| النـص : لم تفكر أيًا من الدول الغربية او الشرقية الاستفادة من الفضاء الخارجي كون الاستثمار في هذا المجال مكلف وغير مجدٍ! لغاية منتصف القرن العشرين وتحديدا في عام 1945 اذ ذهب كاتب الخيال العلمي الإنكليزي (آرثر تشارلز كلارك ) الى خوض تجربة رائدة في الكتابة عن الفضاء وهي التجربة الأولى لجذب العقل البشري للولوج في هذا المجال الواسع الكبير الذي ليس له حدود، وعندما نشر ما كتبه في المجلات العلمية تفاجئ بموجة من السخرية الإعلامية واتهامه بالخرف وعدم العقلانية ! مما اضطره الى مغادرة انكلترا والعيش في جزيرة سيرلانكا هربا من التنمر ..هكذا واجه الغرب محاكات الفضاء بالسخرية ! اما في الشرق فكان الاتحاد السوفيتي السابق ( روسيا ) الان سبّاقا لسبر اغوار هذا العالم المملوء بالاسرار والمخاوف ، فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي زاد اهتمام العلماء الروس بهذا المجال وزداد اكثر بعد الحرب العالمية الثانية والذي شجّع على ذلك هو وجود العلماء الالمان (أسرى) لدى الجانب السوفيتي والذين ساهموا بوضع نظريات وتطبيقات كانت مأخوذة من عالم الفيزياء الروسي (قسطنطين تشيلكوفسكي ) بالتعاون مع رئيس مجموعة التصميم الأساسي لمنظومة الفضاء العالمي ( سيرجي كوروليوف) ، وبسبب الوضع السري للبرنامج لم يُعلن عن النتائج المهمة لضمان النجاح و التفوق واعتماد عنصر المفاجئة ليزف الاتحاد السوفيتي يوم 4/10/1957 خبر انطلاق اول قمر اصطناعي الى الفضاء هو (سبوتنك - Sputnik-1) ليقوم بعدة مهام منها قياس كثافة الغلاف الجوي واختبار أنظمة الاتصالات في الفضاء الخارجي مع جملة من البحوث العلمية كواحدة من أسلحة التكنلوجيا المتقدمة في العالم ، ومن هنا برز للفضاء أهميته الفائقة في التقدم التقني على جميع الأصعدة والمحاور .اما الغرب ونقصد بذلك أمريكا وبعد مرور عقد من الزمان تنبه العلماء الامريكان الى ما ذهب اليه كلارك في كتاباته عن اهمية الفضاء ففي عام 1955 تبنى الباحث الأمريكي (بيرس) من دراسة الفضاء فقام اولا بتعريف مواصفات المنظومات الفضائية ( محطات فضائية وارضية ) وقام بحساب السرعة والمسافة ، في حين تبنى الاتحاد الدولي للاتصالات ( ITU) ليقّسم الفضاء الخارجي الى ثلاثة مدارات الأول وهو المدار الواطئ ( IEO) ويبدأ من 180 كم الى 2000 كم ، والمدار الثاني المتوسط الارتفاع ( MEO) ويبدأ من 2000 كم الى 35780 كم والثالث عالي الارتفاع ( HEO) ما فوق 35780 كم فما فوق بضمنها المدار الثابت ( Geostationary) الذي يكون على ارتفاع 35780 كم ، وبعد ان تجمعت كثير من البحوث والتجارب استطاعت أمريكا ان تطلق اول قمر اصطناعي في 10/6/1962 وهو )التيلي ستار -1 Telstar ( وكان للاتصالات والفاكس والبث التلفزيوني ، حيث تم نقل اول بث تلفزيوني مباشر عِبر المحيط الأطلسي ما بين أمريكا واوربا .ومن الجدير بالذكر ان الارتفاعات الثلاثة لكل واحد منهم استخدامه وسرعته فالمدار الواطئ ( IEO) يستخدم للتحسس النائي حالة الطقس وأيضا للتجسس ! كونه قريب من محيط الأرض ، اما المدار المتوسط ( MEO) فيستخدم لتحديد المواقع ( GPS) ، اما المدار الأخير (HEO) الثابت ويستخدم للاتصالات ويمتاز هذا المدار بان الوقت الازم لاكمال دورة واحدة للقمر على هذا الارتفاع هي 24 ساعة ، وهي نفس الوقت الازم لاكمال الكرة الأرضية دورة كاملة ، وبذلك يحصل تزامن بين القمر والمحطة الأرضية ، ويبدوا القمر الاصطناعي وكانه ثابت امام الناظر من الأرض ، مما يسهل عملية التواصل المباشرة بين المحطة الأرضية والقمر الاصطناعي لذا يكون القمر صالح للاتصالات في أي وقت يتم فيه ارسال الإشارة لان سرعته تساوي سرعة الأرض أي انه ثابت بالدوران مع الأرض رغم انه يتعرض لقوتين الاولى الجاذبية الأرضية والثانية الطرد المركزي الذي تدفعه الى الخارج ، وتحديدا في هذا المدار تتساوى القوتين ( الجاذبية والطرد المركزي ) مما يؤدي الى ثبات القمر مع دوران الارض بما يسمى ( المدار الأرضي الثابت -Geostationary Orbit) ، ولأهمية هذا المدار ففي السبعينات من القرن الماضي تم توزيعه على الدول الأعضاء في الاتحاد الدولي للاتصالات ( ITU ) وخصص لكل دولة عدد من المواقع ، فالعراق هو عضو في هذه المنظمة وقد حصل على موقعين (بابلون – 1)و( وبابلون-2 ) ، ولكن نتيجة للحصار الجائر فترة التسعينيات لم يتم دفع الاشتراك ، فـفقد العراق الموقع الأول وبعد 2003 فـُقد الثاني .
ومن اللافت ان مشاريع البث الفضائي (الانترنيت) بدأت في تسعينات القرن الماضي وهي خمسة مشاريع (دلي دسك – لوبل ستار –ICO -الاريديوم – الانتل سات) ولكن المشروع النشط كان مشروع (اريديوم) ويتكون من 66 قمر اصطناعي ، وهي تعمل ضمن مدار منخفض ( IEO) ويعني ذلك يجب زيادة سرعة القمر كي يعادل الجاذبية الارضية ، فكلما نزلنا بالمدار الى الأسفل سنحتاج الى سرعة اعلى وهذا يتطلب التحول من القمر المنفرد الى شبكة من الأقمار! حتى برز رجل الاعمال الكندي الأصل الأمريكي الجنسية (إلـون ماسك ) بمشروع جديد هو ( ستارلنك )حيث تقوم( شركة اسبيس اكس ) لصناعة الأقمار في إطلاق 12 الف قمر كمرحلة أولى ، بعد ان حصل على موافقة الاتحاد الدولي للاتصالات ( ITU) وهيئة الاتصالات الفدرالية ( FCC) اما المرحلة الثانية فسيصل عدد الاقمار الى 30 الف قمر ليكون مجموع الأقمار 42 الف قمر يغطي العالم بأجمعه ، وهو مستمر بأطلاق الأقمار الاصطناعية منذ 2019 حتى وصلت لحد الان 10 الف قمر ، اما المدارات التي استخدمها هي ضمن المدار المنخفض فالمستوى للأول كان على ارتفاع 340 كم والثاني 550 كم والثالث 1150 كم اذ وزّع الأقمار على ثلاثة مدارات ، كما وظهرت شركات أخرى لنفس المضمون مثل ( شركة وان ووب ) المكونة من اربع شركات هي بهارات الهندية وشركة امريكية وأخرى انكليزية والبنك الكوري للتمويل وتعمل على اطلاق 1980 قمر اصطناعي وتتضمن المرحلة الأولى 720 قمر ، اما (شركة امزون ) فهي الأخرى تريد اطلاق 3236 قمر وقد اطلقت جزء منها ، اما المشروع الصيني فُيعد الأكبر من حيث عدد الأقمار التي يمثل المرحلة الأولى اطلاق 13 الف قمر وفي طور استحصال موافقة المنظمات الدولية بأطلاق 203 الف قمر !! وكل هذه الأقمار هي لخدمة الشبكة العنكبوتية الانترنيت التي أصبحت محملة بمزيد من الرسائل و الصور والفديوات والأفلام والوثائق إضافة الى الاتصالات ، وقد وظّـف ماسك جزء من اقمارة للأغراض العسكرية والسياسية وهذا ماحصل في الحرب الروسية الأوكرانية القائمة الان . اما الكيان الصهيوني فلديه أكثر من 43 قمر اصطناعي 7 منها مخصصة للتجسس والاستطلاع ، حيث بدأت الوكالة الفضائية الإسرائيلية عملها منذ عام 1988 حيث اطلقت اول قمر( توكسات -18- Techsat ) وقمر( اوفق-13- Ofek ) للتجسس ولديها قمر( آموس -Amos ) وقمر )فيروس Foros- )، اما الجمهورية الاسلامية الإيرانية فلديها 31 قمر اصطناعي ، وفي خضم هذا العصف التكنلوجي لم يكن العراق غائبا رغم العصف السياسي والأمني المربك ، فقد أقدمت وزارة العلوم والتكنلوجيا عام 2012 بتوقيع مذكرة تفاهم مع جامعة لاسابينزا الإيطالية لتدريب 15 طالب ماجستير ودكتوراه على العلوم الفضائية وقد اثمرت هذه المذكرة صناعة قمر اصطناعي عراقي (دجلة سات ) 100% بدءا من التصميم والتنفيذ والهندسة الفضائية وقد تم بناء هذا القمر في قاعدة كويدرينا الجوية الإيطالية واخذت شركة كاوس الإيطالية مهمة اطلاق القمر( دجلة سات ) على المركبة الفضائية الروسية (دنيير) يوم 19/6/2014 وبكلفة اجمالية مقدارها 60 الف يورو ،اذ يمكن القول ان ( هندسة الفضاء) هندسة واعدة تتزامن طرديا مع الفضاء الرقمي الذي غزى الأرض ومن عليها ، لذا نرى من المهم جدا ادخال مناهج الأقمار الاصطناعية ودراسة الفضاء الى المدارس والجامعات في بلدنا العزيز ، لاسيما وان رأس المال البشري العراقي يمتاز بنسبة ذكاء تصل الى 89% وهي اعلى نسبة ذكاء بالوطن العربي وبإمكان الافراد المتميزين القيام بابتكارات واختراعات فضائية تفاجئ العالم وهم جديرون بها في اثبات قدراتهم العلمية في هذا المجال والمجالات الأخرى .
|