاهد ولا بنقصها. وكان "القطع" مشوّقًا، يسمح للمشاهد بملء الفراغات من دون الحاجة إلى الاستغراق غير الضروري في المشهد.كما كان للتشويق البوليسي، بوصفه أسلوبًا، دورٌ مهم في جذب المشاهد، لكنه لم يكن مجرد تشويق عادي، بل تشويق قائم على المواقف العميقة داخل المشاهد، خاصة في البحث عمّن يؤدي دور الأب المتوفّى. وقد طُعِّم الفيلم بالمواقف الكوميدية، خاصة في الحوار بين الشقيقتين، من دون تكلّف، كما تم توظيف الجانب البصري من خلال اختيار الليل والمشاهد المعتمة لخدمة ما يُدبَّر في الخفاء، حتى لا ينكشف، في مقابل ترسيخ جمال النهار ووضوحه في اللاوعي، بما يضيف رمزية أخرى لما يجري من تسويات، خصوصًا في عالم المال والأعمال. كذلك كان للإيحاءات السيميائية أثر في تعميق حالة عدم الاستقرار، كما في مشهد الجلوس على الأرجوحتين.
شكرًا لأنك تحلم معنا
لم يتحقق الحلم بالتنمية والتحول الاقتصادي المنشود بعد اتفاق أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود، وقد جيء بالعبارة التي يرد بها هاتف البنك الآلي: "شكرًا لأنك تحلم معنا"، لتحدث أثرًا عكسيًا، بحيث دلّ اسم الفيلم على مفارقة عدم تحقق الحلم.ولكن ثمة أحلامًا أخرى تحققت أو كادت؛ ففي رحلة مريم التأملية داخل نفسها، وداخل علاقتها بزوجها، تختار الاقتراب منه، الذي يفاجأ بحركتها، كونها كانت قد أخبرت أخاها بنيتها الطلاق. وقد أبدعت المخرجة في جعل ذلك لاحقًا بعد اغتسال مريم، عقب رحلة الليل بحثًا عمّن يؤدي دور الأب للموافقة على صرف المال من خلال الشيك، وكأن رحلة الليل كانت رحلة تصالح مع الذات.أما التصالح الآخر، فتمثّل في تخفيف الموظفة من الإجراءات البيروقراطية، حيث سهّلت صرف الشيك، موجهةً الحديث لمريم بأنها فوجئت، هي وأخواتها الأربع، عند وفاة والدهن، بالعم وأبنائه يطالبون بالميراث، لتصفّي حسابها لا مع العم وأبنائه، بل مع المنظومة نفسها.تختتم المخرجة الفلسطينية ليلى عباس الفيلم بمشهد الشقيقتين في مواجهة المدينة، وقد تخففتا من ثقل التوتر، بشيء من اللامبالاة تجاه المجتمع بعاداته وقيمه وقوانينه. فرغم إيمانهما، خصوصًا مريم، بأن الخلاص الحقيقي هو الخلاص الجمعي والتحرر من الاحتلال، فإنهما وجدتا نفسيهما تميلان إلى الخلاص الفردي. والمشهد الختامي واحد من أهم نهايات الأفلام، إذ اختزل الأفكار والمشاعر في ثوانٍ قليلة.وأخيرًا، يوحي الفيلم بالتفكير في "الميراث السياسي"، باعتبار أن التغيير السياسي هو المدخل للتغيّرين الاجتماعي والاقتصادي.وبذلك، فإن "شكرا لأنك تحلم معنا"، وهي عبارة المفارقة الساخرة التي جيء بها من خلال ردّ تلفون البنك الآلي التي أحدثت أثرًا عكسيًا، توحي نقديًا بعدم تحقيق الحلم، تصبح نفسها رسالة الفيلم، في جذب آخرين حقيقيين يحلمون ويفعلون، منهم موظفة البنك، ومنهم الشباب الرافض للاحتلال.ليس غريبًا أن يحصد الفيلم جوائز عدة، منها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرجة ضمن جوائز النقاد للسينما العربية، التي تُمنح سنويًا على هامش مهرجان كان السينمائي الدولي، كما حاز على جائزة أفضل مخرجة (ألكسندر الفضية) في مهرجان سالونيكي السينمائي في اليونان (2024)، وجائزة مهرجان الجونة الذهبية لأفضل فيلم عربي (2024) في مصر، وكان آخرها الفوز بالجائزة الكبرى لمسابقة الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة ضمن فعاليات الدورة السادسة لمهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي عام 2025. كما افتُتح عرضه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان لندن السينمائي الدولي.إنه فيلم عربي جدير بأن يُعرض في دور السينما وعلى المنصات المختلفة، فيلم يعيد الأمل باستعادة ألق العمل السينمائي في طرح قضايا الإنسان بلغة بسيطة صادقة وإخراج ذكي، يفهم ما يدور داخل المشاهدين، فلا يلومهم ولا يتهمهم، بل يتفهمهم ويقودهم بوعي إلى توسيع الأفق، نحو ما هو ضروري للخلاصين الفردي والعام.
|
| المشـاهدات 3 تاريخ الإضافـة 01/06/2026 رقم المحتوى 71023 |
أخبار مشـابهة![]() |
اتهامات مشخصة مدعومة بأدلة بوجود فساد في إحالة المشاريع في كربلاء
|
![]() |
الزيدي يتلقى رسالة أميركية: لا مناصب للفصائل حتى بعد نزع السلاح
ترامب يعيد توم باراك مبعوثا رسميا للعراق ويخالف التوقعات بالتخلي عن العراق |
![]() |
النزاهة تدعو العشائر الأصيلة الى إغلاق أبوابها بوجه الفاسدين ونبذهم مجتمعياً
قوة أمنية من بغداد تعتقل المسؤول المالي بمصفى الشمال في بيجي |
![]() |
مركز متخصص: عمالة الأطفال خطر يهدد الطفولة في العراق
|
![]() |
عمليات بغداد تعلن استكمال إجراءات تأمين عودة الحجاج إلى البلاد
الداخلية تعلن نجاح الخطة الأمنية والخدمية الخاصة بعيد الأضحى المبارك |
توقيـت بغداد









