الإثنين 2026/6/15 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.04 مئويـة
نيوز بار
خروف في الصندوق..الإنسان الآلي يهجر عالم البشر
خروف في الصندوق..الإنسان الآلي يهجر عالم البشر
فن
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

محمد هاشم عبد السلام

 

في اليابان، وفي عدة دول أخرى آخذة في التزايد، باتت علاقة الإنسان الوليدة بالدمى، أو الروبوتات أو الشخصيات الافتراضية، تمثل ظاهرة لافتة وخطيرة للغاية. إذ تفيد المؤشرات بأنها آخذة في الازدياد، لدرجة قد تستفحل مستقبلًا، وتخلق مشكلات لم تخطر على البال. واللافت في الأمر، أننا نتعامل الآن مع الأمور بخفة، وضمن إطار الظواهر الغريبة والسلوكيات الشاذة، وربما حتى المضحكة، سيما المتعلق منها بالزواج، ونطمئن أنفسنا في النهاية بأنها عابرة، أو مختلقة لجذب الانتباه. فهل الأمور كذلك فعلًا؟!

 

واقع تكنولوجي مخيف

 

في الواقع، يبدو أن الأمور مؤخرًا ماضية في اتجاهات مغايرة ومخيفة وغير متوقعة. إذ لم يعد مزعجًا بالمرة كون البشر في علاقات عاطفية مع شخصيات افتراضية أو روبوتات، أو اتخاذهم لروبوتات أو دمى متقدمة أو فائقة الذكاء لأغراض الرفقة أو المهام اليومية أو حتى الجنس، والعزوف المتزايد عن العلاقات الطبيعية، الاجتماعية والتقليدية، وعلاقات الزواج، وتنامي ثقافة الأنيمي والألعاب التي تشجع الارتباط بشخصيات خيالية. في اليابان تحديدًا، طَوَّرَت شركات عديدة روبوتات أو مساعدين افتراضيين للعلاقة العاطفية، وشخصيات افتراضية ليتفاعل معها المستخدم وكأنها "شريكة".كما توجد دمى واقعية، وروبوتات محدودة القدرات، لأغراض الرفقة أو الجنس. الأمر يتم تسويقه وتبريره أيضًا بضغوط العمل، وضيق الوقت، ومصاعب وتكاليف الحياة، والعزلة الاجتماعية عند بعض الناس، وكلها من الأسباب التي دفعت الغالبية إلى الوحدة، وانحسار العلاقات الاجتماعية والجنسية، وانخفاض معدلات الزواج والمواليد. المشكلة أن الأمر أفضى في النهاية إلى تقبل ما، في اليابان، بل وأحيانًا الترحيب بالتكنولوجيا والعلاقات المستجدة معها، مقارنة بصعوبة العلاقات التقليدية مع البشر بالنسبة للبعض.

 

"الأمير الصغير" والخيال العلمي

 

أسوة بترك الطفل الفضائي لكوكب الأرض، بطل رواية "الأمير الصغير" لأنطوان دو سانت إكزوبيري، يختتم المخرج الياباني هيروكازو كوري إيدا فيلمه الأخير "خروف في الصندوق"، المشارك الشهر الماضي في منافسات "المسابقة الرئيسية" لـ"مهرجان كانّ السينمائي الدولي" في دورته الـ79 (12 - 23 مايو/ أيار، 2026)، بهجرة مجموعة من "البشر الآليين"، إن جاز التعبير، لعالم البشر وحيواتهم، بعدما كفروا تقريبًا بالإنسان وسلوكياته وعوالمه. ولذا، يذهبون اعتمادًا على ذكائهم أو بصيرتهم الآلية السليمة للعيش في الغابة، وسط أحضان الطبيعة التي هجرها الإنسان، وعاداها واعتدى عليها، وقطع صلته بها في أفضل الأحوال. بهذا يؤكد المخرج، مجددًا، على تيمة العودة إلى الطبيعة، والحياة البسيطة وسط الحقول والغابات، والتي ألمح إليها أكثر من مرة في سينماه، وبرزت في فيلمه قبل الأخير "الوحش" (2023). حيث كانت الغابة والمناطق الطبيعية المهجورة الملجأ للطفلين الصديقين اللذين أوضحا، كما أوضح لنا الروبوت في "خروف في الصندوق"، أنه أحيانًا يفطن الصغار إلى ما يغفل عنه الكبار، بل ويتفوقون على الآباء فعلًا. وربما مرد هذا لكون الآباء تحركهم، أو بالأحرى تُعميهم، الغريزة وتحد من حرية رؤيتهم وتفكيرهم، بينما الأبناء تحركهم الفطرة والفضول وتخيل ما ليس موجودًا داخل الصندوق من خروف أو خراف.رغم احتواء رواية "الأمير الصغير" على كائن أو مخلوق فضائي، من كوكب صغير متخيل، هل يمكن اعتبار الرواية منتمية إلى أدب الخيال العلمي؟ يخيل لي أنه، ومن وجهة نظر أدبية بحتة، مقارنة بأدب الخيال العلمي المعروف، يصعب تصنيف الرواية كأدب خيال علمي. الأمر ذاته ينسحب على فيلم "خروف في الصندوق" لكوري إيدا. إذ من الصعب فعلًا وصف دراما وأحداث الفيلم الخيالية المستقبلية بالخيال العلمي البحت، على النحو المتعارف عليه. وإن كان يستقيم وصف الأحداث أكثر بكونها دراما خيالية مستقاة من جموح وشطط وشطح الواقع الراهن. إذ لم يأت المخرج بجديد أو بمفارقة علمية عندما قدَّم دمية بشرية روبوتية في الفيلم، ولم يبدع في جعلها على هيئة البشر، ولا في جعلها متسمة ببعض التطور الإنساني، بل ويحسب له إبعادنا تمامًا عن الغرق في تعقيدات تكنولوجية، إلا في نطاق ضيق لضرورة درامية.مثلًا، عندما اضطر الروبوت إلى نزع الرقاقة التي تحدد مكانه، أو عندما سقط وجرى التوجه به لإصلاحه. ومن ثم، لم يشغلنا المخرج بتفاصيل تكنولوجيا، ولم يغرقنا في عالم الخيال العلمي، إذ ليس ثمة حاجة فعلًا لهذا كله. قوام الفيلم دراما تركز على مأساوية الواقع الراهن، وما بات البشر يرتضونه لحيواتهم، وتضفير هذا بمستجدات تكنولوجية شاذة، صار التعامل معها هو العادي والطبيعي. تجلى هذا في رفض الأم وبطلة الفيلم للإنجاب الطبيعي مجددًا، والحمل ببشر من لحم ودم، وتفضيل الاستعاضة عنه بالعيش في الوهم مع الروبوت البشري الشبيه بابنها المتوفى.لم يُشر هيروكازو كوري إيدا إلى أن فيلمه "خروف في الصندوق" مقتبس من رواية "الأمير الصغير" أو أنه استعان، مباشرة أو بتصرف، بحبكتها. لكن التشابه الرمزي لافتٌ جدًا، ومن الصعب تجاهله. العنوان نفسه، "خروف في الصندوق"، يستدعي مباشرة واحدة من أشهر لحظات رواية أنطوان دو سانت إكزوبيري، حين يرسم الطيار صندوقًا ويقول للأمير الصغير إن الخروف بداخله، فيفرح الأمير الصغير جدًا بعدما أكمل خياله الصورة وتخيل الخروف بالداخل. هذه الصورة أصبحت رمزًا للخيال، والإسقاط، وما لا يُرى بالعين المجردة. وهذا، تقريبًا، ما تقوله الأم لابنها الروبوت بينما تقرأ له "الأمير الصغير" قبل النوم. ما يؤكد على إحالة المخرج، الثقافية والرمزية، لعمل رفيع في الأدب المعاصر. وهذا أيضًا يتماشى مع شخصية كوري إيدا، الذي حاول امتهان الأدب في صدر شبابه، والكاتب لأغلب سيناريوهاته، والمعروف باهتمامه البالغ بالطفولة، والعلاقات الأسرية، والروابط الإنسانية البسيطة النبيلة.

 

أسئلة يطرحها الفيلم

 

تدور أحداث الفيلم في المستقبل القريب حول زوجين، أوتوني (هاروكا أيازي) وكينسوكي (دايجو ياماموتو)، يقرران تبني طفل، لكنه ليس طفلًا بشريًا، بل نوعية من الروبوت البشري المتطور أو ما يعرف باسم (Humanoid) ليكون على هيئة "ابنهما" الراحل. ما الذي يترتب على هذا؟ في البداية، يبدو أن القرار محاولة لاستعادة قوام العائلة، أو كتعويض للفقد أو الفراغ العاطفي أو حتى التكفير عن الذنب جراء الإحساس بالمسؤولية عن فقدان الطفل، الذي يبدو أنهما قصرا في الانتباه له فتعرض لحادث. وبصرف النظر عن كيفية الوفاة وتبعاتها، تدريجيًا، ينقلنا المخرج كعادته إلى ساحة الأسئلة الأخلاقية والنفسية المتجسدة أمامنا بعمق درامي. مثلًا، أيمكن اعتبار الروبوت "ابنًا"؟ ما معنى الحب في علاقة غير بشرية أو أحد أطرافها غير بشري؟ هل المشاعر حقيقية أم مُحاكاة؟ وغيرها من الأسئلة التي تتعقد أكثر في ظل متابعتنا للعلاقة الناشئة، ثم المتطورة بين الزوجين و"الطفل" الروبوتي، وكيفية تحولها إلى اختبار عاطفي غاية في التعقيد. ما يضع أمامنا تعريف مفهوم "العائلة"، ليس في ظل الإنسان الروبوت تحديدًا، بل في التطورات العصرية والتكنولوجية التي نعيشها والملتحمة بحياتنا اليومية. سيما وأن الروبوت هنا ليس مجرد أداة أو شكل يشبه الطفل الراحل فحسب، بل كائن شبه بشري، يتعلم ويتفاعل، وربما "يشعر". ما يخلق الكثير من التوتر والحيرة والغموض والالتباس بين الإنسان الطبيعي، والإنسان المُصَنَّع، ويكرس لفقدان الحدود بين الإنساني والآلي، و"الحقيقي" و"المصطنع"، و"الواقع" و"المتوهم".كما يطرح الفيلم أسئلة أخرى جد شائكة حول أحقية البشر في استعادة الموتى، وحيواتهم وهيئاتهم، ومدى أخلاقية الأمر. وقبل هذا، هل الحب يحتاج إلى إنسان أم يكفي أن نشعر به، حتى وإن كان هذا الشعور تجاه آلة؟ ومن بين أهم الأسئلة التي تجعلنا نربط مجددًا بين الرواية والفيلم توظيف المخرج وربطه لفكرة إن كانت الحقيقة هي ما نراه فعلًا أو ما نتخيله أو نشعر به؟ وهذا هو ما جعل الطفل في الرواية يصدق الطيار، بعدما أعمل خياله وتخيل الخروف في الصندوق، والأمر ذاته تقريبًا ينطبق على الأبوين. وهذا يجرنا للتساؤل إن كانت الحقيقة والواقع أهم، أم المشاعر والأحاسيس الصادقة للأب والأم، حتى وإن كانت تجاه الابن الروبوتي شبه البشري؟!

 

تناقض غريب وساخر

 

المثير للسخرية، أو حتى المفارقة الغريبة جدًا، كون فيلم "خروف في الصندوق" يستدعي إلى الأذهان فيلم "أطفال البشر" (2006) للمكسيكي ألفونسو كوارون، وهو من نوعية أفلام الخيال العلمي غير الصريحة. تدور أحداثه في عام 2027، وتتناول باختصار شديد حرص البشر البالغ على توفير سبل الرعاية والحماية لشابة تحبل بعد انقطاع البشر عن الإنجاب منذ عقود، ودخول العالم في انهيار نفسي واجتماعي وسياسي جراء تفشي العقم.بينما، على النقيض، في "خروف في الصندوق"، لم تعد مسألة إنجاب البشر من عدمها بمثل هذه الأهمية أبدًا، فالبديل الروبوتي صار موجودًا وفي المتناول تقريبًا. وفي حين يطرح "أطفال البشر"، من بين أفكار أخرى، كيف تنهار المجتمعات، والإنسانية، عندما تفقد الأمل في الغد، ويتزايد اليأس من المستقبل، نجد عند كوري إيدا أن الروبوتات ذاتها هي التي تتمسك بالأمل، وتمضي صوب صنع عالم أفضل يخصها، عكس البشر.

 

تنويعات على نفس اللحن

 

المثير للدهشة أكثر، توقف الأغلبية عند سطح "خروف في الصندوق"، وانشغال الأكثرية بفكرة الإنسان الروبوت، وتبعاتها، ومدى نجاحه في تقديم فيلم خيال علمي مقنع، وعدم الانتباه كثيرًا إلى أن المخرج لم يحد عن نفس تيماته المعهودة، فنحن مجددًا، أو كالعادة، في حضرة العائلة، والعلاقات الأسرية، والأطفال، والأنسجة الاجتماعية الممزقة، والعلاقات الهشة بالعوالم المحيطة، التي كثيرًا ما تناولها كوري إيدا في أفلامه. غير أن الجديد هنا هو مفارقة الواقع قليلًا، بإدخال تيمة الخيال العلمي، كأداة لطرح ذات الأسئلة. كما أننا في حضرة التناول المنطلق من الأخلاقي، والدراما النفسية المتمحورة حول الأطفال، واستكشاف المنطق، واختبار الأخلاق عبر تلك العلاقة. وذلك بأسلوب المخرج المعهود والمتوقع والهادئ جدًا، والمهتم بالتفاصيل اليومية، والمواقف الصغيرة، والصمت الحكيم، وغيرها من الأدوات الفنية. وإن برز توظيفه للهندسة المعمارية والفراغات والألوان الباردة المجردة، الغريبة نسبيًا على سينماه. وذلك في إحالة، ربما، إلى العوالم المستقبلية، وطبيعة عمل الزوجة، أيضًا. بخلاف هذا، نحن كما في أغلب أعماله، في حضرة أسئلة كثيرة مفتوحة بلا إجابات حاسمة. وإن آثر كوري إيدا، في خاتمة هذا الفيلم تحديدًا، أن يقدم إجابة أو رؤية، تشاؤمية للغاية، بخصوص تصوره لما قد يحدث مستقبلًا لتلك العلاقة البشرية/الروبوتية التي ربما يُعَوِّل عليها البعض. إذ سينتهي الأمر بهجر الروبوتات لنا، صوب مجتمعات متماسكة تخلقها بعيدًا عنا، مع الإمعان في نبذنا وتركنا وحيدين لمصيرنا البائس.ختامًا، إن كان هيروكازو كوري إيدا قد أتى بجديد في "خروف في الصندوق"، فليس في اللجوء إلى تيمة الخيال العلمي، وإنما في تقديم دراما أكثر رمزية وتأملًا مقارنة بأفلامه السابقة، وببساطة وعمق وعدم افتعال. كما قَدَّمَ، برهافة وصدق، رؤيته المتشائمة لمستقبل بشري قريب سينقسم، على الأرجح كما يبدو، إلى ديستوبيا بشرية، ويوتوبيا روبوتية.

 

المشـاهدات 16   تاريخ الإضافـة 15/06/2026   رقم المحتوى 71360
أضف تقييـم