الثلاثاء 2026/6/2 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غيوم متفرقة
بغداد 30.95 مئويـة
نيوز بار
أنت منذ الأمس..ضحك المُنتصرين على المنهزمين
أنت منذ الأمس..ضحك المُنتصرين على المنهزمين
مسرح
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

أنور محمد

 

قدّم المُخرج المسرحي عبد السلام قبيلات مؤخرًا عرضه "أنتَ منذُ الأمس" على مسرح الشمس عمّان، عن رواية "أنتَ منذُ اليوم" لتيسير سبول (1939-1973)، تمثيل: حياة جابر، بكر الزعبي، ثامر خوالدة، مصطفى أبو هنود. موسيقى: موسى قبيلات. تصوّرتُ لو أنّه، ومنذُ المشهد الافتتاحي، قد حوّلنا، كمُتفرجين، إلى "الجوقة" التي تنوب في المسرح الإغريقي عن الناس - الجوقة تُمثّل الشعب وكانت تُحاكم ملوك وأبطال أثينا إذا أخطؤوا؛ فما بالك إذا باعوا أثينا للعدوّ. إذ ينتزع قبيلات (عربي) من الرواية إلى الخشبة إلى الصالة، ويصير واحدًا من المُتفرجين، وإنّه الآن في الحياة، وليس كما قيل إنّه انتحر/ مات؛ وهو يتساءل: لماذا باعنا حُكّامنا بهذا الثمن البخس ولنخّاس؟؟ نخّاس!المخرج قبيلات له رأي آخر؛ فقد شغل الخشبة بخبر أنّ "عربي" يؤلّف رواية ويُشيعه، بعد أن وضعنا، بالتتالي، في مقهى (شريط فيديو)، ومع لاعبين يرميان النرد في طاولة الزهر، وصوت ارتطامه يُطلق موسيقى مُنبِّهة، وحانة، ثمّ غرفة تحقيق، وجسر، وامرأة تتسلّقه فتسقط، وشاحنات عسكرية، وصوت آذان، وجمجمة، وكرسيّين وسرير وأمّةٌ نائمة فوقه؛ أو إنّ حكّامها هم النائمون - لماذا يفيقون وقد باعوا الأرض والعِرض؟ ربّما نفقوا – وقد نفّقوا بضاعتهم، وهذا ما كان يُؤلم تيسير سبول، مثلما آلم سعد الله ونوس في "حفلة سمر من أجل 5 حزيران"، ويؤلم المُخرج فلا يسكت.لا يسكت، وامرأة تمسك بكتاب تقرأ منه، وروّاد المقهى منشغلون عنها وهم يلعبون ويدخّنون النرجيلة غير مبالين بها، فتضجر وتطلب من "عربي" بطل الرواية، ومن تيسير سبول مؤلّفها، وبعد مرور 53 سنة على انتحاره، ليُبصرا ويُبصِّرا ما لحق بنا من الهزائم والخسائر والانكسارات والخيبات، وحالة السأم والضجر والاغتراب وفقدان الهوية والاستلاب، من زمن تلك الهزيمة في 1967 إلى 1973 ثمّ 1982 إلى الحرب على غزّة 2023.لا ننكر أنّ المخرج عبد السلام قبيلات، ومنذ البداية، يستعيد أسئلة تيسير، وقد حوّل نصّه الروائي إلى فرجة على الخشبة، وبلحمه ودمه متحمّلًا مسؤولية ما قاله تيسير سبول، فيصير السرد القصصي حوارات لتنفجر منه التراجيديا على مدى 90 دقيقة، وقد فعل ما لم يفعله مثقف مسرحي، وبعد أكثر من خمسين سنة، وأنّ "عربي" بطل الرواية والعرض المسرحي مواطنٌ تمّ ويتمّ تشغيله واستعماله استعمالاتٍ متعدّدة في الحرب والسلم، ثمّ يُلقى في النار كحطبٍ لوليمة لهزيمة تالية. وهذا ما رفضه المؤلّف وكذلك "عربي" بطل الرواية، فيلقى مصيره المأساوي كمثقف لا يملك إلّا روحه، فيقوم، بحسب رؤية المُخرج، وفي المقهى، بتذويب السُّم في كأس ليتجرّعه وهو يعبّ سيجارته احتجاجًا على هذا الخراب، فيتدخّل الكاتب محاولًا منعه، إلّا أنّه يتلقّى رصاصة بالخطأ فيموت عربي. يموت ولا يموت الأب الذي يعامل نساءه بوحشية وهو يسوطهم، ولا المحقّق الذي يختلق التهم لمعارضي الأنظمة، ولا موشيه دايان وهو بعين واحدة، والذين أدّى أدوارهم الممثل مصطفى أبو هنود، فيقف فوق منصّة وجمجمةٌ في أعلاها، وهو يسكب الدماء - دماؤنا؛ ويضحك ضحكًا استفزازيًا؛ ضحك المُنتصرين على المنهزمين المُنسحقين، فيما نسمع أصواتًا: وكان بوسع الجنرال أن يُثري رباط عينه الأسود وأن يسخر من العيون السليمة ويقرّر بأنّ الأصل في العيون أن تكون عوراء. ونتساءل: هل هذا تبرير للهزيمة والقبول بها؟ المُخرج عبد السلام قبيلات لم يُحمّل "جيوشنا الفاخرة" وجنرالاتها الظافرين، على كثرتهم، وعلى الجبهات الثلاث، أيّة مسؤولية. ثمّ، وهو سؤالٌ وإن جاء متأخّرًا: لماذا لم نُنتج، لم نُصنّع، جنرالًا ولو واحدًا مثل الجنرال فو نغوين جياب، بطل حرب التحرير الفيتنامية وصاحب خطة معركة "ديان بيان فو" التي هُزمت فيها فرنسا عام 1954، ومن ثمّ هُزمت القوات الأميركية والفيتنامية الجنوبية في حرب الهند الصينية الثانية عام 1975، وفرّ الجيش الأميركي هاربًا عبر البحر والجو؟الممثل مصطفى أبو هنود في أدواره الثلاثة، وإن كان لاعبًا عرف كيف يوزّع عنفه حركيًا وصوتيًا، إلّا أنّه وقع بعض الشيء في النمطية، مع أنّه كان يتحوّل ويحوّل شخصياته - يتنقّل بينها، بديناميكية، هذه النمطية كانت في تكرار عرض الأحاسيس والانفعالات والمشاعر؛ فهي ذاتها، وهنا نتساءل: أين أنا الخالقة لكل دور، ولو كان دور جلاد أو عاشق أو ثائر؟ فيما كانت الممثلة حياة جابر في أدوارها الثلاثة كأنثى، وهي تتنقّل من شخصية إلى أخرى، تعيد تمثيل العنف الذي يمارسه الذكر على المرأة كإنسان، وليس كشيء، وقد لعبت أدوارها لعبًا فيزيولوجيًا خاصًا بكل دور، مع شيء من ارتجال، وفي أزمنةٍ وأمكنةٍ مختلفة.عبد السلام قبيلات في إخراجه تعامل مع الرواية كنص أدبي وبقي كذلك، مع أنّه كان فرصة ثمينة له، وهو حامل الفكر الإنساني (القومي)، وأنّ مأساتنا، وبعد أكثر من خمسين عامًا على الرواية والهزيمة، ما تزال تمضي بنا من سيّء إلى أسوأ؛ لا حرّرنا فلسطين، ولا تحرّرنا، وأنّ الرواية ذات مغزى إنساني حاول فيها تيسير سبول إعادة الاعتبار إلى "عربي" ضدّ أنظمة الاستبداد. صحيح هي رواية تجريبية ليست كروايات نجيب محفوظ أو عبد الرحمن منيف، وصحيح أنّ الإخراج جاء تجريبيًا، غير أنّه ليس جديدًا، إذ لم يوافق الرواية، التي هي ذات مشروع مضاد للكلاسيكية وبالوقت ذاته مضاد للاستبداد. لم نرَ لمعات إخراجية فيحوّلها من الاستعمال النظري ككتاب إلى الاستعمال العملي كعرض مسرحي. المخرج لم يغامر، ولم يجازف بالنفاذ إلى جوهر الرواية وأسئلتها الوجودية كلحظة فلسفية تُحاكم فيها الذات ذاتها. وإنّها – الرواية- تطرح أزمة أمّة عقلها وكيانها الروحي يحترقان ويتلاشيان، وهي غرقى في الاستبداد، فالجيوش العربية، حسب الرواية، لتحمي الاستبداد وليس لتُحرّر فلسطين.

المشـاهدات 28   تاريخ الإضافـة 01/06/2026   رقم المحتوى 71064
أضف تقييـم