الأربعاء 2026/6/3 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 40.03 مئويـة
نيوز بار
خريف العمر.. حين يشيخ العطاء على أرصفة النسيان
خريف العمر.. حين يشيخ العطاء على أرصفة النسيان
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

فاضل محمد الربيعي

 

​بين غضون جبهته المتعبة، تُقرأ فصول حكاية عُمرٍ بأكمله. هو ليس مجرد عابر سبيل في قطار الحياة، بل هو ذاك الذي أفنى زهرة شبابه ليُعبد الطرقات، ويُشيّد الصروح، ويُعلّم الأجيال، ويحرس أحلام الوطن بقلبٍ نابض بالولاء. إنه المتقاعد العراقي، الإنسان الذي تقاعد عن العمل، لكنه وجد نفسه فجأةً في مواجهة معركة أشرس: معركة البقاء على قيد الكرامة.

​أصابع العوز.. حين تلوّح بالانكسار

​تلك اليد التي كانت تخط بالطبشور على اللوح، أو تمسك بالمعول في ساحات البناء، أو تُوقع المعاملات بزهو الموظف النزيه، باتت اليوم ترتجف وهي تُحصي دنانير معدودات لا تكاد تكفي لسد رمق الأيام الأولى من الشهر.

​لقد امتدت أصابع العوز العجوز لتعبث بتفاصيل حياته البسيطة. الراتب التقاعدي، الذي يُفترض أن يكون وسام تكريم لرحلة العطاء، استحال في زمن الغلاء الفاحش إلى شبحٍ ضئيل لا يقوى على مجاراة متطلبات العيش. يقف المتقاعد في طوابير الانتظار، لا ليحصد ثمار تعبه، بل ليشتري بضع قُبُلات من الطمأنينة لعائلته، فيعود محملًا بالخيبة والأسئلة المعلقة على جدران الصمت.

​المرض.. الزائر الثقيل في خريف العمر

​لم يكن العوز وحده من يطرق الباب؛ بل رافقه زائر ثقيل لا يرحم الوهن: المرض.

جسد المتقاعد الذي تآكلت مفاصله في دروب الخدمة العامة، بات اليوم ساحة لأوجاعٍ شتى. الضغط، السكري، وآلام المفاصل أصبحت رفيقة درب لا تفارقه. وبينما كان ينبغي أن تكفل له الدولة ملاذًا صحيًا مجانيًا يليق بشيبته، يجد نفسه تائهًا في أروقة المستشفيات، يبحث عن دواء يعزّ شِراؤه، أو عملية جراحية تقف بينه وبينها أرقام فلكية يعجز عن توفيرها. تتحول وصفة الدواء إلى همٍّ يومي، يوازن فيه بين لقمة عيش أبنائه، وجرعة أمل تُسكن أوجاعه.

​"أصعب أنواع الألم ليس ذلك الذي يستوطن الجسد، بل ذلك الذي يسكن الروح حين يشعر المرء أنه بات عبئًا على وطنٍ قدّم له كل شيء."

​الإهمال.. جحود المؤسسة وغياب الوفاء

​إن أشد ما يؤلم قلب هذا الشيخ الوقور ليس قلة ذات اليد، بل هو شعور الإهمال والنسيان.

​حين يلتفت حوله، يجد أن المجتمع والمؤسسات التي بناها بلحم دمه قد أدارت له ظهر المجن. يُنظر إليه أحيانًا كرقَمٍ عُمرّي انتهت صلاحيته، يُركن على رفوف النسيان دون رعاية نفسية، أو نوادٍ ثقافية واجتماعية تحتويه، أو ميزات تفضيلية تكرم شيبته في الدوائر الحكومية والمرافق العامة. هذا العقوق المؤسساتي يترك في النفس غصة لا تبرأ، فالإهمال هو الموت البطيء للكرامة الإنسانية.

​نداء إلى الضمير الحي

​إن المتقاعد العراقي ليس حالة إنسانية تستجدي العطف، بل هو صاحب حقٍّ يُطالب بوفاء الدَّيْن. إن نظرة واحدة إلى عيني هذا الشيخ، المليئتين بالكبرياء العراقي المغلف بالدموع المحبوسة، تكفي لتهتز لها الضمائر.

​إن إنصاف هذه الشريحة ليس ترفًا، بل هو مقياس لتحضر الأمم ووفائها. يحتاج المتقاعد اليوم إلى:

​راتبٍ كريم يضمن له العيش العزيز ويواكب متطلبات الحياة المعاصرة.

​ضمانٍ صحي شامل ومجاني يُعفيه من ذل الحاجة للمرض.

​رعاية معنوية ومجتمعية تُعيد له هيبته ومكانته كأبٍ روحي ومؤسس لهذا المجتمع.

​خاتمة

​سيبقى المتقاعد العراقي، رغم عاديات الزمن وقسوة الظروف، رمزًا للصبر الجميل والكبرياء السامق. وستبقى تجاعيد وجهه خريطة للوطن الذي أحبه وأفنى عمره لأجله. حريٌّ بنا، وبصناع القرار، أن نحتضن هذا الخريف قبل أن تذرو الرياح أوراقه، فمن لا يكرم شيبته، لا يستحق شبابه، ومن نسي ماضيه.. تاه في حاضره ومستقبله.

المشـاهدات 39   تاريخ الإضافـة 02/06/2026   رقم المحتوى 71109
أضف تقييـم