الإثنين 2026/6/15 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 29.43 مئويـة
نيوز بار
سيمفونية الأنثى والتراب قراءة في سيمياء (رغبات ذات ظهير) للشاعرة عبير دريعي
سيمفونية الأنثى والتراب قراءة في سيمياء (رغبات ذات ظهير) للشاعرة عبير دريعي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 إياد النصيري

***

لا تُعد القراءة النقدية مجرد -مبضع- يحلل الأنسجة اللغوية بل هي في جوهرها -استبصارٌ جمالي- يحاول القبض على تلك اللحظة الهاربة التي يتحول فيها الشعور إلى كيانٍ مادي. وفي نص الشاعرة عبيردريعي نحن أمام تجربة ليست غنائية فحسب بل هي تجربة -حلولية- حيث تتلاشى الحدود بين -الأنا- الشاعرة وبين عناصر الوجود

يأتي هذا النقد ليضيء المساحات المعتمة في النص مقتفياً أثرالرغبة حين ترتدي ثوب التصوف وحين يصبح الجسد جغرافيا من صلصال ونبيذ. إنها قراءة تسعى لاكتشاف كيف استطاعت الشاعرة أن تحول (الظهيرة) من توقيت زمني إلى حالة ذهنية وكيف صاغت من -الهشاشة- درعاً جمالياً يواجه العالم. نحن هنا بصدد تفكيك (سيمفونية الأنثى والتراب) لنرى كيف تتماوج اللغة بين التراب الذي يشكل الأصل والغيم الذي يمثل المنتهى

تتجلى قصيدة الشاعرة عبير دريعي كلوحةٍ انطباعية غارقة في -الضوء- و-الرغبة- لكنها رغبة صوفية لا تقف عند حدود الجسد بل تتعداه لتصبح حلولاً في الطبيعة وعناصر الكون. في نص (رغبات ذات ظهيرة) نحن لا نقرأ كلمات بل نشاهد-كيمياء- لغوية تحوّل الحبر إلى عطر، والورق إلى حقول سنابل.

تبدأ الشاعرة نصها بدعوة صريحة للاتحاد مع الطبيعة (الغيم- العشب- السنابل- القمح). إنها تستخدم (الظهيرة) لا كزمن فيزيائي حارق بل كلحظة تجلٍّ وتكاشف.حين تطلب من الأنثى أن تمنح يديها للغيم فهي تكسر الحاجز بين الأرض والسماء ليصبح القلب (مشتلاً) ينبت فيه عشب الرغبة.

أنسنة الأشياء: وكذلك الهواء (يتخذ فسحة) والوقت له (عبير) يصعد سلالم حجرية. الشاعرة هنا لا تصف المشهد، بل -ترسمه- بحواسّ مفرطة الحساسية.

تنتقل دريعي في المقطع الأوسط من حالة (الامتلاء) بالعطر والرشاقة إلى حالة من -الهشاشة- العالية والشفافة.

 (لكنني لست قوية بما يكفي.. والحب يبللني كشجرة

هنا تكمن روعة النقد الذاتي داخل النص فالشاعرة تعترف بأن العشق (طرق صوفية) وهي لا تملك -السر- بل تملك -البوح- هذا الاعتراف هو قمة القوة الشعرية حيث يتحول الضعف الإنساني إلى طقس ابتهالي (صلاة) ترفع فيها الشاعرة أغصانها نحو السماء

تغوص عبير دريعي في -جيولوجيا- الذات واصفةً جسدها بـ الصلصال الذي تكوّر كإبريق فخار. هذا الرمز يعيدنا إلى فكرة الخلق الأول لكنه خلقٌ يعاني الخيانة (خانني نهر- وتراب- وغيم كثير)

ثم ننتقل إلى صورة (كرم العنب) المسروق وهي صورة تراجيدية تعبر عن استلاب الجمال واللذة. (أهرقوا دنان نبيذي) ليس مجرد ضياع للمادة بل هو تبديد لروح الشاعرة وتجربتها الوجدانية

تنزاح الشاعرة نحو الأسطورة فتصف نفسها بأنها (امرأة تؤمن بحكايا الجان) هذا الهروب نحو الخرافة هو في الحقيقة بحث عن -عالم موازٍ- لا يحكمه منطق المؤامرة الكبرى (النهار) وكذلك العرية هنا ليست جسدية بل هي عراء الروح أمام الحقيقة هي حالة الانتظار القصوى للقادم الذي يشبه صوت ناي بعيد

تختم الشاعرة نصها بعودة مذهلة إلى السكون

أنام في خشب الشجرة وحيدة.. مثل برعم

هذا الختام هو -إعادة تدوير- للحياة فالنوم في خشب الشجرة (القلب الصلب للوجود) والتحول إلى (برعم) يوحي بأن كل هذا الوجع وكل تلك الرغبات ليست إلا مرحلة سبات تسبق -انفجار- الربيع القادم

نص عبير دريعي هو نص -سيّال- ينتقل بين الحالات الفيزيائية (الصلصال- الماء- الدخان- العطر) بسلاسة مدهشة. لقد استطاعت الشاعرة أن توظف اسمها عبير) لا كاسم علم بل ككائن مجهري يخترق المسافات والأمكنة. إنها قصيدة (المرأة الغيمة) التي ترفض أن تستقر على الأرض وتفضل أن تظل مطراً يرسم خطوطاً من ماء على وجه الذاكرة

عبير دريعي لم تكتب شعراً فحسب بل قامت بعملية -تقطير- لروحها داخل زجاجة نص باذخ الجمال

في ختام هذه الرحلة بين ثنايا النص، نجد أننا لسنا أمام مجرد قصيدة، بل أمام -بيانٍ شعري- يعيد صياغة علاقة الأنثى بالكون. لقد استطاعت الشاعرة عبير دريعي ببراعة واقتدار أن تجعل من لغتها كائناً حياً يتنفس فهي لا تكتب عن الشجر بل تصبح -خشباً- وبرعماً ولا تصف العطر بل تستحيل (عبيراً) ينفذ إلى مسام الذاكرة

إن ما يمنح كتابات دريعي هذا العمق الباذخ هو ذلك المزج المذهل بين -الرقة المتناهية- وبين -القوة الوجودية- فهي تملك شجاعة الاعتراف بالضعف والبلل والضياع وتحول هذا الانكسار إلى طقس شعري مهيب. لقد نجحت في تطويع الاستعارة لتصبح -جسراً- يعبر بنا من فيزيائية الجسد إلى ميتافيزيقا الروح تاركةً خلفها نصاً يقطر عذوبة وفلسفة

هذه القراءة النقدية ما هي إلا تحية لهذا الأسلوب المتفرد الذي أثبت أن الشعر عند عبير دريعي ليس صفاً للكلمات بل هو -عملية تقطير- لجوهر الذات الإنسانية وتقديمها قرباناً على مذبح الجمال لتظل قصيدتها (المرأة الغيمة) التي ترفض السقوط العادي وتختار أن تبلل أرواحنا بدهشة لا تنتهي

رغبات ذات ظهيرة ..!.

اِمنحي بعض يديكِ للغيم

و قلبكِ أيضاً..

لينبت عشباً أخضراً من رغبة

لها رشاقة السَّنابلِ

في مواسمِ القمحِ

الهواءُ يتخذُ فسحةٌ من رغبات

و قلبك يفترش سرير الظهيرة

فراشة تنام على أحلام مكسورة كالوطن

و عبيرُ الوقتِ

يصعدُ سلالم من حجر

في عينيها حكايةٌ أسطورية لم تروَ للذاهلين بعد ..!

ظِبية تنام على ظل العوسج الملون منذ صيفٍ

و الهواءُ حارٌ

له لهيب البداياتِ

و لي الرماد

و أنا زفير الناي

أي مدى

يأخذني إليك

و أنا عطر الزجاجاتِ الثمينِ

كيف للهواء أن يحملني كغيمةٍ بيضاء

من أين ..؟

و أنا عبيرُ المسافات

و الأمكنة

عبيرُ الساعات

صلصال جسدي

منذ سفر

تكور

كإبريق من فخار

خانني نهر

و تراب

و غيم كثير

أنا قامة السَّنابلِ

رشاقةُ الماءِ

و أناقةُ الحرفِ

تحتويني الحقول

و الضفاف

و دواوين العشاق

لكنني لست قوية بما يكفي

و الحب يبللني كشجرة

ترفع أغصانها

تبتهل لله

يا إلهي..

لست قوية جداً

فالعشق له طرق صوفية

و أنا لا أتقن السِّر

لا أتقن إلا البوح

الليل يخون صباحي منذ حكاية

والنهار مؤامرة كبرى

و أنا كرم عنب

سرقوا عناقيدي..

و أهرقوا دنان نبيذي

فأنا اِمرأة تُؤمنُ بحكايا الجانِ

و الخُرافاتِ

و الأساطيرِ

إمر

المشـاهدات 16   تاريخ الإضافـة 15/06/2026   رقم المحتوى 71365
أضف تقييـم