السبت 2026/6/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 34.27 مئويـة
نيوز بار
التماعات بكاء طليق قراءة في المجموعة الشعرية (( الــــَبومْ ))
التماعات بكاء طليق قراءة في المجموعة الشعرية (( الــــَبومْ ))
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

نصير الشيخ

 

 وفقا للعتبة التي يشي بها العنوان (( البوم )) يكون لدينا نموذج شعري يحتفظ بديمومة علائقه ، وحرارة توهجه ، فها هي الشاعرة (( رفاه الأمامي )) .. تجعلنا نتصفح سِفر حياتها عبر " صور " تشكل بنية متشابكة العلاقات وفق سياقها الذي أوجدته ..

فالصورة الشعرية (( تخلق لا لتنقل معنى ، أو تأتي بمعنى الشبه في سياق مجرد ، وانما لتخلق جواً يتسرب فيه تيار داخلي مضيء ، جذوره في الاستجابة الإنسانية للعالم)) على وفق كلام  الناقد كمال ابو ديب .

لذا شكلت صور رفاه الامامي ( موتيفات ) شعرية ، اعتمدت التكثيف اللغوي عنصراً وظيفياً مشحوناً بحس الشاعرة الانفعالي ، وشجوها العاطفي عبر استجلائها صور من تحب .. أو صور من شكلت معه أواصر علائقية /شرفات/ مدن/ صور أخرى . اخذت حيزها النفسي في الذات الشاعرة ، وكأن بالصورة كــ " فوتغراف " التي تعني – لحظة تجميد التاريخ – تشّكل معبراً بين ماضٍ مغرقٍ بالذكريات ( شخوص، أمكنة ، هواجس) ، وحاضر مستعاد في كل لحظة ، ومستقبل متوجس وخطىً مجهولة .

 (( ما ينتجه الشاعر ليس التعبير عن العاطفة ، وإنما شيء جديد ينتج عن تكثيف عدد كبير جداً من التجارب ، لان الشعر ، ليس اسهابا في التعبير عن العاطفة،  وإنما تحرر منها ، وهو ليس تعبيراً عن الشخصية، وإنما هو تحرر منها )) هذا ما قاله اليوت ..

فهل دلتنا النصوص – الأثــر إلى خطى سعي "رفاه الامامي" للتحرر من ضغطها العاطفي، متمثلاً بمن يحيطها من أواصر عائلية ، كما جاء في المدار الأول حسب تقسيمي – اذا اعتبرت ان الذات الشاعرة هي مركز بؤري محاط ٌ بمراراتٍ، تمثلها العلائق التي أنشأتها الشاعرة حسب تقسيم المجموعة ( صورة ، شرفات ، أقمار، أصدقاء ، مدن بورتريتات ، صور أخرى ، ظلال ) .

فـ صور ، أمي ، أبي ، خالتي ، رفاه .. هي تعبير حي لفعلٍ متنامٍ في دواخل الشاعرة،  تحاول من خلاله، وبكل ما أوتيت من حسٍ شعري للاحتفاظ بهذا الدفق الإنساني الذي يتأرجح بين الفقد والوجود . فها هي صورة / الأم / تطفح على السطح التعبيري للجملة الشعرية ، أخذة من الابعاد النفسية للشاعرة تجذرها ، ومن القدرة التعبيرية في نصها توهجها ، فهي تصبح – كوناً صوفياً – أي الأم – لمرموزيتها العالية لعناصر ( الحنو ، الدفء ، الحنين ) .

هذا الكون الصوفي يشكل فيما بعد مهيمناً روحياً في مجمل التجربة الشعرية للشاعرة،  ويصبح مثابة مضيئة في تعبيرية الإنشاء الشعري لرفاه الأمامي ، وينتظم فيما بعد مع المدارات المتبقية في جدلية الحضور والغياب ، بعد غرق الشاعرة وذاتها ، بهذا الفيض الكوني.

  ثمة عودة لرخامية الواقع بعلائقه والتماعات أشيائه ، فها هي تفتح مداراً أخر من  (إلبومها ) مدونةً عليه أشكالا من التواشج الإنساني تمثله الصداقة .. بمستوياتها الاجتماعية وبقيمتها الاعتيادية عبر صورأربع ، تمثل عناصر التضاد والمراوغة والخطيئة .

(بعينين مغمضين ،

سقطت في أعماق جسده المجوف،

بحثا عن  عود ثاقب ) .

من هذه النقطة  ترشح لدينا مستويات من متوالية الحس الإنساني الأول للشاعرة .

الأول/ علوي . تمثله مرموزية الأم ، في التصور والرؤية والتعبير / صور وشرفات.

الثاني / واقعي ، يومي ، تسجيلي / اصدقاء ، بورتربنات ، صورا أخرى .

لكن مستوى الدلالة يبقى على جوهريته ، عبر لغة الشاعرة في اشتغالاتها الواعية في الاقتصاد الكبير في التعبير ، واعتمادها التكثيف اللغوي الذي يقترب بالنص الشعري، لديها من (قصيدة الصورة) أو الإيقونة .. كنمطٍ شعريٍ ، حتى في استخدامها الجملة الشعرية إلى رسم ملامح دقيقة للصورة المتشكلة في ذهنها ..

( مطل على البوح من نوافذها المعلقة الأحلام ..

فاين يفضي حنينك المعتق بوحاً ،

 كسادنٍ  معبدٍ مستباح  ).

 من محيط العلائق الاجتماعية الذي شكل مدارا في بناها الشعورية والشعرية . تنفتح بصيرتها على أفقٍ ابعدٍ تتشكل فيه قوى الرصد العينية ، ممزوجة بإشارات مجساتها الروحية التي تتوهج عبر اقتناصها لصور ومشاهد تكوينية في ذاكرة الشاعرة وذهنيتها الناشطة ، متأتية من انتقالها المكاني عبر السفر – كحركة فيزياوية تعتمد قطع المسافة كأشتراط جغرافي ، والإزاحة ، كخلخلة نفسية تحيل إلى الافتراق . تتيحان الفرصة الكافية لاكتشاف عوالم اخرى في أبعادها الزمانية والمكانية والتصورية .

 فها هي المدن تشير لجهاتها ، يتشكل مداراً أخر حول الذات الشاعرة في تجوالها ، فتنبجس من جبينها وعلى امتداد خطوط العمر ، ذكريات تشظت بحطام جناح الوطن – النسر . "أنا" اللوعة على الوطن المحاصر ، الذي يمثل تاريخها الوجودي والروحي ، وتألف فيه مفردات حياتها ، لذا تقع بين قطبي شر بين حنين الانتماء متمثلاً في مدنها المعنية ، بغداد / مجدولة الضفائر كرخا ورصافة .. وهي حين تغادرها – كفعل سفر ، تحدث خلخلة في البنى الشعرية لديها ، لذا (( ارتدي ترابك متحسسة مفاتن دجلة في مساماتي)) .. والبصرة ثغر الوطن الباسم (( مرخية سعف شواطئها .. تصبح على نخيل )) . هذا الشعور المشحون بهذه القدرة التعبيرية التي هي اقصى غايات الشاعرة لتأكيد فعل – إنوجادها كذاتٍ تشكل مركزاً، مادتهُ مجساتها الفاعلة لنقل تجاربها  ، إن لم نقل المساهمة في بحثها الدائم عن اجابات لأسئلة الوجود الانساني اللامنتهية .

   لذا جاءت نصوص رفاه الأمامي .. ( بورتريتات ) معلنةً صراحة اسمائها وشخوصها ، في بوح شاعري، دائرة في حركة من الزمن اللاشعوري ، وكأن بها  تتعقب أثار من تعنيهم – وتلتقط على أثره ذرات خطاهم الملتمعة كحبات الألماس الأخضر .. وهي تضيء مداراتها الُمشكلةِ – متوالية الحسّ الإنساني في أبهى تجلياتها،  وصولا لغاياتها الجمالية العالية ..

 ـــ  البــَومْ / رفاه الأمامي – مجموعة شعرية

           المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت 99 .

المشـاهدات 38   تاريخ الإضافـة 13/06/2026   رقم المحتوى 71290
أضف تقييـم